شاعرات العرب المنسيات أفضل من الشعراء

كتاب "شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام" للباحث بشير يموت، يتناول الشعر العربي النسائي، من منطلق أن النساء حقهن مهضوم في الكثير من المجالات، وبخاصة في مجال الأدب.
السبت 2018/02/24
شاعرات عربيات تميزن بالجرأة

حسام فكري

القاهرة  – يتناول كتاب “شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام” للباحث بشير يموت، الشعر العربي النسائي، من منطلق أن النساء حقهن مهضوم في الكثير من المجالات، وبخاصة في مجال الأدب، حيث يظهر ذلك واضحا جليا عند الأقدمين، فقد كان أشهر الشعراء من الرجال، والمعلقات الشعرية الشهيرة كلها لرجال، وسوق عكاظ ميدان التنافس الشعري كان يتنافس فيه الرجال، وعندما نطالع كتب التراث مثل كتاب طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي، أو مختارات من الشعر كحماسة أبي تمام لا نجد شعرا نسائيا إلا في ما ندر، ولا نكاد نرى ديوانا لشاعرة أو مجموعة لنابغة من النساء، فقد أهمل الأولون ذلك تماما.

والغريب في الأمر أن ذلك قد استمر حتى في العصر الحديث، برغم التقدم والرقي إلا أن هذه الظاهرة لم تختف بل خفّت حدتها، نظرا إلى انتشار المجلات والجرائد العلمية التي تساعد المرأة على نشر أفكارها وإظهار فضائلها، ويرى المؤلف أن المرأة أرق عاطفة من الرجل ومشاعرها الفياضة تضفي جمالا على شعرها، كما أن ما يجول في خاطرها وما تضطرب فيه روحها من حالات نفسية قد يفوق الرجل بمراحل.

ولكن الأمر وفق المؤلف هو أن الرجل تتاح له فرصة أكبر في الارتقاء والحصول على المزيد من العلوم والمعارف أكثر من المرأة، كما أن الرجل أكثر جرأة من المرأة في التعبير عن أفكاره الغرامية، والحكي عن مغامراته العاطفية والجهر بالغزل الصريح، ووصف حالات الغرام من هجر ووصال وعذاب واشتياق، على الأقل كان ذلك أكثر وضوحا قديما حيث كان يخشى على المرأة من السقوط في عدم الحشمة، وكانت قديما توضع العديد من القواعد والقيود التي تحد من قدرتها الإبداعية.

والكتاب، الصادر في طبعة جديدة عن وكالة الصحافة العربية – ناشرون، يلقي الضوء على ذلك الجانب المنسي المتغافل عنه من الأقدمين والمحدثين على حدّ سواء، وهو مساهمة المرأة قديما وحديثا في الأدب بشكل عام والشعر بصفة خاصة.

يجمع الكتاب ما تفرق في الكتب والدواوين الشعرية من أجود الشعر وأبلغه وأكثره فصاحة وبيانا، وأشهر الشاعرات العربيات مرتبة ترتيبا تصاعديا بالتدريج، حيث يبدأ بالعصر العباسي وشاعراته، ثم يمرّ بالعصر الإسلامي ويقسمه في شبه سلسلة تاريخية من عصور صدر الإسلام، كما يطلق الباحثون عليه في مجال الأدب، ثم العصر الأموي فالعصر العباسي، ويتناول الكتاب كذلك بعض شاعرات الأندلس، وهكذا.

ويرى المؤلف أنه بإلقاء الضوء على الشعر النسائي نجده قد تطرق إلى كل الموضوعات ولكل أبواب الشعر المعروفة فنجد قصائد في المدح والرثاء والهجاء، وأخرى في الغزل والحكمة والنصيحة، وثالثة في الوصف الغزلي للطبيعة أو حتى التحزب السياسي والقومي.

أما عن مواصفات ذلك الشعر فيرى المؤلف أن الشعر الخاص بالشاعرات العربيات يكاد يضاهي شعر أشهر رجال العرب من فطاحل الشعراء، من حيث جودة السبك وصحة اللغة ومتانة البنيان، ومن حيث الأفكار والتناول وتنوع الموضوعات وطريقة عرضها وطرحها للقضايا المختلفة.

وقد تعرض المؤلف في كتابه إلى بعض القصائد التي تناولت صورا للحب لا يجرؤ على الجهر بها أشجع الرجال من شعراء العرب حينها.

وهناك من الحكم لنساء العرب اللائي عشن في البادية تضاهي ما جاء به أعظم فلاسفة العالم على مر العصور، فيما هي لم تغادر تلك الصحراء، كما أنك تجد بعض الموضوعات التي لا تخطر لك ببال، مثل قضية أثر الجوع والفقر في النفس والإشفاق على الآخر المحتاج، وقضية زواج الفتيات الصغيرات من شيوخ كبار في السن، وأثر ذلك على سعادة المرأة وإحساسها أنها تحرم من أبسط حقوقها، وعديدة هي القضايا التي كتبتها الشاعرات العربيات.

كل هذا التنوع وتلك الجرأة محاطة بقدر هائل من البلاغة والجزالة والقوة التي لا يمكن للمرء أن يهملها بعد أن يقرأها، أو ألّا يعترف بفضل هؤلاء الشاعرات على الأدب العربي في مجمله وعلى الشعر بصفة خاصة.

 ويذكر الكتاب العديد من قصص الشاعرات العربيات مثل قصة هند بنت النعمان التي طلبها كسرى للزواج فرفض أبوها النعمان أن تتزوج واحدة من بنات سادة العرب وهي ابنته رجلا أعجميا رغم كونه ملكا، فأرسل كسرى جيشا وفتك بالنعمان، وأصبحت هند هاربة تلتجئ إلى قبائل العرب لتحميها من بطشه مرددة أشعارها مثلما تقول: لم يبق في كل القبائل مطمع/ لي في الجوار فقتل نفسي أعود. ما كنت أحسب والحوادث جمة/ أني أموت ولم يعدني العود”.

كما يذكر الكتاب الشاعرة صفية بنت ثعلبة الشيبانية تدعو قبائل العرب لحماية صديقتها وابنة أكارم وأفاضل العرب هند بنت النعمان.

ويأتي كذلك على سير شاعرات من العصور الإسلامية مثل رابعة العدوية. كل ذلك بلغة بسيطة سهلة قريبة إلى ذهن القارئ وقلبه، إذ ينتقي بشير يموت الأشعار متنوعة المواضيع والعصور والحساسيات الشعرية.

15