شاعرات عراقيات في مواجهة صاخبة مع رهاب القوة

قدمت الشاعرات العربيات للشعر العربي الكثير، فكن من المؤسسات لمشاهد جمالية مختلفة بروح أضافت الكثير للشعر والأدب والإبداع. لكن ماهي صورة الشاعرات العربيات اليوم تزامنا مع احتفال العالم باليوم العالمي للمرأة، وتزامنا مع ما يطغى على الواقع العربي من فوضى العنف؟
الثلاثاء 2017/03/07
الشاعرة العراقية صورة الأنثى الشاهدة (لوحة للفنان أنس سلامة)

شهد عام 2016 صدور العديد من النتاجات الشعرية لشاعرات عراقيات من جيل الشباب، كشفت عن ملامح وسمات مغايرة في الشعرية العراقية، وعن رؤى مفجوعة بالحرب والفقد، تشي لغتها بهواجس تمس الجسد والتاريخ والحرية، مثلما تشوبها حساسية جديدة لأسئلة الكتابة الشعرية، إذ نستعيد معها قصيدة الصوت والبوح والقلق، فضلا عن حضور الذات/ الأنثى بوصفها ذاتا رائية أكثر من كونها خاضعة وملتاثة بغواية كتابة نص التشهي.

من أبرز هذه الأسماء نذكر زينب العابد، علياء المالكي، راوية الشاعر، سناء الأعرجي، سحر سامي زيدان، وداد الواسطي، هدى محمد حمزة، ليلى عيّال، أزهار علي، غرام الربيعي، أفياء الأسدي، مريم العطار، رنا جعفر ياسين، نضال القاضي، سمرقند الجابري وغيرهنّ. انتباهات هذه الأصوات تتمثل عبر تدوينها العلني لسيرة الحزن العراقي، المُباح والغامر، والعالق على اليافطات، والمُطل مثل شاهد جريح على ما يجري.

الأنثى الشاهدة

الشاعرة زينب العابد تكتب هواجسها، عبر ما تلتقطه من الصور الشعرية، تلك التي تنطلق من ذات أنثوية تعيش أزمة السؤال الوجودي، تلتمس رؤيتها بحثا عن المعنى الذي يشاغلها لهذا الوجود، ورغم حضور البلاغة الشعرية والإيقاع الوزني، إلّا أنّ التقاطاتها توحي بهاجس شعري فائر، متمرد، وبوعي يؤسس نظرته إزاء مشهد نافر بالنقائض، حيث فوبيا المقدس، وحيث الثنائية الغرائبية للغياب والحضور، الحياة والموت، الأثر والمحو، حتى تبدو صورة الأنثى الشاهدة، وكأنها الرائية، والمخذولة، والأكثر تمثلا للحظة العراقية الفارقة، إذ تستدعي الصور القرآنية والحسية، لتضخيم محنة رؤيتها الشخصية، ومحنة خذلانها إزاء عالم تأخذه الأخطاء والحروب والعُقم إلى ما يشبه العطب.

تقول الشاعرة “لأنني

قد جئتُ من أقصى المدينةِ أسألُ

أتربصُ الأوزارَ ثم أحمّلُ

قد جئتُ من أقصى المدينةِ أختلي

من أيِّ ذنبٍ في الكتابِ يرتلُ

ساعاتُ عمري لم تؤاخذْ بعضَها

فدمي يفيضُ حياؤُهُ ويكبلُ

لم أجتهدْ غيرَ المنازلِ فسحةً

فأخي على بابِ الديارِ يزلزلُ

أصحابُهُ، يتمايلونَ لعلَّني

من فسحةِ البابِ العقيمةِ أقبلُ

لأعودَ أدراجَ الفناءِ مغيبةً

من ذا على بابِ الديارِ يهلهلُ

غضبي يبددُهُ السرورُ بعاشقٍ

لم يرتشفْ غيرَ الخيالِ، ويثملُ"

الشاعرة أفياء الأسدي تكتب هواجسها العاشقة، قلقها، توقها، بوصفها نصوص اعترافها، فهي تتكئ على تقانة الصوت/ الإيقاع/ الاعتراف، لكنها تنفر عنه أيضا، بحثا عن حضورها الشخصي

كما قدمت الشاعرة أزهار علي صورا تزخر بالمفارقة، إذ تعمد إلى استثارة الخيال الشعري عبر حدث الحرب، وعبر استدعاء ذاكرة المكان المفجوع فيها، وكأنها تصطنع لها ملحمة وجودية تتعدد فيها الأصوات، ومظاهر السرد الشعري، وعبر ما تحكيه عن “جنوبها” وعن مآسيها الشخصية والوطنية.

تتحدث الشاعرة بصوت الـ”نحن” وهو تكريس للمزاج الملحمي، ولمنظورها الذي يجعل من الذات الأنثوية شاهدة على ما يجري، وعلى ما تضيق به أحلامها، تلك التي تعيدنا إلى ذاكرة المثيولوجيا، والمناخ الذي يتسم بقوة النبر، وهو يتدفق كاشفا عن روح غنائية، تمور بالوجع، وبطاقة تصويرية تتسع بموازاة تصاعد النبر الغنائي الذي يشبه غناء الأمهات في المثيولوجيا العراقية.

تقول “تناسل الملح

لأن الأرض عطشى

والصيف خائن

الجنوبيون نحن

رتقنا الخيبات بأحلام

والموت بأهازيج

مازلنا نبذل للريح أبناءنا

وهي تبحث عن حطب لنيران عواصفها

تشابهت الأيام أم أنك بعد لم تكبر ياحمد؟

غصت الأرض بكذابين أكفاء

وكواكب مظللة

وأكف تلطمك بالأبواب الموصدة

وظلال تقتات على طولك

بياض الصيف ضاق

ولم يمنحك كفن

آه من الأرض لم تحويك يا حمد”

مواجهات صاخبة

شاعرات يكتبن هواجسهن عبر ما يلتقطنه من الصور الشعرية، تلك التي تنطلق من ذات أنثوية تعيش أزمة السؤال الوجودي

وتضعنا الشاعرة راوية الشاعر أمام لعبة القصيدة، تلك التي تهجس بها الذات الأنثوية، وهي تكشف عن عنفوانها وشغفها، فهي ترى واقع الفقد بروح كليلة، لكنها تحلم وتحدس أيضا بالصدفة، وما بين الرؤية والحدس يتسع الكلام بوصفه المجازي والاستعاري، أو بوصفه طاقة تنبثق من لحظة وجودية عارمة، هي لحظتها الشخصية، لحظة غوايتها التي تستدعي فعل المراودة، وكأنها جوهر تلك الصدفة، إذ تكون ملاذها، أو عتبة تشهّيها، حيث تؤوّل الحضور عبر الغياب، وتدرك الحبيب عبر “لحظاته/ قبلاته/ بقاياه وهو يترك المكان/ الذاكرة” ليأتي عبر الكلام، متبديا شغف الصدفة، إذ تقترح لفكرتها ما يُشغل المعنى، وما يُثير التمنّي، وما يفتح للكلام أفقا، حتى يبدو وكأنه تعويذة، أو نص للتعويض.

تقول “احلم بصدفة

ترميك في عوالم كسري

تحملك على كتف شوق

صدفة تدوخ بقزح النظرات

تلمنا في دثار أمنية

تجمعنا على مقاس لهفة واحد

ياه يمنعني حياء النسيان

يمسك بي ذلك الستار

حين قبلتني على غفلة من وسواسك

حين نثرتنا على النوافذ كمطر هارب

من غيمة مطيعة”.

وتكتب الشاعرة أفياء الأسدي هواجسها العاشقة، قلقها، توقها، بوصفها نصوص اعترافها، فهي تتكئ على تقانة الصوت/ الإيقاع/ الاعتراف، لكنها تنفر عنه أيضا، بحثا عن حضورها الشخصي، الحضور الشغوف عبر استدعاء المحبوب، حيث تبدو كموجٍ، وهو ما يعني اضطرابها، وخروجها عن الثبات الذي يفترضه الإيقاع إلى ما يشبه المعادل الصوري المسكون بالمغايرة، والذي تتضح حركيته عبر “جملته الفعلية المضارعة” بوصفها التعبير عن لحظتها الحاضرة، عن رؤيتها وهي تكتب مرثاة فقدها وحزنها، فضلا عن رؤيتها وهي تسبغ على المشهد الشعري نوعا من الإثارة، تلك فتصطنع لها ما يمكن تسميته بـ”الكتابة الشخصية” حيث تناصات البوح، استدعاء المحبوب، الجموح الوصفي وهو ينفتح على رؤيا صوفية مشحونة بالرغبة والحلول.

الشاعرة راوية الشاعر تضعنا أمام لعبة القصيدة، تلك التي تهجس بها الذات الأنثوية، وهي تكشف عن عنفوانها وشغفها، فهي ترى واقع الفقد بروح كليلة، لكنها تحلم وتحدس أيضا بالصدفة

بيني وبينك مستحيلٌ غامضٌ

يرتاح للحسراتِ في إزميلي

بيني وبينك موقدٌ متعطشٌ

للزيت في قلبي وفي قنديلي

بيني وبينك.. اُستباحُ فأُمّحى

أحتارُ في ذِكْرِي وفي تنزيلي

فيهزني موتٌ ويعلو سحنتي

أبدو كموج البحر في ترتيلي

أنا موطنٌ للحبّ، عطري عالِمٌ

في جيبك العلويّ ذا منديلي.

هذه القصائد المختارة تكشف عن لحظة شعرية عراقية فارقة، عن وعي أكثر تمردا، وأكثر توقا، ليس للتجريب، أو الاستعانة بتناصات شعرية/ إيقاعية/ موزونة، بقدر ما تثيره من هواجس صاخبة، والتي تعكس في جوهرها هواجس الأنثى التي تبحث عن حريتها، هويتها وسط عالم معطوب، مسكون بالمحو والحروب والكراهية، حتى بدت هذه الأصوات وكأنها إعلان عن مشهد شعري يتشكل، أو يتورط في مواجهات صاخبة مع رهاب القوة، القوة المسكونة بتمثلات الذكورة، السلطة، المقدس، الموت، الحزن، الغياب.

14