شاعرات عربيات واجهن الوباء بالقصيدة

من قصيدة "الكوليرا" إلى "طاعون" فدوى طوقان وغادة السمان.
الثلاثاء 2020/03/24
شاعرات يقرأن العالم (لوحة للفنان علاء أبو شاهين)

نسجل تفوق الشاعرات العربيات في تمثيل الأوبئة وفي وصف الجائحة. فقصيدة “الكوليرا” لنازك الملائكة، مثلا، كانت النص المؤسس للشعر العربي الحديث، قبل أن نواصل رحلتنا مع نصين قاسيين لشاعرتين عربيتين من الجيل الموالي، ويتعلق الأمر بالفلسطينية فدوى طوقان والسورية غادة السمان.

انصرف النقاد العرب إلى اعتبار قصيدة “الكوليرا” لنازك الملائكة من القصائد المؤسسة للشعرية العربية الحديثة، إن لم نقل أولاها على الإطلاق. وهي القصيدة التي كتبتها الشاعرة سنة 1947 عن وباء الكوليرا الذي أصاب مصر في تلك السنة.

ولكنّ هؤلاء النقاد والدارسين للقصيدة، وحتى أولئك الذين رفضوا اعتبارها نصا شعريا حديثا، إنما حكموا عليها انطلاقا من شكلها الإيقاعي والعروضي، باعتبارها ثورة على عروض الخليل الكلاسيكي. بينما لم يتم النظر إلى القصيدة من حيث رؤيتها الشعرية لأسئلة الكائن في علاقته بالوجود والحياة. هذه الأسئلة التي يطرحها علينا أمر واحد فقط لا ثاني له هو “الموت”.

قصيدة الملائكة

 فالشاعر الإغريقي الأول خرج علينا بملحمته في رحلة البحث عن نبتة الخلود، بعدما واجه سؤال الموت بوصفه قدرا محتوما. فأراد أن يضمن البقاء عبر ميتافيزيقا شعرية تعانق الحياة. وكذلك فعل الشاعر العربي وهو يستهل قصيدته بالطلل، بعد رحيل وموت أحبابه.

وكما يقول الناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو في كتاب “لسان آدم”، فإن “القصيدة الأصلية مرتبطة بالفقد، وبالغياب، والموت. كان هنا كائن ثم ما عاد كائنا، في الأصل في الشعر توجد انتحابات على ميت”. ليخلص الباحث إلى أن “الغرض الشعري الأصلي، الذي تفرعت عنه الأغراض الأخرى، هو الرثاء”.

يستحضر كيليطو في هذا السياق أول قصيدة في تاريخ الإنسانية منسوبة إلى سيد البشرية آدم، أوردها الثعالبي في “الجمهرة”: تغيرت البلاد ومن عليها/ فوجه الأرض مغبر قبيح. تغير كل ذي لون وطعم/ وقل بشاشة الوجه المليح. وجاورنا عدو ليس يفنى/ لعين لا يموت فنستريح. أهابيل إن قتلت فإن قلبي/ عليك اليوم مكتئب قريح”.

ضمن هذا الأفق الأنطولوجي، الذي ينظر إلى الحياة بما هي “وعي بالموت”، كما يرى هيغل، تأتي قصيدة الكوليرا لتستأنف مرحلة جديدة في تاريخ الشعر العربي، ولتعلن نفسها مقدمة لهذا الشعر وفاتحة له. وتستهل نازك الملائكة قصيدتها “الكوليرا” بحديث الموت: سكن الليل/ أصغ إلى وقع صدى الأنات/ في عمق الظلمة، تحت الصمت، على الأموات/ صرخات تعلو، تضطرب/ حزن يتدفق، يلتهب”.

كما أن ثمة لازمة تتكرر في القصيدة، وهي جملة “الموت، الموت، الموت”. وهي جملة شعرية لا جملة تركيبية، تلخص رؤيا القصيدة ورؤيتها. الموت بوصفه شكلا من أشكال الوجود الإنساني، حسب تصور هايدغر، وهو يقرأ شعر هولدرلين، أو وهو يكتب فلسفته وشعره أيضا.

قصيدة الكوليرا تستأنف مرحلة جديدة في تاريخ الشعر العربي، ولتعلن نفسها مقدمة لهذا الشعر وفاتحة له

للشعر قدرة على التنبؤ بالفاجعة، وللأنثى حدس عميق النظر، يعمق نبوءة الجائحة. والأبيات الموالية من قصيدة “الملائكة” تحكي حال اليوم وتقول لنا ما أشبه اليوم بالبارحة”: “في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ/ في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ/ هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ/ الموتُ الموتُ الموتْ”. ثم تقدم لنا الشاعرة تحقيقا راهنا، مع تقديم الحصيلة أولا بأول: عشرة أموات، عشرونا/ لا تحص أصخ للباكينا/ اسمع صوت الطِّفل المسكين/ موتى،  موتى، ضاع العدد/ موتى، موتى، موتى، لم يبق غد”.

على المستوى الشعري أيضا، تكشف قصيدة “الكوليرا” عن هذا الوعي الأدبي المتقدم. لكن الراجح أن نازك الملائكة كانت قد اطلعت بشكل معمق على قصيدة “الأرض الخراب” لإليوت، باعتبارها منعطفا حاسما في تاريخ الشعرية الغربية. هذا ما نتبينه من حديث نازك عن قصيدتها، وعن مسودات القصيدة، على غرار قصيدة إليوت. بل إن الشاعرة تخبرنا في سيرتها بأنها كتبت القصيدة أولا على الشكل العمودي، قبل أن تتحرر من ذلك، من هول المأساة التي تحكي عنها، والمتعلقة بالوباء.

وبذلك، تكون الشاعرة العراقية قد مهدت للقصيدة بسلسلة من الشروط المفترض أن تحيط بالنص المؤسس وتمنحه هالته وأسطورته الذاتية. كذلك، يستهل إليوت معلقته الغربية بالحديث عن الموت “يسألها الأولاد ماذا تريدين يا سيبيلا؟ فتجيبهم: أريد أن أموت”.

ثم يحمل المقطع الثاني اسم “دفن الموتى”.

ثم أي تكهن هذا، حين نعرف أن “سيبيلا” كما تقول الأسطورة، هي تلك الفتاة الرومانية التي منحها إله الشعر “أبولو” الخلودَ، حتى صارت عجوزا صغيرة ضئيلة تتمنى الموت ولا تموت. ثم يضيف إليوت في المقطع السادس: “تحت ضباب فجر الشتاءِ الأحمر/ تدفق حشد فوق جسر لندن/ كثيرون جدا/ لم ا أتخيل أن الموت شطب/ كل هؤلاء الكثيرين”. وهو ما يذكرنا بعبارة نازك. “موتى، موتى، ضاع العدد/ موتى، موتى، موتى، لم يبق غد”. مثلما يحضر الموت مهيمنا على كل قصيدة إليوت الملحمية.

قصيدة الطاعون

Thumbnail

لئن كانت قصيدة الكوليرا قصيدة جديدة انطلقت من تمثيل وباء مستجد يومها هو وباء الكوليرا، فإن تمثيل الطاعون سيحضر في قصيدة الشاعرة العربية بوصفه رمزا لانكسار جماعي، جراء الهزيمة أو الاحتلال، حين يصبح الطاعون المقابل الوبائي للعدو.

وها هي الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان تكتب سنة 1967، على صفحات جريدة “الاتحاد” قصيدتها “الطاعون”، حيث تحكي عن تفشي هذا الطاعون الرمزي في مدينتها: “يوم فشا الطاعون في مدينتي/ خرجت للعراء/ مفتوحة الصدر إلى السماء/ أهتف من قرارة الأحزان بالرياح: هبي وسوقي نحونا السحاب يا رياح، وأنزلي الأمطار”.

وفي الفترة نفسها، كانت الشاعرة قد نشرت قصيدة “مدينتي الحزينة”، وضعت إلى جانب عنوانها عبارة بمثابة عتبة تاريخية لقراء القصيدة، وهي عبارة “في يوم الاحتلال، وتقصد هزيمة حزيران 1967، هي التي تحكي في سيرتها “رحلة جبلية- رحلة صعبة” وبمرارة: “لن تبرح مخيلتي صورة ذلك اليوم الحزيراني المشؤوم، يوم الاثنين الخامس من حزيران 1967”. ليكون الطاعون عند طوقان معادلا للعدو على مستوى الفتك بالشعوب ووأدها.

أما الشاعرة السورية غادة السمان، فقد اختارت الحديث عن مدينة أخرى، وهي مدينة بيروت، وقد أصابتها لعنة طاعون داخلي، إثر حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. تقول السمان في قصيدة “أشهد أن زمنك سيأتي” وهي قصيدة تشهد على المرحلة القاسية، كتبتها في خريف 1986: “أسبح عكس التيار/ خارج قطيع الأسماك المذعورة لأعود إليك/ وها أنا من جديد هناك/ في بيروت المكفنة بفلاشات عدسات التصوير/ وروائح إحراق النفايات والجثث/ وظلال الحرائق على أعمدة البكاء/ كمدينة ضربها الطاعون/ طالعة من أساطير اللعنة/ وأكمام العصور المنقرضة”.

 وهي قصيدة مكفنة بطقوس الموت، الذي يتكرر بين سطورها، على غرار قصيدة نازك الملائكة، وقصيدة إليوت، بينما تقدم لنا الشاعرة وعدا بالحياة، في نهاية القصيدة، حين تختم: “وسأظل أحبك عكس الريح/ ريثما يطلق الموت سراحي”.

 هكذا، يكون “فضاء الموت”، كما استعاره محمد بنيس من موريس بلانشو، حاضنا لقصيدة غادة السمان، على أساس أن الموت يظل “يستحوذ على الشعر العربي المعاصر”، حسب بنيس، ما جعله يشتغل عليه في أطروحته المرجعية، عبر “ملامسة همّ شعري يتسع إلى حقل الثقافة العربية الحديثة برمتها”.

 ونازك الملائكة نفسها كانت قد اشتغلت على الموت وجمالياتها في دراستها الرائدة أيضا “قضايا الشعر المعاصر”، حين قاربت موضوعة الموت عند أبي القاسم الشابي، مقارنة بتجربة بموقف الشاعر الإنجليزي جون كيتس من الموت، والذي أسمته “شاعر الموت” و”المفتون الأكبر” به، كما استحضرت تجربة الشاعر برويت بروك مع الموت، وكما اشتغلت عليه هي في “الكوليرا”، أو كما وظفته فدوى طوقان توظيفا رمزيا، عبر الطاعون، وكما حاصر هذا الموت قصيدة غادة السمان، مثلما يحاصر الموت العالم في هذه الأيام، إلى أن يطلق الموت سراحنا، كما تختم الشاعرة السورية قصيدتها.

15