شاعرات من أفغانستان يطلقن أصوات الحرية

الأحد 2014/09/07
الشاعرات الأفغانيات كتبن شعرا جريئا في تعبيره عن أشواق الحرية والرغبة في الخلاص من أسر المجتمع الذكوري

لا غرابة في أن نجد المرأة في مجتمعاتنا في كثير من الأحيان وعبر التاريخ قابعة خلف الستائر وفي إقليم منعزل اسمه الحريم. فطالما دعت التعاليم الدينية والسنن التراثية إلى أن يكون صوتها منخفضا، وحضورها مغطى بهالات سميت العفة، والشرف، والستر، مقولات لا علاقة لها بحضور المرأة في المجتمع، وحركتها.

ومنذ البداية كانت هناك بعض النساء اللواتي كسرن تلك الأطر، وظهرن سواء في مجال الأدب أو السياسة كما الخنساء، ورابعة العدوية، وقبلهما كليوباترا، وزنوبيا،.. إلخ. وغالبا ما كانت الشاعرات في هذه المجتمعات يصارعن التحجر والتزمت، ولا استثناء في ذلك في أي من البلدان التي ننتمي إليها، من إيران حتى العراق والشام ومصر، بل هناك بلدان الوضع أشد وطأة فيها بالنسبة إلى المرأة، ومنها أفغانستان خصوصا بعد سيطرة طالبان، وغلبة التزمت الديني الذي أودى بالبلد إلى الدمار، وسلب من الأفغانيات تلك المناطق المضيئة من الحرية التي كن يتمتعن بها قبل اقتحامهم البلد.
رغم ذلك لم تؤدّ الظروف القاسية إلى ركود المرأة الأفغانية، بل إنها حاولت وما تزال أن تواصل سيرها في مجال الثقافة والفن والأدب قدر ما تستطيع، وأن تنجح في تلك المجالات. الكثير من النساء الأفغانيات غادرن البلد إلى بلاد أخرى، وواصلن دراساتهن العليا ومارسن الفن والأدب ليكنّ الصوت البليغ للمرأة الأفغانية التي تروم الحرية والانطلاق.

تحاول المرأة الأفغانية لا سيما في السنوات الأخيرة أن تطلق صوتها بل صرختها أمام أي مؤسسة تمارس ضدها القمع والكبت، دينية كانت أم عائلية أم اجتماعية، وما يلاحظ حتى في ما تكتبه الشاعرة الأفغانية، أنها تريد أن تعيش كما تطلب فطرتها بحريّة وأن تخرج من خلف ذلك الحجاب والستر والحريم الذي طالما خدش روحها الحرة.

هناك الكثير من الشاعرات الأفغانيات يكتبن الشعر الفارسي على الطريقة الحديثة (التفعيلة وقصيدة النثر) والكلاسيكية (الشعر العمودي). فالشعر العمودي ما زال مكتوبا ومقروءا في أفغانستان أكثر مما هو عليه في إيران وعند الشعراء العرب. وهناك أيضا من يكتب قصيدة النثر إلى جانب الشعر العمودي، أو قصيدة النثر وحدها.

تخطيط: ساي سرحان

كما أن التجارب الحداثوية وما بعد الحداثوية في اللغة الشعرية ظهرت في الشعر الأفغاني ولها مناصروها وكتابها.

جلّ ما وصلنا من شعر المرأة الأفغانية يعود إلى السبعينات وحتى اليوم، ووفق الظروف السياسية والاجتماعية في أفغانستان يمكن تصنيف شعر المرأة الأفغانية إلى مرحلتين؛ المرحلة الأولى تبدأ منذ عام 1978 إلى نهاية التسعينات، والمرحلة الثانية تشمل بداية القرن الحادي والعشرين حتى الآن.

أما المرحلة الأولى فتبرز شاعرات أقل جرأة مقارنة بالمرحلة الثانية، وذلك نتيجة الحروب الأهلية والأجنبية التي عمت البلاد، ودخول طالبان إلى أفغانستان، وهو ما أدى إلى ولادة ظروف قادت المرأة في أفغانستان نحو السيئ والأسوأ. في تلك الفترة أغلقت مدارس الفتيات، وازدادت القيود الاجتماعية بالنسبة إلى المرأة يوما بعد يوم. تتحكم العادات والخرافات الظالمة ويسود حكم الرجال مقابل إقصاء دور المرأة في المجتمع الأفغاني. وأكثر ما كتبته الشاعرة الأفغانية خلال هذه الفترة كان يروي ويعبر عن ذلك الظلم الذي يمارس ضدها، وأمنياتها بالحرية المشوبة باليأس في بعض الأحيان. وهناك من تخلل شعرها الجريحَ بعض قصائد الحب. فقصائد هذه الفترة غالبا ما تكون ذاتية، وتفتقد إلى النظرة الثاقبة والعمق الشاعري، وكثير من الشاعرات كتبن قصائدهن في الإطار العمودي للشعر.

ومن شاعرات هذا الملف، تتعلق الشاعرة حميرا نكهت دستكر زاده بهذه المرحلة. أما المرحلة الثانية فنلاحظ فيها كثرة أسماء الشاعرات، وتنوع المضامين، بالإضافة إلى اتساع النظرة الشاعرية وعمقها واختلافها قياسا بالمرحلة الأولى.

الظاهرة التي تلفت الانتباه في شاعرات هذه المرحلة هي هجرة الشاعرات إلى البلدان الأخرى، فمنهن من هاجرت إلى إيران ومنهن من رحلت إلى أوروبا وأميركا، وبعد أخذ وعطاء حصل خصوصا مع الشعراء الإيرانيين، خاضت الشاعرات تجارب شعرية جيدة. كما أن الإطار الغالب بين شاعرات هذه المرحلة هو إطار قصيدة النثر.

وقد بدأت شاعرات المرحلة الثانية بالكتابة عن تفاصيل الحياة، وابتعدن عن الكليات. شاعرة هذه المرحلة هي أكثر شجاعة وواقعية، إنها تتعامل مع محيطها بشكل مباشر وتسمح للأشياء التي حولها أن تدخل شعرها، تخرج من شرنقة الوهم والأخيلة، تدخل الواقع وتتلمسه وتكتب عنه.

حتى الحب يأخذ منحى آخر في شعر هؤلاء الشاعرات، تتغير مكانته من التعبير عن المشاعر التقليدية المكررة، ويصبح حسيا وجريئا وأكثر خصوصية، وفي بعض الأحيان يتعرض للنقد.

الشاعرة الأفغانية تكتب اليوم شعرها باستمرارية وبصيرة وعزيمة أكبر، سواء داخل أفغانستان أو خارجها. إنها تسير مع التيارات الشعرية الحديثة في بلدها، وفي إيران والعالم، ومواكبة للتنوع في الأطر، واللغة الشعرية. إنها تكتب، الآن، حتى عما كان محظورا قبل هذا. ولعل الشاعرة الأفغانية الحديثة والشابة هي تفسير لأحلام الجيل الأول من شاعرات بلدها.


أنت فاكهة ممنوعة وأنا من سلالة أخرى



حميراء نكهت دستكير زاده


ولدت عام 1960 في كابل. حصلت على دكتوراه الأدب من جامعة صوفيا عام 1982، وتقيم حاليا في هولندا. من دواوينها: “نهر الحرية الأزرق”، “كابل” و”قصيدة الغربة الغريبة".

حميراء نكهت دستكير زاده


سلالتي


سلالتي

تختار الصمت

ولا تثور

تداري الغريمَ

ثم بحنجرة ممزقة

وبحروف مصلوبة

تغني نشيد السلام

دعني أجني ثمار تلك الشجرة كما تفعل أمي

وأجبر أبي ليأكل من قمح العصيان

أو أية فاكهة ممنوعة أخرى

لها طعم التمرد الطريّ.

***


بعيد عني


بعيد أنت عني

تحرس سلالة المستسلمين

ولكن دعنا من كل هذا…

أنثرُ جدائلي

وأدير رأسي

فأنا من سلالة أخرى

وأستحق نصف الحزن الذي هو أنت.

دعني أرفع صراخي السلسَ

فوق أعلى القمم.

***


الحياة


أفرد نفسي

على الحياة كلها

وعلى كل لحظة تتسنى

أرسم نقشي

وأكتب اسمي

ثمّ

أتجرع الحياة ككأس ماء

وأدرك اللحظة

قبل أن تفوت.

آه.. كم هو لطيف الكون

ويا لكثرة المحبة في الحياة

أفتح حضني إلى ما لا نهاية.

سأسرق الكون مثل حلم

وكما الماء، أحوّل الحياة إلى طريق أزرق للرحيل

حتى

إن كنت في صدرها

بحجم آهة صغيرة.

*************


زهراء زاهدي


ولدت زهراء زاهدي عام 1981 في ولاية باميان بأفغانستان. منذ طفولتها هاجرت برفقة العائلة إلى إيران. تكتب قصيدة النثر والشعر العمودي. نشرت كثيرا من قصائدها في الصحف والمجلات، كما أنها صحفية تعمل في مجال الشعر والأدب.

زهراء زاهدي


المزمار


أنحت مزمارا

من عظامي

يغني اشتياقك

أو نصبا أشد بياضا من العاج الهندي

عله يطلق جوع أعضائك.

زخرفْ مقبض السكين

ضعْ هالة صورتك في إطار

أو محبرة أنيقة

تحمل في فمها انحناء كلماتك.

اصنع من عظامي

عقارب ساعة

لأسير في زمنك.

أو منبّها

لأتدلى إثر أنفاسك.

من أصابعي

اصنعْ زرّا لقميصك

ليفتح ويسد

ثوبَ الكينونة.

اصنع قلما

واكتب الحياة بخط النستعليق.

اجمعْ عظامي

وشظاياي النافرة مني.

عظامي، قطيع غزلان

مشردة في صلاية الجبال.

****


الشجرة


النبتة

قررت

أن تسرق

ماسة

من السماء

فطالت

إلى

أن

أصبحت

شجرة.

*************


معصومة صابري


هي من الشاعرات الشابات الأفغانيات وأقامت لسنوات في مدينة مشهد في إيران. صدر لها عام 2007 ديوان بعنوان “قمران في الخسوف”. تكتب قصيدة النثر الفارسية وتتميز قصائدها بالغزل والحب.

تخطيط: ساي سرحان

1

الضباب بلوغ السماء الحزين سنّ رشدها

ومن بعده

ولادة الشمس المباركة.

2

حين تبتسم

وحدي

أنا

أشعر بندى رموشك.

3

طائران

يملكان الحَب

في نهاية عينيك

أخاف

أن يجبرهما على الرحيل

موسم نظرتي البارد.

4

الزجاج

أخجل من أن يطيق

غزارة قبلات السماء التي لا يمكن عدّها.

*************


شكرية عرفاني


ولدت عام 1978 في أفغانستان ودرست الأدب الفارسي في جامعة طهران. صدر لها “بلغة الصمت” في موسكو. وتقيم حاليا في أستراليا. وهي من أشهر الشاعرات الأفغانيات.


البحث


قل لي على أي حدود

أطلقوا عليك الرصاص

خلف أية أسلاك شائكة؟

وفي أي بحر

يزج دمك

شهوة الحيتان

في روحك؟

قل لي أين قتلوك؟

بحثت عنك في كل صحف العالم

وكل القبور المجهولة

وفي أحضان المومسات في الحوانيت البعيدة.

بحثا عنك

أنت الذي لم تسمح لكتفيّ العاريتين أن تكونا وطنك

لتنام كل ليلة

في غاباتي الرطبة

وتفتح عينيك

كل صباح

بشروق الشمس من بين نهديّ

دون أن يأخذك مني

خوفك من أية حرب.

كنت واقفة

ليجلدوني

ويمثلوا بي

ويدفنوني في القبور المجهولة.

واقفة

لتطلب

وحدك

أن يكون وطنك كتفيّ العاريتين.

غير أنك لم تشأ

وإنهم لم يسلّموني

إلا قبضة من الأكاذيب.

لم أجدك قط.

وبعد ذلك

تحول هذا الجسد

إلى سجن مظلم لمجنونة

تشنق نفسها كل يوم

ألف مرة

ولا تموت.

*************


صنم عنبرين


ولدت صنم عنبرين عام 1977 في كابل، وتقيم حاليا في ألمانيا. استطاعت أن تجد مكانة جيدة بين الشاعرات الأفغانيات خلال فترة قصيرة وبنصوصها الشعرية التي تكتبها في إطار العمودي وقصيدة النثر.

صنم عنبرين


قراءة


كان البحر يمدّ قامته نحو الشمس

وعيون تتبع الأحلام

وأخيلة تدور في الفضاء

حين كان أوحد الطيور

يقرأ قضبان القفص عن ظهر قلب.

غير مستسلمة

ليس ذنبا

إن احمرّت شفتي من الحب

إن ابتسمتم في وجهي أو لم تبتسموا

إن فتحتم الشباك أو لم تفتحوا

أنا لا آمن بالأشياء الشتوية

إن أتيتم معي أو لم تأتوا

أنا أعرف

أعرف أن أمد وحدي

جسرا من شروق إلى شروق آخر

وحتى على مرقد النبات البارد المختفي

سمعت من حناجر الصخور:

"ارفعي الليل عن عاتقك

لتصبحي شمسا”…

سأذهب باحثة عن الحياة

بقدميّ الجريحتين

لأدور وأدور

وأقبّل وجنتيه الرمّانيتين

وأقرأ أن: “الحب

ليس بالأرض الممنوعة".

أرغب في…

مهما تمسّد أوروبا

شعري

تبقى روحي قلقة من أجلك.

أرغب في العودة

حيث كانت الشمس تلمع في صوت أمي

والآمال تنبت في اللحظات:

في احمرار رمانة

في رغبة نظرة

في ارتعاش صوت الصبي المارّ

وفي أريج زهرة كنا نسرقها من جنة أبينا الصغيرة.

أرغب في العودة

حيث كانت أمي تخيط النجوم على ثوبي

ويدا أبي الدافئتان

تقاسمان بيننا خبز الحميمية

حيث كان المطر

سيمفونية ألف خرافة وحلم

لحبنا البريء.

أرغب في أن أعود

وأعقد الحياة

من حيث تمزقت فجأة.

ثم

أنهي

الكتب التي لم أكمل قراءتها

وفي الدفتر الذي وضعت ريشة الطاووس علامة فيه

أكتب:

كان اليوم أيضا يوما جميلا.



أرغب في العودة!

*************


يزدان هدية ولي


ولدت يزدان هدية في كـــابل. درست

في جامعة نبراسكا في أميركا، ولها ديوان تحت الطبع بعنوان “صوت قدم الانكسار”، يضم قصائد رائعة لها في إطار قصيدة النثر الفـــارسية. وتقيم الشاعرة حاليا في أميركا.

يزدان هدية ولي


قصائد قصيرة


تنطلق عيناي

من النافذة

وأبقى في الأسر

عمياء

***


بتروا


الأيدي

وتركوا لنا

الصخور

تعال نتلمس ذواتنا!

***

سفت الريح بذورنا قرب بعضها

فأصبحنا شجرتين خضراوين

كل ليلة

تهز الريح أغصاننا

كل يوم

جذورنا تشرب الماء معا

ولكن

يا للحسرة

ظلالك

أخذت الشمس مني

***


قيل:


لا ثواب أن تكون مسلما قلبا

فيا لسعادتي!

أنا الكافرة قلبا!

*************


معصومة موسوي


ولدت عام 1987 في شمال أفغانستان. في سني مراهقتها وبرفقة العائلة هاجرت إلى إيران. مارست الرسم وكتابة الشعر منذ طفولتها، وشاركت في الأمسيات الشعرية والجلسات الأدبية منذ عام 2004.


حبل الغسيل


أفكر أن تأتي

فتزرقّ السماء

أرفع نفسي من حبل الغسيل

أكويها وأرتديها ثانية

أفكر في العيد

والأصص الخاوية المليئة بالتراب

أغرسها جنب الشباك.

الربيع يبدأ من شفتيك

ودونك

لا تكتمل سفرة العيد

ولا يمكن قضم التفاحة بقشرتها

دونك

ستموت سمكة العيد

وهذه النقود الصغيرة

لن تكفي لشراء فستان جديد

يقول أبي

ينبغي أن تتركيني

ولا تحنّي لبيتنا المصنوع من القش

وحين يقول ذلك

يتحول شكله إلى بحر اقتحمه الطوفان

أحب عينيْ أبي

يضيء الآبار العميقة كل يوم

باحثا عن جذر

يغرسه ليخضرّ في فناء البيت

لماذا لا يبوح التراب بشيء؟

ولمَ لا تصدح السماء بك؟

دونك

أمي حزينة

وأختي الصغيرة

تملأ محفظتها بكتب مستعملة

وتذهب إلى مدرسة المهاجرين

هي لا تحب أقلامها الملونة أبدا

وتعبر خطوط المرور وحيدة

دون أن تأخذ من وقت أمي

أو من نقود أبي

دون أن تصطدم بسيارة أبي “سارة"

أحب بريق عين أختي الصغيرة

وأحب بريق عين أخي الصغير “أميد"

ولكن هناك دائما منديل رطب

يأخذهما مني

وأنا أفكر بك

مثل قطعة قماش

تبقى متدلية من حبل الغسيل.

12