شاعرة تونسية تكتب قصائدها بدم التفاح

الجمعة 2016/10/28
ومضة زاهدة في الكلام

عمّان - لا تستسهل الشاعرة التونسية رفيقة المرواني في باكورتها الشعرية “دم التفاح” حياكة جملتها الشعرية، فهي بالرغم من سلاستها ودفقها اللغوي عميق الدلالة، تجدها وكأنها تحفر بمسلة قلبها مفرداتها التي تجعلك تتوقف طويلا وأنت تسأل: كيف؟ من أين؟ إلى أي مدى؟، في محاولة لخلق دهشة تنحتها جمل شعرية تستفزك لتلاحق ما تكتبه هذه الشاعرة من صورة إلى أخرى ومن مشهد إلى آخر.

وكتب الناقد التونسي هادي العيادي رؤية نقدية عميقة عن مجموعة المرواني، الصادرة أخيرا عن دار فضاءات بالعاصمة الأردنية عمّان، حيث يقول إن “مجموعة ‘دم التفاح‘ قصائد ملوّنة ونزيف من المعنى”، مستشهدا بمقولة جبران خليل جبران “ليس من يكتب بالحبر كمن يكتب بدم القلب”.

ويمثل عنوان المجموعة أو عتبتها النصية مدخلا مفيدا لرسم ممكنات من التّقبل، فالعنوان ورد مركبا إضافيا، كانت العلاقة فيه بين المتضايفين متوترة يشوبها نزاع وتحكمها مشادة، إذ أسندت الشاعرة إلى التفاح أمرا من غير لوازمه، فلوّنته بحمرة قانية أربكت القارئ وصدمته وجرته إلى مقام الحيرة في التأويل، وتلك هي خيبة الانتظار كما يقر بذلك أنصار جمالية التلقي.

وريثما نقفز من العتبة النصية إلى العلامات البصريّة الماثلة على الغلاف، تشدنا حمرة مهيمنة تحرك حاسة النظر وتستحوذ عليها، وقد حرّك التفاح حاستي الشم والطعم.

ويضيف العيادي إن حمرة الدم القاني المراق مثلت علامة على جنس من كتابة شعرية تعبيرية لا أجدها تكف عن الشهيق، ويخاطب الشاعرة المرواني بالقول “تواتر هذا السجل في نصوصك الرقمية التي مررت بها، حيث تنشئين نصا أضناه الوجع وعوارضه عطالة جسدية قالتها هذه المشتقات اللغوية. أنا لا أقوى على الركض، ترهقني النصوص الطويلة.. أتعثر، ذلك هو مدار الحداثة الشعرية وقد بارحت الأغراض وتخلت عن مناويل الشعر القديم فقيدت النصوص بقيود الذات. تكابد أوجاعها أحوالا وتدوّنها أقوالا، وهذه الرايات المستحدثة في الشعر المعاصر أسّست لجماليّة اشتغلت عليها وهي جمالية السلب التي حسمت أمرها عندما سيّرت الشعراء إلى الهشاشة والتهميش والإقصاء. لقد ولى أمر الجمالية القديمة فنزل الشعر من عليائه وسكن الأماكن الجحيمية المترعة بالكوابيس”.

ويتابع العيادي لقد انفلت الخطاب الشعري الذي تحقق في قصيدة النثر المارقة أو المزورة عن الذاكرة والموروث، من الأنساق الثابتة والواحدة مفضلا القيم العابرة التي لا تدوم على أن عطالة الجسد عوّضت عنه الشاعرة بخطاب وازى مقام البداية: تنقض المتكلمة النصوص الطويلة، فهل أصابها إرهاق جمالي، وهي التي لجّت في الإسهاب والجريان والتدفق وكأنها تحوّل المقياس الكميّ في الشعر إلى آخر نوعيّ وبذلك هي تستعيد شرطا من شروط قصيدة النثر.

فالقصيدة ومضة زاهدة في الكلام ومقتصدة في العبارة وتقول المعاني الغزيرة ذات التدليل بالقليل من اللفظ. ثم إن المتلفظة تغيّر نسق كلامها عندما تتوجه إلى مخاطب صورته غائمة وملامحه باهتة تدل عليه قرائن المخاطبة. وهنا يتوجه العيادي للشاعرة بالتساؤل عن الأفعى التي تسعى على بياض الورقة وتمثل وأخرى في المرجع أو في البريّة تقيم؟

والأفعى، في نظر العيادي، محفوفة برموز الخطيئة في النص كـ”أفاعي الفردوس لأبي شبكة” والغاية هي أن هذه الأفعى مؤولة للنصّ تلتهم معانيه وتفكّك سطوره لمحاصرة معان منفلتة، ويتابع موجها خطابه للشاعرة “في حالة إرجاء قصيدتك أو قصيدة نثر كتبها أصحابها بدم ملوّث هكذا صاح أنسي الحاج وهو من مؤسّسيها مرددا مقولة ريمبو الذي يحضر خلسة أفسدت السنن والمعايير القديمة التي أفلست فتحرّرت من سلط الإكراه وهي كثيرة. تزحف الأفعى إلى المعنى ويستعين الخطاب بعين الرؤيا في مقام النهاية، تنفذ إلى المجهول هل هو المجهول الفني لقصيدة النثر؟ ولكنها تمنحنا سمّها وترياقها فإذا بدم القصيدة، قصيدة النثر دم حديث فصدته أو فصدت شرايين القصيدة، فإذا بها مصفّاة لا تلويث فيها”.

15