شاعرة سوريالية لم تكن أبدا بعيدة عن شبح الهلاك

“أريد أن أرحل إلى السماء من دون حقيبة/ اشمئزازي يخنق أنفاسي لأن لغتي نقيّة/ أريد أن أرحل في الليل من دون صخب/ سوف أسْبت في ليل النسيان مغرمة بفأر/ محاولة أن أصدّق أكاذيب عشيقي”، هذه القصيدة بعنوان”أريد أن أرحل ” كتبتها الشاعرة الراحلة جويس منصور قبل وفاتها بفترة قصيرة عقب معاناة طويلة مع المرض والهواجس المرعبة. ومؤخرا قامت دار “ميشال دو مول” الفرنسية بإصدار طبعة جديدة من الأعمال الكاملة للشاعرة الراحلة جويس منصور، في 642 صفحة.
الاثنين 2015/07/13
اشمئزازي يخنق أنفاسي لأن لغتي نقية أريد أن أرحل في الليل من دون صخب

كان أندريه بروتون، عرّاب الحركة السوريالية، يلقب الشاعرة الراحلة جويس منصور بـ”المادموازيل غريبة الأطوار”. كما قال عنها ” إنها سيّدة لم تكن أبدا بعيدة عن شبح الهلاك”.

وفي عام 1961، خاطبها قائلا “الشعر السوريالي هو أنت!”. أما غابريال رولان فقد كتبت عنها تقول “الكلمات تتزحلق تحت ريشتها كما لو أنها ثعابين تحت أصابع المروّض، من كل سطر تقطر قطرة سمّ”.

في الآن نفسه قامت ماري فرانس منصور بإعداد سيرة مثيرة عنها هي التي كانت صديقة لكبار الشعراء من أمثال هنري ميشو، وميشال ليريس، وماندرياغ، وأندريه بروتون الذي احتضنها منذ البداية مبديا إعجابا كبيرا بقصائدها التي كانت تكشف عن هواجسها، ورغباتها الدفينة، وكوابيسها المفزعة المفتوحة على الموت دائما. وقد كتبت جويس منصور ست عشرة مجموعة شعرية. كما كتبت نصوصا نثرية، وقصصا قصيرة، ومسرحيّات.

نبض الجسد

في لغة جويس منصور، ينبض جسد المرأة كائنا بشريا يتمتع بكل حقوقه حتى الاستفزازية منها في اجتراح الانتشاء وتنفس هواء اللذة الطلق، ملاكا انقطع بكل مخيلته إلى رفض التاريخ المعطى للجسد، وهاهو الشعر يتجلى بين شراشف الكلام صورا شرسة ترتقي ذروة الرهزة الصادمة للأخلاق السائدة.

تقول “وأنا مضطجعة فوق فراشي/ أرى وجهَك منعكسا في الجدار/ جسدَكَ البلاظل الذي يبّث الرعبَ في جسدي/ تـَتابعَ رهْزِكَ المسعور والإيقاعيّ/ تقطيباتَ وجهك التي يفرّ منها كل أثاث الغرفة/ إلا الفراش المثبّت بعَـرَقي الكذوب/ وأنا التي تتحسّب بلا غطاء بلا أمل/ الغَصّة”.

ولدت جويس منصور التي كانت في البداية تدعى باتريسيا آداس في “براون” ببريطانيا في 25 يوليو 1928. وكانت لا تزال رضيعة لما انتقلت عائلتها للعيش في القاهرة التي كانت آنذاك مدينة كوزموبولوتية فيها تتعايش العديد من الأقليات الأوروبية، وفيها كانت النخب المثقفة والمستنيرة تميل إلى لغة موليير. ومبكرا تزوجت جويس منصور لتترمل وهي في سنّ التاسعة عشرة.

جويس منصور المادموازيل غريبة الأطوار من كل سطر شعري تكتبه تقطر قطرة سم متنفسة هواء اللذة

وفي عام 1949، تزوجت ثانية من سمير منصور الذي كان يتميّز بثقافة عالية، وبذوق بورجوازي رفيع. وبعد زواجها انفصلت عن عائلتها وانطلقت إلى باريس التي كانت تعيش في ذلك الوقت حمّى الفلسفة الوجودية، وموجة موسيقى الجاز القادمة من وراء المحيط الأطلسي. وكانت مقاهيها في “الحيّ اللاتيني”عامرة بالفنانين وبالشعراء وبالكتاب من مختلف الاتجاهات الطلائعية.

وقد سارعت جويس منصور بتقديم مجموعتها الشعرية الأولى إلى الناشر بيار سيغرس الذي صعقه جمالها، جمال “أميرة مصرية”، لذا لم يتردد في نشر مجموعتها “أصوات” التي صدرت عام 1953.

بعد عودتها إلى القاهرة، دأبت جويس منصور على تبادل الرسائل مع أندريه بروتون الذي لم تلتق به إلاّ عام 1955، أي بعد أن قام نظام الرئيس المصري جمال عبدالناصر بطرد كلّ الأقليات الأجنبية التي كانت تعيش في مصر، وكان ذلك عام 1955، وهو نفس العام الذي أصدرت فيه مجموعتها الشعرية الثانية “تمزّقات”.

عراب السوريالية

في لغتها ينبض جسد المرأة كائنا بشريا يتمتع بكل حقوقه

في باريس، توطدت علاقتها بعراب السوريالية الذي كان يحلو له مصاحبتها إلى المعارض الفنية، وإلى أسواق التحف القديمة التي أصبحت تستهويها أكثر من أيّ شيء آخر. لذا اقتنت منها ما حوّل شقتها إلى متحف بديع. وفي قصائدها كان الحب يحضر بشكل مريب ومفزع تلفه خيوط كأنها “خيوط عنكبوت أسود”.

وهو بعيد كلّ البعد عن الحبّ المثالي الذي نجده في قصائد بول ايلوار أو أندريه بروتون “سأصطاد روحك الفارغة في النعش الذي فيه يتعفّن جسدك. سأمسك بروحك الفارغة. سأجتثّ جاناحيها الخافقين وأحلامها المجمدة وسوف أبتلعها”.

وكان كبار الرسامين السورياليين يقومون بتوشيح قصائدها بالرسوم. وقد قامت جويس منصور بالمساهمة في معرض”إيروس″ الضخم الذي نظمه السورياليون عام 1959، وفيه تمّ تكريم الماركيز دوساد، والإشادة بأعماله التي صودرت أكثر من مرة، وظلت تحت طائلة الرقابة منذ القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين.

بعد وفاة أندريه بروتون عام 1963، انجذبت جويس منصور إلى أندريه بيار دو ماندرياغ الذي كان يقول عنها بإنها “شقيقته في الكتابة”. وحتى وفاتها سنة 1986 ظلت جويس منصور تكتب هواجسها وكوابيسها كاشفة عن ذلك التناقض بين الشرق والغرب من خلال تجربتها الشخصية.

شكلت الحياة، بالنسبة إليها، امتحاناً قاسياً، منذ طفولتها، جاءت أعمالها الشعرية على شكل تعرية فاضحة؛ تنخرط قصائدها في الواقع وتشكّل، في الوقت ذاته، صدى لأحلامها. تقول جويس منصور: "تطالني بالرغم مني في عالمي، عالم طريحة الفراش/ وأنت هناك مكتوب عليك أن تكابد ، ظمآن/ عيناك تعذبانني بين ثيابي، ثياب العاجز/ وشهوتك ترتجف من الانفعال/ عربتي التي يسحبها الجواد تلقيك مهملا في ركنها/ مذكرة إياك بساقي المصفرتين، اللتين بلا عظام/ تناديك ثيابي من الدولاب الموارب".

14