شاعرة كويتية تربي ذئاب المخيلة خارج الأقفاص

الشاعرة الكويتية عائشة العبدالله ترى من خلال تجربتها أن الأدب ليس منبرا سياسيا.
الثلاثاء 2018/03/13
دور الأدب تكوين الوعي

صدرت مؤخرا عن دار تشكيل الكويتية مجموعة نصوص جديدة للشاعرة الكويتية عائشة العبدالله حملت عنوان “أربّي الذئاب في سلة القش”. وتأتي هذه المجموعة بعد مجموعتها الأولى “خمسة أوتار في يدي” الصادرة عن دار مسعى في 2014، والتي انطلقت فيها من الصوت الداخلي الخاص بالشاعرة، ومن التجربة الذاتية الوجدانية التي تحيط بها باختلاف تياراتها العاطفية وانحناءاتها، بالإضافة إلى علاقة هذه الذات بالأشياء والتفاصيل من حولها.

خارج التسمية

عن تجربتها الجديدة “أربّي الذئاب” التي تشي من عنوانها بمناطق متوحشة في اللغة وخلق الكائنات الشعرية، تقول عائشة العبدالله “هي عبارة عن مجموعة من النصوص كتبت في الفترة ما بين 2015 إلى2017، جاءت أكثر تركيزا على المرأة ومكنونات ذاتها والتحديات التي تواجهها من كل صوب، خاصة أنها توافقت مع الحدث الجديد الذي مررت به وقتها وهو الأمومة، بكل تجلياتها وصعوباتها والمخاوف التي ترافقها”.

 ورغم شاعرية النص، وتماسكه الواضح للمتلقي في قوالبه المجازية العالية إلا أن العبدالله اختارت أن تطلقه دون قيد تحت مسمى “نصوص”. مبتعدة بذلك عن كل الجدل القائم على مستوى التسميات والقوالب والاعتراف التي قد تطال قصيدة النثر.

هناك شريحة كبيرة من الشباب في الكويت لم يوفر لهم المشهد الإعلامي أو دور النشر دعما حقيقيا مما أدى إلى غيابهم

 تقول ضيفتنا معلقة عن هذا الشأن “هي مجموعة من قصائد النثر أطلقتها تحت مسمى النصوص بعيدا عن كل الإشكالات التي لا تزال تحدث أمام مسمى القصيدة، أردت أن أكتب نصا حرا يحمل رؤيتي الخاصة في الحياة بكل تفاصيلها، دون أن أعوّل على المسمى، بل على الدهشة”.

صوت المرأة

يشعر القارئ في نص العبدالله أنه أمام صوت المرأة بكل حمولاتها الثقافية والوجودية، وكأنها كانت تتكلّم من خلال النصوص باسم قبيلة النساء في مجتمع لا يكترث بها، ولا يتواصل مع متطلباتها الحياتية والنفسية في عالم متغيّر، لا يمكن التنكّر لطبيعته القاسية على سلوك المرأة العربية.

تتفق العبدالله مع هذا الرأي وتعتبره أمرا منطقيا لكونها امرأة تعايش بدقة كل الصراعات التي تمر بها المرأة في المجتمع أمام التضحيات التي تطلب منها على الدوام تحت مبررات مختلفة، الأمر الذي جعل منها كائنا قد تربّى على الضعف، مجبرة على الانقياد في مسارات محددة سلفا، سواء كان ذلك الخضوع ملموسا أو معنويا.

تقول شاعرتنا “من الطبيعي جدا أن يأتي الشعر مرآة لهذا الواقع الذي مازالت تعاني فيه المرأة ما تعاني، خاصة حين تقرر التمرد على عادات المجتمع البالية، والاستقلال بحياتها وفق قناعاتها الخاصة، دون أن يُمارس عليها الوصاية أحدٌ”.

 قادنا الحديث إلى المنطقة المغايرة التي ذهبت إليها ضيفتنا في تجربتها الجديدة على مستوى الاشتغال ما بين مجموعتها الأولى “خمسة أوتار في يدي”، الصادر في 2014، وكتابها الأخير “أربّي الذئاب في سلة القش”.

وعن ذلك توضّح الشاعرة بأن كتابها السابق كان التجربة الأولى، فهو -كما تعبّر عنه- مثل الحب الأول في حياة المرء، تتدفق فيه المشاعر طازجة وعفوية، معتبرة إياه مثل المادة الخام الأولية للصنع، أما مجموعتها الجديدة فقد عملت على أن تأتي أكثر نضجا وتركيزا، فكان الاشتغال عليها أصعب، جاعلة من الرمز نافذا، والإشارة لافتة، والمعنى قاسيا رغم طراوة العبارة. تقول “أن تُكتب كل كلمة في محلها دون زيادة أو نقصان”.

كسر الأطر

 وعن قراءتها للمشهد الشعري الشبابي المعاصر في الكويت ترى العبدالله أنه “رغم جميع الأصوات التي تنادي بسطوع الرواية وتلاشي الشعر، إلا أنني أرى أن المشهد الشعري في الكويت في تطور وازدهار، وذلك على أصعدة شتى، في أنواع الشعر وأشكاله، كما أعتقد أن ما يميز الأمسيات الشعرية في الكويت هو الطابع الشبابي الذي تقوم عليه، في الحقيقة هناك شريحة كبيرة من الشباب في الكويت الذين لم يوفر لهم المشهد الإعلامي أو دور النشر دعما حقيقيا مما أدى إلى غيابهم وعدم ظهورهم وانتشارهم”.

وفي سؤال عن ملف “البدون” في الكويت وكيف أن المنتج الأدبي الكويتي على صعيد الشعر والرواية، وأيضا على مستوى الأعمال الدرامية، قد تناول بالاشتغال على واقع الكويتيين “البدون”، فهل استطاع المثقفون الكويتيون أن يتحوّلوا إلى كتلة ضاغطة باتجاه تشكيل حل جذري لهذه القضية الإنسانية العميقة؟

 

يلاحظ القارئ أثناء تناوله لعدة تجارب حديثة للجيل الشعري الشبابي تجاوزه للجدل القديم الحديث حول تصنيف النص على أساس جنسه الأدبي، فطالما كان قادرا على صناعة الدهشة لدى المتلقي، حيث إنه نص حر يمكن قراءته بأي تصور مفتوح. فالعديد من المجموعات الأدبية الحديثة أتت مواكبة لتقنيات النص المفتوح دون الاهتمام بقولبته تحت مسمى الشعر أو القصة أو الشذرات. صحيفة “العرب” توقفت مع الشاعرة الكويتية عائشة العبدالله في حوار حول كتابها الأخير المدرج تحت تصنيف “نصوص”.

تجيب ضيفتنا “لا شك أن قضية ‘البدون’ من أكثر القضايا الإنسانية المحزنة، والتي هي لا تخص فئة بعينها، بل تخص كل إنسان حر يؤمن بحق الإنسان في أن يكون له وطن، وأن يمارس كل حقوقه البديهية على أرضه. هي قضية كل شخص يرفض الظلم ويطالب بالعدالة. والكثير من الأعمال الأدبية تناولت قضية ‘البدون’ وعرضت أبعادها. ودعمت كل خطاب سياسي ينادي بحل تلك القضية، ولكن في رأيي إن الأدب في نهاية الأمر لا يمكن أن يكون منبرا سياسيا، دور الأدب هو تكوين الوعي الإنساني عند الشعب، وبالتالي يمكن أن يساهم هذا الوعي في تشكيل كتلة ضاغطة”.

وعن الربيع العربي وما أفرز من مفاهيم جديدة للكتابة والشعر، وهل استطاع أن يكسر الحالة الكلاسيكية على مستوى المضمون والشكل، أم أن المثقف عاد بعد الربيع العربي إلى الدائرة الأولى مجددا حاملا معه إحباطاته وانكساراته مرة جديدة ليعود بذلك إلى المربع الأول؟

تعلّق شاعرتنا بأنه “من الطبيعي أن ما سمّي بـ‘الربيع العربي‘ فتح أبوابا كانت مغلقة لمدة طويلة في عصر الصمت والدكتاتوريات العربية المتجذرة، وأعتقد أن مجرد كسر هذه الأطر الاستبدادية أودى بنا إلى مساحات لم يكن الشعر العربي يستطيع أن يخوضها، أو ربما كانت كامنة تظهر على استحياء، ولكنها صارت تظهر واضحة جلية، وبالتالي عندما نقرأ تحديدا للجيل الشاب في الوطن العربي نلاحظ تجديدا على مستوى الفكرة وعلى مستوى المعالجة والقالب أيضا، هناك من يكتب شعرا على الطريقة الكلاسيكية بلون حداثي، وهناك بالمقابل ثورة في قصيدة النثر على مستوى الصور والأفكار ومعالجتها، واستلهام كبير من معاني الثورات العربية وعدم المساومة على الحرية ورفض لأبوية السلطة بكل أشكالها”.

15