"شاعرية الأرض".. النار والتراب والماء يوحدها الخزف فنيا

الطين يسرد تحوّلاته وتجلياته الغنائية المختلفة في معرض نسوي لبناني.
السبت 2021/09/11
لغة حمّالة للمعاني والأفكار

قدّمت صالة موجو الفنية في بيروت معرضا غنيا لأعمال مصنوعة من السيراميك لمجموعة كبيرة من الفنانات اللبنانيات تحت عنوان “شاعرية الأرض”، قاصدة بهذا العنوان الطين وتحوّلاته وتجلياته الغنائية المختلفة والخارجة من تحت أيادي هؤلاء الفنانات. ومن المعروف عن هذه الصالة اللبنانية تشجيعها الدائم للفنانين المكرّسين والصاعدين على حد السواء في زمن بات فيه العرض الفني من أصعب الأنشطة.

فن الخزف فن عريق عراقة الإنسان وقدم آثاره الملقاة والمحفوظة على السواء والناجية من الزمن في باطن الأرض. حرفة هي وفن نشأ في أمان تجاويف المغاور، وعلى أكتاف الجبال وعلى حفاف الأنهار.

الأنهار التي استقى منها الإنسان ماء خُلط به التراب وجُفّف مزيجه ليصبح صلبا كفاية ليليق بأن يكون “خزفا”، بل قوارب مغلقة يودع فيها الأحباب استعدادا لرحلتهم إلى العالم الآخر.

وجعل الإنسان أيضا من الطين المشكّل أوعية وقوارير جمّع فيها مطر الشتاء لأيام القحط، ثم مستوعبات وجرارا ليكنز فيها محاصيل الحبوب والثمار. واستمر الطين، المشكّل بقوة النار، وظل يتبلور شكلا ومضمونا حتى يومنا هذا.

من النفعي إلى الجمالي

أعمال يظهر فيها التقعّر شديدا وعميقا حتى التوت أطرافه، وبدا وكأن هذا التقعّر هو الفكرة المراد التعبير عنها
أعمال يظهر فيها التقعّر شديدا وعميقا حتى التوت أطرافه، وبدا وكأن هذا التقعّر هو الفكرة المراد التعبير عنها 

ليس المعرض اللبناني المشترك الذي تقدّمه صالة موجو الفنية والمعنون بـ”شاعرية الأرض”، إلاّ تذكيرا واحتفاء بعراقة هذه المادة وبجمالية الخزف المصنوع منها.

الفنانات الحرفيات المشاركات هنّ: ندى رزق، كوليت إرسلان، ماريان سرجي، وداد يزبك، ياسمينة خليفة، زينا أبوالحصن، غيتا ملكي، نجوى نحاس ورنا يازجي. قدّمت كل فنانة ما بين أربعة وعشرة أعمال نحتية.

ولعل كون الأعمال الفنية المعروضة قد أنجزتها بأكملها مجموعة من نساء فنانات ليس بينهن رجل واحد، يعطي لهذا المعرض بعدا إضافيا ألقى الضوء على صفات الأرض المشتركة مع المرأة ككائن خلاّق وحاضن، يتمتّع بخاصية الانسجام الروحي والعقلي التام ما بين اليد وما يبتكره العقل والقلب على السواء.

تشكيلات خزفية عابثة وطريفة

بعد مرور أجيال عديدة اكتسبت هذه الصناعة، التي كانت في صميم العمل النفعي المعيشي المصنوع من الطين، والذي لعبت النار في تأليفه دورا رئيسيا، اسما آخر وهو “الخزف”، ليخرج بذلك عن محدودية تعريفه ومن كونه صنعة نفعية وحاجة معيشية بحتة إلى فن له قواعده وأساليب معالجته وأشكاله وأدواته وألوانه المختلفة. وبات يعتبر جزءا لا يتجزأ من عالم الفن التشكيلي حتى وإن حافظ على خاصيته النفعية.

تشكيل من طين ونحت فني وصل في أعمال عربية وعالمية كثيرة إلى التجريدية القصوى، فانتفت صفته النفعية ليكون محض حضور جمالي يستفزّ أو يجذب ويشي بأفكار ومشاعر صانعه الفنان، الذي أدرك حرفة صناعته “العلمية” ونفخ فيه روح الفن كي يعبّر عن تجارب ومواقف وأراء وأمزجة شخصية مختلفة.

ولم يخرج المعرض الذي قدّمته الصالة عن هذا المنطق المعاصر لفن الخزف. فزائر المعرض اكتشف مجموعة أعمال كبيرة شديدة الاختلاف ومختلفة الأحجام، لكنها كلها وقعت تحت شعار الفن المعاصر والقدرة على استنطاق المادة وتطويعها لتقول كل ما أراد الفنان قوله.

وتعرّف الصالة المعرض بهذه الكلمات “شاعرية أرضية”، هي قصيدة شعر ما بين الأرض والفنان. اليوم، أكثر من أي يوم مضى،

الأسى الذي نعيشه كلبنانيين يدفعنا إلى أن نعيد صلتنا بالأرض. الأرض التي هي شعار للجمال وللقدرة على الاحتمال في آن واحد. من خلال تلك القصائد النحتية تعقد الفنانات المشاركات الصلة ما بينهنّ وبين زائري المعرض. معرض يستعرض من خلال الأعمال الإصرار على الاستمرارية والبقاء على الرغم من حدة النار، لا بل تحويل النار إلى قوة فاعلة تشيّد ولا تدمر.. كما تُحدث شدّة الضغط والحرارة، حجر الألماس في باطن الأرض.

لا غرابة في ذلك أبدا. إذ كما يتحوّل الفحم إلى ألماس كذلك يتحوّل الطين الأخرس بين يديْ الفنان وتحت جناح خياله إلى لغة حمّالة للمعاني والأفكار.

صلابة قابلة للكسر

حذاء سحري لامع يحيل إلى قصص خرافية
حذاء سحري لامع يحيل إلى قصص خرافية

في المعرض أعمال متنوّعة جدا، منها التبسيطي من خلال أشكال تحاكي الأواني والأطباق مختلفة الأشكال دون أن تكون صالحة للاستخدام بقدر ما هي داعية إلى التأمل والتمعّن. ومنها الجماليّ الذي يقدّم للزائر الفرصة الحرّة لاقتنائها ثم استخدامها بأكثر من طريقة وطريقة. مثالنا في ذلك “تاج” أسود اللون وربما هو ليس تاجا، ومعرفة ماهيته تختلف من شخص إلى آخر.

ومنها التجريدي الذي يحاكي مشاهد طبيعية وأشياء عضوية وغير عضوية، وكائنات مجهرية غرائبية دون أن تكونها تماما. ومنها ما هو تشكيليّ “عابث” وطريف، ونذكر هنا منحوتة تجسّد رأس رجل يرسل نظره إلى جهة واحدة من المساحة الكامن فيها (أي الصالة في هذه الحالة) وعلى رأسه ضفدع ضخم هو رهن إشارته.

كائنات مجهرية غرائبية دون أن تكونها تماما

كما يعثر الزائر في المعرض على حذاء مصقول ولامع وشديد الطرافة ومشغول بدقة خطوط لافتة تجعله كثير الواقعية، ممّا يحيلنا إلى قصص خرافية قرأناها في طفولتنا، حيث برزت أحذية سحرية لامعة لا تخصّ إلاّ الأبطال الذين ينتصرون حتما أو الأشرار الذين يخسرون دائما في نهاياتها.

ومن الأعمال نذكر عملا خزفيا متألّفا من ثلاثة أجزاء غير متّحدة ويمثل نبات الفطر. ونكاد نشعر أمام هذا التشكيل الخزفي برطوبة وإسفنجية سطحه التي تحاكي نبات الفطر الطبيعي.

ومن ناحية أخرى ثمة أعمال ظهر فيها التقعّر شديدا وعميقا حتى التوت أطرافه وبدا وكأن هذا التقعّر، وبالمطلق هو الفكرة المراد التعبير عنها.

ومن الأعمال ما يشبه تمزّقات صلبة التصقت ببعضها البعض، لكنها معلنة أنها مهدّدة بالانهيار. ومن المنحوتات ما يجعل الزائر يتمتّع بلمعانها، التي هي الطبقة الزجاجية الدقيقة التي ظهرت كطلاء سدّ مسام العمل وجعله أكثر صلابة وبريقا.

وتبقى هذه الصلابة من ناحية المظهر متناقضة مع قابلية الخزف للكسر في حال وقوعه أو اصطدامه بمادة صلبة. ولعل ذلك من الصفات التي تجعله أكثر جمالا وواقعية، لأنه بذلك يشبه طبيعة الإنسان في صلابته وفي قابليته للانكسار والتشظي، ولكن أيضا في إمكانية أن يستجمع شتاته وأن “تقوم قيامته” من جديد بوجه الألم وبوجه الدمار.

من ناحية أخرى ثمة أعمال خزفية مصقولة الملمس وأخرى شديدة اللمعان، ومنها الملوّن بألوان الأرض، ومنها ما هو غضّ ارتأت صاحبته، أي الفنانة، أن تبقيه فجّا وخاما.

وإن كان ثمة ما يجمع بين تلك الأعمال الفنية، فهو أن أكثريتها الساحقة لم تستخدم اللون كمادة تلوينية، بل كجزء لا يتجزأ من خامة العمل و”شخصيته”، إذا صحّ التعبير. وربما لأجل ذلك ابتعدت الأعمال عن “التزينية” التي لا ضير فيها، ولكنها تنتمي إلى عالم آخر تماما.

15