شاعر أخلص لقصيدته فرافقته إلى دار المسنين

الاثنين 2016/10/10
سأستمر في الكتابة

الطائف (السعودية)- بصوت أجش لا يخفي رقة قلبه، يتحدث الشاعر الغنائي المخضرم يوسف رجب، من “دار الرعاية الاجتماعية للمسنين” بالطائف عن الجحود الذي يعيشه الوسط الفني، وعن محطات مهمة في مسيرته الطويلة التي طرزها بروائع عصية على النسيان.

يقول يوسف رجب “دخلت إلى دار الرعاية برغبتي بعد وفاة والدي ووالدتي، حتى لا أجد نفسي في الشارع. كنت أبحث عن الاهتمام والرعاية، وليس لدي من يهتم بي”. يسكت قليلا ثم يكمل ”اتصلت بالشباب في جمعية الثقافة والفنون وطلبت منهم مساعدتي بالدخول إلى الدار، وكانت لهم وقفة معي لا أنساها. وبعد 5 أيام من اتصالي بهم وجدت نفسي هنا”.

المفارقة تكمن في أن رجب الذي كان مخلصا لحبيبته الملهمة وكتب لها العشرات من القصائد التي صدح بها أشهر الفنانين ونذر خفقات قلبه المتسارعة شعرا لها، وجد نفسه وهو في منتصف السبعينات من عمره يقف وحيدا، وعن هذا يقول “كنت أخشى العيش بمفردي. أكره الوحدة. لذا أتيت إلى دار المسنين، وأصبحت لدي أسرة، وهناك من يعطيني أدويتي ويأخذني إلى الحدائق ويرافقني إلى المستشفى، وهذه أكبر نعمة”. ويتابع” أنا لم أتزوج”.. ينقطع صوته قليلاً ثم يكمل “لو تزوجت لكنت محاطا بأولادي، فأنا الآن في أمس الحاجة إليهم.. الحمدلله على قضائه وقدره”.

ومن جهة أخرى يوضح رجب أنه يشعر بالثراء كلما تذكر أن في رصيده 70 أغنية شدا بها أشهر الفنانين، ولم يمهلنا لسؤاله عن أشهر تلك الأغاني. قاطعنا ثم ردد شطراً من قصيدته “عوافي” التي غناها الفنان طلال مداح ولحنها طلال باغر، وأعاد الذكرى لرائعة محمد عبده “مالي على الحب اعتراض” التي أطلقها في بداية الثمانينات، وإحدى الروائع التي كتبها ”مين فينا ياهل ترى.. باع الهوى واشترى” التي غناها الراحل فوزي محسون ومن بعده الراحلة عتاب، وعاد من حيث ابتدأ إلى “صوت الأرض” في أغنية “عذري لله”.

يوسف رجب المتخم بالأمل والحنين، يذكر أنه كتب القصيدة الغنائية بحثا عن ذاته ولم يكن ذلك للمال أو الشهرة، يقول “إن أكثر مبلغ حصلت عليه من وراء القصائد الغنائية كان 4000 ريال. وهذا المبلغ الزهيد ليس بقيمة قصائدي”.

ولفت إلى أنه يشعر بالغبطة والسعادة وهو يقيم بين 50 مسنا كل واحد فيهم يخبئ قصته التي لم تكتمل، ولا يزال يحدوهم الأمل في أن القادم أجمل مع إشراقة كل صباح، على حد وصفه.

وعن آخر النصوص التي كتبها، يلفت الشاعر إلى أنه كتب نصا وطنيا مؤخرا، أما على صعيد الأغاني فكان آخر تعاون له مع الفنان طلال سلامة قبل دخوله إلى الدار، وقبله راشد الفارس في أغنية الحلم.

يوسف رجب لم يشخ؛ تجده شاهقاً كجبال الطائف المأنوسة، يأبى أن نختم حديثنا معه دون أن يدس في جيبنا غيمة من غيماتها، ويحدثنا عن حاراتها القديمة وذكرياته فيها، وتألمنا حين يعصره الحنين وهو يتذكر طلال مداح وفوزي محسون وعبدالله محمد وسراج عمر وغازي علي وعلي عبدالكريم ومحمد عمر وغيرهم من الفنانين. ويقول “سأكون وفياً مع هؤلاء وأستمر في كتابة الأغنية كسابق عهدي، سأخبئ دفتري تحت مخدتي وكأني لازلت في البدايات”.

مدير “جمعية الثقافة والفنون بالطائف” فيصل الخديدي الذي كانت له وقفة مع الشاعر يوسف رجب وصفه بأنه “عاش في الظل وأبدع من الهامش وتغنى بحب الوطن بصوت شجي وحرف ندي، وها هو يعود بصمت للهامش ويسكن الظل في دار الرعاية الاجتماعية بالطائف بعد أن أعياه المرض والفقد، ذهب باختياره تاركاً مساحة الحرية خارج أسوار دار الرعاية ومكتفيا بحريته الداخلية”.

15