شاعر أمازيغي ينشد قصائده اليومية لكل الناس

من صفات كتّاب الهامش أنهم يبتعدون عن فكرة تصنيف كتاباتهم، فهم يهتكون المسلّمات، ويسخرون من كل التنظيرات والقواعد النّقدية، كما أجاب مرة محمد الماغوط صحافيّا سأله “لماذا تكتب قصيدة النثر؟” بقوله ساخرا “لمْ أسمعْ بذلك”. ويبقى أدب الهامش أكثر قربا إلى الواقع لأنه ملتصق بالتفاصيل اليومية لحياة الإنسان دون الميل إلى الإغراق في الرمزية والشعارات التنظيرية.
الخميس 2017/06/22
يكتب وظهره إلى القارئ (لوحة للفنان سبهان آدم)

يقتفي الشاعر المغربي حسن بولهويشات، في كتابه “قبل القيامة بقليل”، خطى كبار الشعراء الذين بنوا عوالمهم الشعرية من قشّ الهامش والمهمّشين كبودلير وبوكفسكي والماغوط وجون دمّو وغيرهم.

فقصائده تبدو يوميات إنسان يعيش على الهامش، كما يقول في قصيدة أفكار سيّئة في الرّأس “أسكن في سطيحة الفيلاّ مثل كلب حراسة، وأغسل ملابسي تحت ضوء القمر، حيث عضلاتي بارزة كبدويّ في الحمّام، وشعري مردود إلى الخلف مثل لوركا، دائما زلزال في جيوب الخيال الرّخوة، ودائما يخرج هذا السّرير، ليصلح أعطابه عند نجّار الضّاحية”.

مثل الماغوط يتسلّح بولهويشات بكاف التّشبيه، يضعها في جيب خياله مثل مسدّس، ويخرج إلى الشوارع، وكلّما رأى مشهدا أخرج مسدّسه “كاف التّشبيه”، وأصابه من الطّلقة الأولى، كما يستعرض الشاعر تشبيهاته في نصّ “الكرنفال الصّامت”، حيث يقول “تبدو الأشياء والعناصر صريحة كالموت/ شفافة كألبوم الذّكريات/ دقيقة كملامح الجدات/ البيوت صغيرة ومتكوّمة كأيتام في العيد”.

شعر بولهويشات رغم إغراقه في قاموس الهامش والفوضى والتمرد، لم يخف بروقا صوفية تظهر خافتة

بكاف التشبيه تلك، كان بولهويشات يقتنص المشاهد، مثل مصوّر فوتوغرافي قَلِق، وهذا ما جعل قصائده ملغّمة بالمشاهد الحارّة التي تصوّر الحياة اليومية للإنسان المغربي: البيوت الصغيرة والمتكومة، العجائز على العتبات يغزلن الألم فوق ألواح خشبية، الأطفال يملؤون جيوب النهار بمطاردة الشيطان وتشتيت شمل الكلاب، النهر وسط الأحجار، حقول البرتقال، الرجال يفسحون للماء بالمعاول ليصل إلى الأشجار، رعاة يتلمّسون الدفء لأصابع مخدوشة بجلابيبهم الغليظة، وأحذية البلاستيك الممتدة إلى الركبتين.

كل هذه المشاهد أخذها الشاعرُ نيّئة من الحياة اليوميّة، ونثرها في نصوصه دون أن يلمسها بريشة المجاز، فقط هو كان يشتغل على الإطار الذي يحيطها وعلى ما يربطها إلى بعضها البعض بنسق حركي درامي، ورغم أن بولهويشات يميل إلى الفوضى والهروب من كل البنى والأنظمة التي تحدّ من تشنّجه الشعري، إلا أن هذا لا يخفي بناء خاصّا بالشاعر اشتغل عليه في أغلب نصوص كتابه الذي يقوم خاصّة على إطار النّص، من العنوان الذي يمثّل عتبة النص، ثمّ السطر الشعري الذي يدخل به والسطر الشعري الذي يختم به، عدا ذلك يترك الشاعر للصور والأحداث حرية التحرك والتفاعل مع بعضها البعض دون انضباط لفكرة محددة.

يكتب بولهويشات، مثل فناني الغرافيتي وعازفي محطات القطارات والجسور ومسرحيي الشوارع، غير عابئ بأدبيّات الصّالونات والميكروفونات، فهو يرى أنّ المحمل الحقيقي للّوحة هو الجدران التي يخطّ عليها الثوار شعاراتهم ويجلس تحتها الشحاذون، وليست الأروقة الباردة التي يحج إليها نقاد الفن التشكيلي بغليوناتهم الطويلة، وهو يرى أن الموسيقى الحارة هي التي تخرج من الأصابع المرتبكة والأوتار التي لم تُعدل ليسمعها العمّال وهم يسرعون إلى مشاغلهم، أو العاطلون في مقاهيهم، وتكون ممزوجة بضجيج الحياة، وليست المسارح النظيفة التي يصطف على ركحها العازفون مثل تلاميذ أمام قسم، ليعزفوا موسيقى مرتبة ومنضبطة يسمعها جمهور صامت.

نبرة دونكيشوتيّة ساخرة

وقراءة الشعر عند بولهويشات تكون تماما كما يكتب في قصيدة “أضلّل النّهار بنظّارات شمسية” قائلا “أن أقرأ أشعاري في إسطبل الدّواب، ويصفّق البدو بحواجبهم الكثة/ أن أكون أمازيغيّا، وأنتسب للعرب بقوة الشعر/ أن أهرب قصائدي إلى لندن والشام، وأشتم اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر بلا سبب واضح”.

يعتبر كتاب “قبل القيامة بقليل” لحسن بولهويشات الصادر عن دار مخطوطات إحدى المحاولات الجادّة في الشعر العربيّ الراهن الذي عرف تحولات فارقة خلال هذه السنوات الأولى من الألفية الثالثة، متأثرا بالأحداث السياسية التي عرفها الإنسان العربي وبالقلق الفكري والنفسي الذي يعيشه، وبالمحامل الجديدة للمعرفة والخبر التي حولت واقعه إلى دوامات مرعبة من الفانتازيا.

لا تكف القصيدة عند بولهويشات عن أن تكون حمالة مواقف، كما يكتب في قصيدة “دفتر الخراب”، وهو يضع إصبعه على الجرح العربي المشترك “فلسطين” لكن زاوية نظره إلى القضيّة الفلسطينية تختلف هنا عن شعراء النبرة الحماسيّة العالية، فهو يقوم بعملية تشريح قاسية للذّات بأسلوب كاريكاتيري، تماما مثلما يفعل ناجي العلي في رسوماته، يقول الشاعر “أن يزْهر الصّمتُ في ميكروفونات الجامعة العربيّة، وتجلس أميركا على كرسيّ دوّار، وتضع قطع السّكر في فنجان التّاريخ، ليستسيغه طلاّب المدارس”.

وهو لا يكفّ عن استفزاز الذّائقة المنبريّة والخطابيّة بأسلوبه الفوضويّ إلى حدّ الاستهتار بكلّ البنى والأنظمة الشعريّة من القصيدة العموديّة إلى قصيدة التّفعيلة وحتّى قصيدة النّثر الخارجة من مختبر المنظّرين والتي تعتمد على وحدة الفكرة، فهو يكتب وظهره إلى القارئ كما يصف هيدغير شعر أولدرلاين، حتى وإن توجّه بالخطاب إلى الشعب في قصيدته “خطاب إلى الشعب”، حين يقول “أيّها الشعب الهمام، المسفوحة دماؤه فوق بلاط الجلاّدين” فإنّ خطابه لم يخل من نبرة دونكيشوتيّة ساخرة.

شعر بولهويشات رغم إغراقه في قاموس الهامش والفوضى والتمرد، لم يخف بروقا صوفية، ظهرت خافتة بين شقوق النصوص، لنرى بومضة أحدها وجه الشيخ محيي الدين بن عربي، الذي يقول إنّ الحياة سفر طويل إلى الله، حين يقول الشاعر “أريد أيضا أن أصل إلى الله قبل القيامة بقليل”.

14