شاعر الثورة السورية

الخميس 2015/04/30
كتب نزار دمشق كمدينة تعرض مفاتنها ببهجة وتحدّ وفرح

تتمركز أقسى معالم وحشية النظام السوري ضد طلاب الحرية في فعل اغتصاب النساء الممنهج الذي بدا قادرا على أن يعكس روح النظام، ويكشف عن طبيعته.

لا يستهدف فعل الاغتصاب اللحظة الراهنة بل يستهدف التاريخ والماضي، وكذلك يسعى إلى إعاقة نمو المستقبل. هذه هي الطريقة الأكثر فعالية لتدمير شعب كامل وكسر إرادته. إذ يشيع الاغتصاب الصمت، ويؤبد استحالة اللغة كي تولد من هذه الاستحالة سوريا الأبد- الأسدي.

انتهاك المرأة هو انتهاك لوجود الإنسان السوري، ودفع للقمع إلى تلافيف الروح كي يصبح بنية وراثية تتناقلها الأجيال. مجال تأثير هذا الانتهاك يطال كل شيء بلا استثناء.

يكفي النظر السريع إلى معالم سوريا الأسد لنفهم كيف تم قمع الخطاب الأنثوي عبر نشر منطق العسكرة الشاملة لكل شيء. كل ما في سوريا الأسد كان ينطق بالفظاظة من تماثيل الأسد الأب التي تنتشر في كل مكان، إلى فرض الخدمة العسكرية الإجبارية على النساء، إضافة إلى نشر الذعر والخراب.

تتحالف العسكرة مع الفظاظة، والتجهم، وفقدان الأمل. نشر النظام الأسدي هذه المفاهيم وحوّلها إلى سيرة لأبده الذي يريده للشعب السوري أن يسكن فيه دون أمل بالخلاص.

هنا تحديدا تكمن أهمية نزار قباني الاستثنائية، فهو الشاعر الذي أسس للخطاب الأنثوي في الشعر العربي المعاصر، ويكاد يكون الأبرز ضمن هذا المجال في تاريخ الشعر العربي.

هذا التأسيس يكتسب طابعا ثوريا بامتياز، لأنه نجح في إشاعة معجم يناقض معجم الفظاظة الأسدي وروحه، حيث أعاد للمرأة حضورها ليس في عالم الشهوات، والغواية، والأحلام الدخانية، ولكن في مجال الفعل وصناعة الأمل.

أصبحت المرأة مع نزار قباني كائنا سياسيا بامتياز. ليس هذا الكلام من باب التأويل الذي يحاول أن يسقط على شعر نزار قباني ما لا يحتمله، بل وعلى العكس من ذلك، تحاول هذه القراءة استجلاء الأبعاد الكامنة في شعر الرجل الذي كان ممنوعا من التداول في عدد كبير من العواصم العربية على الرغم من أنه كان يوصف عادة بأنه شعر لهو يكاد يكون مادة إباحية.

لم تمنع العواصم العربية الإباحية في حياة نزار إلا عرضا، بل كانت تسهل وجودها وتداولها ولكن بشكل سريّ، ما حوّلها تاليا إلى فعل يمارس في الظلام، وعمّق ارتباطها بفقدان المشروعية. كان يراد لشعر نزار أن يدسّ في هذه الحفرة المظلمة نفسها، أو أن يكون ممنوعا من التداول.

لا إجابة ممكنة عن سبب هذا التعامل مع شعر نزار سوى أنه كان مغني البهجة، والامتلاء بالنفس، والوجود والرغبة. وكانت امرأته العارية المبتهجة بجسدها والخالعة عن روحها حجاب التقاليد، صورة واضحة عن الحرية. لم تكن امرأة نزار قباني سوى الحرية التي كان الثوار ولا يزالون ينادونها باسمها السحري.

أشاع نزار الرقة ضد القسوة، ونشر البهجة في مواجهة الحداد النهائي، وخلق مفردات سيالة شفافة في مواجهة مفردات البعث. نجح في تحويل الشعر إلى خبز يومي. بات كل مواطن سوري وعربي قادر على أن يتعاطى مع قهوته الصباحية جرعة من الشعر المشبع بلغة تخرجه من واقع القمع الذي يحياه ويتمنى الخلاص منه.

هذا النزوع الذي أسس له نزار كان تراكميا، وقد وجد انفجاره في لحظة انطلاق الثورة الثورية التي كانت شعرا صافيا، تعرّى ونزل ليسبح في نهر الناس الهادر وآمالهم. غادر الشعر مع الثورة لغة الأسد وسكن لغة الناس. السهولة التي كان الثوار ينسجون على أساسها شعاراتهم وأهازيجهم لم تكن مستلة من معجم الأسد، ولكن من معجم نزار قباني شاعر السهولة المعجزة.

الشاعر الدمشقي كرّس دمشق في شعره كمدينة تحارب كل معالمها وياسمينها وذاكرتها وتاريخها ضدّ الوجه الأسدي. من هنا نفهم لماذا حرص النظام على تدمير آثار دمشق. فعل ذلك لأنه كان يعلم أنها لا تنطق باسمه ولا تردّد أصداء مجازره بل تكنز لغة لا يجيد تأويلها إلا الراسخون في علم زراعة الياسمين الشامي.

كتب نزار دمشق كمدينة تعرض مفاتنها ببهجة وتحدّ وفرح، وجعلها نموذجا قابلا للتعميم على كل العواصم العربية. صارت دمشقه قابلة للتكرار في بيروت، وبغداد وصنعاء وعمّان وسواها من العواصم العربية. كانت المرأة النهائية تلك التي يحاول النظام من خلال اغتصابها أن يغتصب المعنى واللغة، ويغلق أبواب الزمان على أبده الأسود.

لا يزال شعر نزار فعل إحياء دائم للمعنى الدمشقي عن المدينة العربية؛ يبث هذا المعنى على الدوام لغة واضحة تعلن امتلاك اللغة والوصف، والانتساب إلى عروبة تجيد كتابة لفظة الحرية بحروف ملونة من أبد الناس، وأبد الرقة والفرح إنه الشاعر الدمشقي الذي أعلن أن شرايينه تختزن أصوات من راحوا، فصار مغني الثورة السورية ومؤرخها وضميرها الحيّ أبدا.

كاتب من لبنان

15