شاعر اللحظات الجماعية المرهفة

الجمعة 2013/11/01
قصائد كونستنتاين تسبر أغوار الهوس والحب والخسارة

يبحر ديفيد جيه كونستنتاين (1944) من شاطئ الشعر والترجمة ليفوز منذ أسابيع قليلة بجائزة فرانك أوكانر العالمية عن مجموعته القصصية "شاي في الميدلاند" (2012) مثيراً غيرة كُتاب القصة القصيرة. تفوق كونستنتاين على الأميركية جويس كارول أوتس ومواطنة جنوب أفريقيا ديبورا ليفي ليتسلم جائزة قدرها 25000 يورو بمهرجان كورك العالمي للقصة القصيرة في 22 سبتمبر القادم. إنه أول بريطاني يفوز بالجائزة منضمَّاً إلى ثلة ألمعية من الفائزين السابقين كالياباني هاروكي موراكامي والأيرلندية إدنا أوبراين. كانت قصة "شاي في الميدلاند"، قد نالت جائزة "بي بي سي" القومية، وهي أضخم جائزة على مستوى العالم تحتفي بقصة واحدة.

لقد خاض كونستنتاين مسيرة مهنية امتدت ثلاثين عاماً عمل فيها مدرساً للأدب الألماني وحاز لقب الأستاذ الشرفي من جامعة ريفربول. رأس تحرير مجلة مودرن بويتري إن ترانزليشن (شعر حديث مترجَم) وفاز مرتين بجائزة أفضل كتاب مترجَم من الشعر الأوروبي حين ترجم كتاب "قصائد مختارة: فريدريك هولدرين" وديوان "أخف من الهواء" للألماني هانز ماغنوس إنتسنسبرغر.

لا شك أن كونستنتاين كاتب غزير الإنتاج مثله مثل النبع الفياض إلا أننا عندما نقارنه بمعاصريه من الشعراء كشيموس هيني وديفيد هارسينت نجد أنه لم ينل التقدير اللائق على ما قدَّم من إسهامات بارزة في الشعر البريطاني المعاصر. قد يَرجع هذا الأمر إلى أنه ظل في الأغلب "غائباً عن الحركات والثُلَل الشائعة"، وفقاً لكلمات المؤلف البريطاني سيتفين نايت.


رؤية إنسانية


الحق أن شعر كونستنتاين يحتل مكانة منعزلة عن المناخ الأدبي الحالي، وشأنه شأن قصائد أوروبيين غزَت كتاباته، يتحلى برؤية إنسانية إلى العالَم قد يشوبها الأسى والكآبة. كثيراً ما تخيم عليه نبرات الذعر أو الرثاء أو الحدة، يخامره الألم أو تسوده المتعة، يوازن بين الاحتفال والقلق، الكبح والتوق. وبينما تستمد قصائده سلطتها من انشغال خياله بالأبعاد الأسطورية والدينية للوجود الفردي، تتداخل هذه السمات في نبرة واقعية اجتماعية وصور حسية مشرقة. لا تتجاهل موضوعات خالدة يُعبِّر عنها الشاعر من خلال الأساطير الكلاسيكية والإرث الرومانسي وحكايات الكتاب المقدَّس، نزعة شجعت النقاد على مقارنته بالشاعر البريطاني روبرت جريفز والروائي البريطاني هنري جيمز، بل وأكثر أعمال الأدب العالمي تقديراً: "الكوميديا الإلهية" للشاعر الإيطالي دانتي.


حكايات المقدّس


تتبدى حكايات الكتاب المقدس وإشاراته الضمنية واضحة في ديوانيّ كونستنتاين "أشد جنوناً" (1987) و"قصائد مختارة" (1991). تتراوح بين صور جنسية بلاغية في قصيدة "آدم يعترف بخيانة حواء،" ومشاهد اعتيادية في الظاهر – وإن كانت حقاً سحرية – في قصيدة "عرض ناري للقسيس"، قصيدة حمَلت الشاعر البريطاني شين أوبراين على وصفها في مجلة بويتري ريفيو بأنها "عجيبة في مزجها لعامل إنساني لا يخفى عن العيان بعامل جلي يُمثِّل الآخر". بل إن قصيدة "مؤرِخ محلي" – وهي وصف لباحث ناعس "الكتاب على صدره، وإصبعه محبوسة بين صفحاته" – تضمر شعوراً قاتماً بالانعزال وعالَماً غير واقعي يتخطى كل شيء. إن هذه القدرة على بث العاطفة في تفاصيل الحياة اليومية – على إفراطها أحياناً – تَضْمن أثراً رقيق الوقع، ولكن نظرة كونستنتاين الدينية إلى العالَم – لا قناعته الدينية – تتلون بشيء من اليأس وتُنتج تأويلاً غريباً لمفردات الكتاب المقدس المعتادة. وهكذا تَبزغ متع الكتاب وأهواله وكأنما تنير باتقادها وحماستها، وفي الوقت نفسه تقع تحت عين الشاعر المسلَّطة تسليطاً.

يمزج كونستنتاين العلاقات الحميمة والمشاعر الصريحة في ديوان "إشراق يطرح ظلالاً" (1980) لنلفي قصائد مترعة بصور كئيبة باردة الأحاسيس، مخيفة في أغلبها: "تنقر الساعة كل شيء حتى العظم / عندما تنفصل دماؤنا. / تقتحم الرياح العيون المكسورة / من المنازل وعبر ثغورهم المتسعة / وتنثر الرماد من المدفأة. / نَمْ. لا تترك يدي". ثمة تلهف لا يفارق القصائد ولا يَسْلَم من أنانية، يصوره الشاعر تصويراً متقداً في أجواء كما الجحيم عندما يتراءى الحبيبان في قصيدة "الملعون" "كفرعيّ شجرة ميتين / يقرعان الجمجمة بإصبع طويلة، / حديثهما أشبه بصوت نشر الجمجمة"، بينما الأشباح في قصيدة "كل الأشباح في الجحيم عُزَّاب" "يَسمعون شخصاً ينادي على الحُب في السواد / ولكن لا تسعهم الإجابة ولا تسعهم العودة".


روحاني خارق


توالي هذه الحدة العابسة المتلفعة بالفلسفة الازدهار في ديوان "ترقُب الدلافين" (1983) الفائز بجائزة أليس هانت بارتليت، ولعله أكثر دواوين الشاعر تقديراً بين القراء والنقاد. "في عالَم كونستنتاين نتأمل جميعاً الملائكة من غير قصد"، هكذا وصفته الكاتبة البريطانية إليزابيث لاوري، "نتأمل مزيجاً لا يعوزه الاضطراب من الرائع واليومي… يكاد المبهِج والمعتاد، بل والكريه، يستعصي على التمييز". تحكي قصيدة "ترقُب الدلافين" قصة بسيطة – وإن كانت مُحْكَمة – لرُكاب يستقلون أحد القوارب المتجهة إلى ميناء بيريوس. ينتظرون مشاهدة الدلافين، "كلهم يرومون الظهور / يناشدون البحر / طلباً لآلهة الغابات المبتسمة فطساء الأنف الشبيهة بالقباب".

ولكن الدلافين لا تَظهر فيما يُترَك الرُكاب بين ناقلات البترول، "أسفل سلاسلها / في المياه السوداء"، "يطرقون أعينهم" كمن يختبرون خَدَراً ما عائدين إلى حيواتهم العادية. يعتبر النقاد كونستنتاين أستاذاً في استحضار هذه اللحظات الزاخرة بالمشاعر الجماعية الدقيقة. الحق أن هذه المهارة تضع كونستنتاين في مكان أقرب إلى الشعراء الأوروبيين – على تباين مناهجهم – وأبعد عن البريطانيين من أمثال شين أوبراين وبيتر ريدينج.

لا ريب أن شعر كونستنتاين يَنعم بأسلوب فريد عند مقارنته بمعظم الشعر المعاصر: كثيف الوقع، عاطفي اللهجة، روحاني خارق أحياناً للطبيعة دون انخراط مفرط في الدين، بل إنه قد يتراءى خليقاً بشعر البريطاني ويليام بليك، مقارنة قد تبدو مبالغة إلى أن نضع في الاعتبار تركيز كونستنتاين المتكرر على التوتر القائم بين البراءة والخبرة بنبرة مكبوحة كبحاً أو ملائكة زائلين ينيرون دواوينه، وتحديداً "جِلد الدبابير" (1998) حيث "الملائكة… دنيوية، سعيدة، مرفوعة، تُظْهر راحة شاحبة". يبوح كونستنتاين إلينا بأن أغلب قصائد هذا الديوان "تتعلق بضغط الوعي ورغبة الفردية الملحة في العودة قسراً وبسْط نفْسها. تُواصل القصائد سبر مشاعر قديمة: الهوس والحب والخسارة غير أنها ليست في الواقع تكراراً بما أننا دائماً، وفي كل مرة، أكبر سناً".

14