"شاعر المليون" محاولة للإمساك بالصور الشعرية المبتكرة

الاثنين 2014/03/31
قصيدة الحارثي تتوفر على تنوع الصور الشعرية وثراء القاموس اللغوي

أبو ظبي- منذ انطلاقته الأولى في 14 نوفمبر 2007 وحتى الآن استطاع “شاعر المليون” أن يؤسس من جديد لخارطة الشعر النبطي وأن يعيد فرز الأصوات الإبداعية في الساحة الشعرية وتقييمها بدقة وموضوعية فأصبح المقياس الحقيقي لنجاح الشاعر النبطي وذيوع قصائده في الوسط الثقافي هو شاعريته الحقيقية وليس الإخوانيات أو المجاملات التي ترسّخ الثقافة المزورة.

يتمتع برنامج “شاعر المليون” الذي تبثه قناة أبو ظبي التلفزيونية بشعبية عربية ودولية، إذ حاز على متابعة جماهيرية كبيرة بحيث وصل عدد متابعي الأمسية الواحدة إلى 15 مليون مشاهد، هذا إضافة إلى التغطيات الإعلامية الكبيرة في الصحف والمجلات العربية والعالمية على حدّ سواء.

اشترك في الحلقة الأولى من المرحلة الثانية لهذا العام سبعة شعراء يمثلون خمس دول عربية وهؤلاء الشعراء هم حمد البلوشي ومِذْكر الحارثي من الإمارات، وبدر بندر ومجلاد الفعم من الكويت، وناصر البطحري من سلطنة عُمان، وأسامة السردي من الأردن، وطلال بن عون من سوريا. وقد تفاوتت قصائد الشعراء المتبارين السبعة من حيث المقاربات والمضامين الشعرية التي نالت إعجاب لجنة التحكيم من جهة وهزّت مشاعر المتلقين من جهة ثانية.

وكالعادة فإن الطرفين الحكمين في هذه المسابقة، لجنة وجمهورا، يبحثان عمّا هو مُبتكر، وجديد، وباعث على الدهشة. تُرى، هل توفرت مثل هذه القصائد الصادمة والمدهشة التي لم يسمعها الجمهور من قبل؟ سنحاول في هذه التغطية الإجابة عن هذا السؤال الجوهري الذي يتقصّى الصور الشعرية المبتكرة التي صاغها الشعراء المتنافسون بلغة شعرية رصينة لا تغادر ذاكرة المتلقي بسهولة.


ضد النعرات


اختار الشاعر الإماراتي حمد البلوشي في قصيدته المعنونة “أكرمكم أتقاكم” موضوعا اجتماعيا مرصّعا بالكثير من الثيمات الفرعية التي تقف ضد التفرقة وإثارة النعرات القبلية وتكريس الفوارق الطبقية حيث أشاد الناقد غسان الحسن بجمال إلقاء البلوشي من جهة وبحُسن استعماله لوزن الرجز في الشعر النبطي، الذي يقابل المتدارك في الشعر الفصيح، وهو وزن راقص تفاعل معه الجمهور كثيرا.

أشادت لجنة التحكيم بالثراء اللغوي الذي يتوفر عليه قاموس الشاعر الإماراتي الشاب مذكر الحارثي

كما أعرب عن إعجابه بالبيت الشعري الذي يقول: “فزّ فزّة شميمي بلا سين جيم/ سل سيف الغمامه بيوم الزحام” والمعروف أن “سيف الغمامة” هو سيف زايد الأول الذي يقال إنه يقطع ظهر جمل. كما نوّه الحسن بأهمية توظيف بعض الصور الدينية التي استوحاها الشاعر من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة التي تتخذ من التقوى مقياسا وحيدا بين البشر وليس المال أو المنصب أو الجاه. أما الناقد حمد السعيد فيرى أن الشاعر حمد البلوشي قد اختار نهاية ذكية قفل بها نصه الشعري.

أما الناقد سلطان العميمي فقد أعرب عن إعجابه بالأبيات الأربعة الأولى من قصيدة البلوشي لما تنطوي عليه من حركة وضجيج إضافة إلى جماليات التصوير الشعري التي يستمدّها من ثقافته الواسعة الدينية والتاريخية.


تشظيات الذات


الشاعر الإماراتي الثاني الذي اشترك في هذه المسابقة هو مِذْكر الحارثي الذي كتب نصه في مدة زمنية قياسية إثر الغياب الطارئ للشاعر السعودي عسّاف التومي بسبب وفاة ابن شقيقه. وقد كتب الشاعر الشاب مِذْكر الحارثي الذي لم يجتز عامه الثاني والعشرين قصيدة جميلة ذات نفَس وطني صادق أثنى عليه الدكتور الحسن لأنه وجد هوى في نفوس السامعين، كما وصفه بأنه نص تفاعلي يستنطق الواقع ويلامسه عن كثب. كما أشاد الحسن بالاستفهامات الكثيرة التي يتوفر عليها هذا النص والتي تمثلت بالبيت الشعري الآتي الذي قال فيه: “تعبت من الفتاوي والدروب اللي جفاها النور/ وتاهت خطوتي وين الصحيح؟ وكيف برهانه؟”.

كما أشاد العميمي وحمد السعيد أيضا بتنوع الصور في هذه القصيدة، وبالثراء اللغوي الذي يتوفر عليه قاموس هذا الشاعر الذي يعِد بالكثير من الإبداع مستقبلا إن هو واظب على نفس الزخم الذي يعيشه الآن.

لا يقل الشاعر الكويتي بدر بندر أهمية عن زميله السابق مِذْكر الحارثي فهو شاعر متمكن من أدواته الشعرية وقد اختار في قصيدته “سها الليل” موضوعا ذاتيا، لكن هذه الذات يمكن لها أن تتشظى صوب الموضوع لتعبّـر عن غربته وضياعه وخوفه الشديد من المجهول الذي يحاصرنا جميعا. أشاطر العميمي في أن قصيدة بندر ليست منبرية لكنها قصيدة فنية وتتوفر على بناء محكم منح النص برمته قوة إضافية عززت حضوره لدى المتلقي النوعي على وجه التحديد.


سلاسة اللغة


على الرغم من جمالية الشكل الشعري لقصيدة الشاعر الكويتي مجلاد الفعم، وسلاسة لغتها الشعرية إلاّ أن الناقد غسان الحسن لم يجد في قصيدة "الإمارات السبع" ما يدل على عنوانها، بل وجد في النص عموما حشوا لا قيمة له في الشعر.

يراهن الكثير من الشعراء على شعرية الشاعر العُماني كامل البطحري الذي اشترك بقصيدة “حكاية ساري”

كما أشار إلى تكلّف الشاعر الذي توزّع بين الذات والموضوع. فيما نوّه الناقد حمد السعيد إلى الذكاء الموجود في مفتتح القصيدة التي يقول فيها مجلاد “وهنا تثمر الأوطان حرية الإنسان/ وهنا ينبني مستقبل لطفل بمهاده”. وقد أيّد العميمي رأي السعيد بأن مقدمة القصيدة كانت جميلة لكن مشاعر مبدعها قد تفوقت على شعرية النص نفسه.


صياغات جديدة


يراهن الكثير من الشعراء الذين التقيتهم على شعرية الشاعر العُماني كامل البطحري الذي اشترك بقصيدة “حكاية ساري” حيث أشار العميمي إلى طريقة إلقائه الجميلة التي تتلاءم مع مناخ القصيدة الداخلي الذي يتوفر على تماسك واضح في بنيتها الشعرية العميقة، وخلوها من الحشو والمواقف الطارئة المفتعلة. أما الناقد حمد السعيد فقد انتبه إلى أهمية الصور الشعرية المبتكرة التي لم يسبقه إليها أحد حيث تنمّ عن ذكاء الشاعر وقدرته على اجتراح الصياغات الشعرية الجديدة.

أما الحسن فقد توقف عند النسيج الشعري المدهش الذي يعكس قدرة البطحري على كتابة نص محبوك تبدو كلماته للقارئ أو السامع وكأنها مطرزة بإبرة فنان ماهر يتيح للناظرين أن يروا جمال “الغُرزات” الدقيقة على الرغم من صغرها، وصعوبة رؤيتها. كما نوّه إلى تصويره الدقيق لمشاعره الداخلية الجياشة التي يبوح بها.


الاختبار الآني


لا يقتصر برنامج “شاعر المليون” على قراءة القصائد المتبارية وإنما يتعداه إلى اختبار ثان مفاده كتابة ثلاثة أبيات بترتيب مختلف لأبيات الشاعر الإماراتي علي عبدالله بن شمسه السويدي التي يقول في مطلعها: “سار الكتاب أولا لفي رد/ كنّه عدم قرطاس لحباب” مع الحرص على تغيير القافية في الصدر والعجز، واستعمال بحر آخر. وعلى الرغم من أن الشعراء أبدعوا في كتابة أبياتهم الثلاثة إلاّ أنّ هناك من نسي استبدال الوزن واكتفى بمجاراة الأبيات وهذا لم يكن مطلوبا في سياق المنافسة الشعرية التي تنطوي على قدر كبير من التحدي في ظرف زمني قصير جدا.

وفي الختام لا بدّ من الإشارة إلى أستوديو البرنامج الإعلامي الذي قدّمه الأستاذ عارف عمر ود. ناديا بوهنّاد التي ترصد أداء الشعراء من الناحية النفسية وحضورهم على المسرح. وقالت بأنهم قدّموا أفضل ما لديهم على الرغم من أن شخصياتهم مختلفة على خشبة المسرح.

15