شاعر الهيام بالذات

اللغة ليست وعاء أجوفَ، إنما رحم أم وحضن حبيبة، إنها وطن يحمينا من الواقع المزري، ويقودنا إلى دهشة الإبداع.
الأحد 2018/03/25
اللغة دون تجارب حياتية تتحوّل إلى تهويمات لغوية جافة (لوحة: كمال جبرالله)

أظن وليس كل ظنّ إثما، أن اللغة ليست وعاء للقصيدة، إنما وطن الشاعر وأسرته، أمه وحبيبته وابنته في آن واحد. شغف الشاعر باللغة يجب أن يكون على مستوى واحد من شغفه بالقصيدة وبالقراءة وبالحياة. الشاعر عاشق كلف للغة التي يكتب بها، يتماهى معها وجدا وانجذابا صوفيّا، إنه في لحظة الكتابة الشعرية، يصل إلى ذروة المتعة مع المفردة؛ مثل عاشقين يتماهيان وجدا وغراما.

ثمة مَن يكتب بلغة ما بدافع الانتقام والكراهية؛ لأسباب عقائدية عادة، ويبدع فيها لأنه وصل إلى ذروة المشاعر وإن كانت مشاعر سلبية، إنه يريد الانتقام من اللغة نفسها أو من الناطقين بها، لأنه لا ينتمي أرومة إليها، ومثل هؤلاء يقعون عادة بعد عدة إصدارات في التكرار الممل، لكنهم ينجحون في البدء لأن روح التلاحم مع اللغة؛ وإن كان بدوافع عقائدية؛ تمنحهم فرصة عظيمة للتفرد والاختلاف، وعادة ما يحصل هؤلاء على حضور واضح في المشهد الشعري والثقافي.

لكن عاملي الانتقام والكراهية يحفزان في البدء ثم يذوي وهجهما، لأن الإبداع لا يمنح نفسه للأبد في أحضان الكراهية، وهو ما نلاحظه جيدا مع الشعراء العقائديين؛ حتى ولو تواروا خلف البيئة وسيرة المنطقة التي ولدوا وترعرعوا فيها، فمصيرهم الذبول والتكرار، والذي يصل عند بعضهم إلى الفجاجة.

اللغة وعاء ولود لا يختلف عن الرحم، حين تضع فيه الحب والإصرار والشغف والمعرفة والتجربة ثم ترجّه عبر الخبرة تحصل على نص إبداعيّ مميز، حين تفتح أبوابه تنبعث منه روائح الحياة ونبضها وتلمس في عمقه ثقافة المبدع وهضمه الاحترافي لكل ما قرأ وما مرّ به من تجارب؛ سفر ونقاشات ولقاءات وعمل واحتكاك بالسوق والبيئة أسفلها وأعلاها معا.

اللغة من دون تجارب حياتية تتحوّل إلى تهويمات لغوية جافة تخلو من نبض الحياة، فلا يمكن لإبداع ما أن يزيح المكان والزمان واللون والرائحة بعيدا ويُنتج نصّا عظيما، لأن النص الإبداعي حين يخلو من هذه العناصر الأربعة على سبيل المثال، يفقد نكهته ولن يسعفه التفنن باللغة

اللغة من دون تجارب حياتية تتحوّل إلى تهويمات لغوية جافة تخلو من نبض الحياة، فلا يمكن لإبداع ما أن يزيح المكان والزمان واللون والرائحة بعيدا ويُنتج نصّا عظيما، لأن النص الإبداعي حين يخلو من هذه العناصر الأربعة على سبيل المثال، يفقد نكهته ولن يسعفه التفنن باللغة، لأن التفنن هو حذلقات لغوية لا أكثر، وليس تفنّنا حقيقيّا، إذ ببساطة لا يمكن تجاهل حقيقة اللغة بوصفها كائنا حيّا تتجلى عبر الناطقين بها.

يتلمّس القارئ روح المكان والزمان في النص الإبداعي، حتى في تلك النصوص التي يحاول مبدعوها إخفاء عنصري المكان والزمان عنها، لأن المبدع لا يمكنه أن يعيش خارج هذيْن العنصرين، فالنصوص التي تضع التاريخ خلفية لها، تُنبئك عن المكان والزمان بكل يُسر، بما في ذلك النصوص التي تقفز أو تسير عبر مراحل تاريخية عديدة وتُعشقها في النص مع الواقع الراهن.

إذن، اللغة ليست وعاء أجوفَ، إنما رحم أم وحضن حبيبة، إنها وطن يحمينا من الواقع المزري، ويقودنا إلى دهشة الإبداع، وقد لا أغالي لو قلت إن نصوصا إبداعية كثيرة تغزلت باللغة حين ذكرت الوطن أو الحبيبة، أعني اللغة الحية النابضة بالمكان والزمان وهموم المجتمع وهويته؛ أي لون البيئة ورائحتها؛ هذه النصوص تسكننا بدهشتها وتبقى حية لا يغطيها غبار الوقت وتكالب الأيام.

نجد هذا الأمر واضحا منذ بدايات الشعر العربي متمثلا بقصيدة “الإله عبادة” من نهاية القرن الأول الميلادي ومرورا بما أنجزته الشعرية العربية على امتداد القرون الخمسة التي تلته، ثم الأربعة عشر قرنا التالية، إذ نستنشق فيها عبق المكان والزمان ورائحة البيئة ولونها بكل وضوح، بما في ذلك النصوص التي عالجت الموت أو قلق النفس وحكمتها، سيّان في ذلك رثاء مالك بن الريب لنفسه أو حيرة وغربة المتنبي في شِعب بوان.

اللغة وطن الشاعر، الذي قد يتحوّل إلى خيانتها حين يجلس في برجه العاجي رافضا المكان والزمان ورائحة البيئة ولونها، أي لا نلمس همّا إنسانيّا في شعره، يكتب في وادٍ وبلاده ومجتمعه وتاريخه أي هُويته لا أثر لها، هنا تكون خيانات متعددة، خيانة اللغة والشعر والهُويّة الوطنية، لأن التعبير عن الهُويّة الضيقة خيانة أكبر وأشنع.

الكثير من الشعراء مارسوا هذه الخيانات حين استداروا نحو هُويّتهم الضيقة، ولم يعد الوطن همّهم الأول، فتحولوا إلى دعاة تدمير للهوية الشاملة، وإعلاء شأن الهُويّة الضيقة سواء أكانت مذهبية أم مناطقية أو مبنية على أوهام أمجاد لا وجود لها، أو بناء على حقّ في احتلال أرض الآخرين عبر نسبة الأرض لهُويته الضيّقة وحدها، وفرض ثقافة هذه الهُويّة على الجميع.

يقع الشاعر في مستنقع الخيانة، حين لا ينظر إلى اللغة بوصفها روح الأمة وهُويتها الناطقة، فيكتب تهويماتٍ ونصوصا مغرقة في تجريديتها، حتى تصعب معرفة موطنه وبيئته، تحت زعم “أنه شاعر كوني عابر للأوطان والثقافات والأمم”، والشعر الذي بحسب اللغة نابع من الشعور ما يجعل الشاعر الأكثر حساسية في كل شيء، لكن خيانته تعميه عن رؤية “الدم في الشوارع” وعنف السلطة غير المبرر.

اللغة وعاء ولود لا يختلف عن الرحم، حين تضع فيه الحب والإصرار والشغف والمعرفة والتجربة ثم ترجّه عبر الخبرة تحصل على نص إبداعيّ مميز، حين تفتح أبوابه تنبعث منه روائح الحياة ونبضها وتلمس في عمقه ثقافة المبدع وهضمه الاحترافي لكل ما قرأ وما مرّ به من تجارب؛ سفر ونقاشات ولقاءات وعمل واحتكاك بالسوق والبيئة أسفلها وأعلاها معا

والسلطة هنا لا تعني الحكومة فقط، بل تشمل كل قوة غاشمة داخلية أو خارجية، تُسَبّبُ خَرابا في بنية المجتمع وقواه وتؤدي إلى تَشَظّي هويته وهتك تعايشه، ومحاولة إبراز هُوية ضيّقة على حساب الهُوية الوطنية الكُبرى وبقية الهُويات التي تتشكل منها الهُويّة الجامعة التي خلَقَت التعايش على مرّ القرون وأعطت للمجتمع خصوصيته التي عُرف بها عند أهله وعند الآخرين على السواء.

ينتهك الشاعر اللغة إلى حدّ الخيانة في حالتين، حين يجعل شعره يخلو تماما من أي أثر لبيئته فيه، ويكتب تهويماتٍ وألغازا لا يفهمها هو نفسه، وحين يقف مع الجلاد ضد الضحية، مع السلطة الغاشمة، سواء أكانت سلطة مال أم سلطة رئيس حزب أم سلطة السلاح الموجّه ضد وطنه وشعبه، حين تمتلئ الطرقات بلافتات الموت والنعي، وهو ينتشي بكأس القاتل ويراه “رمزا مُعبّرا عن آمال وتطلعات الأمة”. لكنه لم يُفكّر يوما بالضحايا؛ بالأمهات اللواتي فقدن فلذات أكبادهن لأن السلطة الغاشمة تقامر بالناس، باليتامى الذين يتناسلون في الطرقات، بالأرامل اللواتي يقعن فريسة لـ”المسؤولين”؛ لم يلتفت إلى بلد غالبيته العظمى ضحايا ويتامى وأرامل ومن ذوي الاحتياجات الخاصة.

يصل الشاعر إلى الدرك الأسفل من الخيانة حين تتحول اللغة في نصوصه إلى لغة مذبوحة على يديه، يوم يصبح الشعر منافحا عن السلاح والمغامرين بحياة الشعوب ودعاة الهُويّات المتصارعة والقلقة والضيّقة، الباحثين عن كل نقطة اختلاف لِيُبْرزوها، والناكرين لآلاف النقاط التي تجمع تنوعنا، واللاهثين خلف مَن يذبح البلاد من الوريد إلى الوريد، ويمزقها لتأسيس حلمه الظلامي أو المذهبي أو العنصري. الشاعر موطنه اللغة، والوفاء لها، يعني أن تشمّ بيئة هذه اللغة في نصوصه، وألوانها وروائحها وتنوّع مجتمعاتها وعقائدها بمحبةٍ، وأن يقف مع الناطقين بها، الحاملين راية المحبة وعرق جباههم عبق القصيدة.

10