شاعر تائه في برزخ زئبقي بين الأمل واليأس

السبت 2016/08/13
إنتاج المعنى والدلالة

الرباط - لم يحد الشاعر المغربي محمد بلمو في مجموعته “رماد اليقين” عن يقينه بالقصيد لموازنة الأمل باليأس، فيتبدد البرزخ الزئبقي بينهما، بصيرته شذرات تزهر في خطى روحه متأبطا تعريفاته البدائية كنذر للمدى.

ومن عناوين القصائد نذكر “غياب” و”رماد اليقين”، و”لو بمقدوري”، و”حلم”، و”هل أنا الريح أيها الحداد”، و”لا موطئ قلم لي”، و”ورشات مرتبكة ضد الموت”، و”تعريفات بدائية جدا”، و”هل يحدث أن”.

والمجموعة الصادرة حديثا في طبعة ثانية هي عبارة عن نصوص شعرية تختلف وتتنوع في حجمها وصيغها ونبراتها وتراوح بين النص والشذرة أو النص المُتَلَولِب عبر مقاطع شذرية، أي النص بصفته آلية تنبسط وتنثني لإنتاج المعنى والدلالة، والشذرة باعتبارها تحايلا تعبيريا لتكثيف معنى واسع وعميق في أقل ما يمكن من الكلمات. وينهل الشاعر الجد من مجازه ليشكل من الرماد عطرا لأريج الحفيدة ليبدد من كيمائية الألم، فيكون إهداء المجموعة إليها.

ويرى الباحث محمد الديهاجي أن المجموعة موسومة بـ”شعرية الضرير” الذي يتلمّسُ طريقه بعُكّاز الشك والريبة. وهي شعرية تنهض على القلب والمفارقة، أي أنها تسعى جاهدة إلى قلب نظام القيم والأشياء.

كما يرى في قراءته للديوان أن الكتابة عند محمد بلمو تُضاعفُ دوالها في ثنيات المتخيل، مُنطلقة من المرجعية إياها، من خلال توالج مجموعة من المدوّنات في ما بينها، وهي مدونات تراوحت ما بين الحضور الفلسفي والديني والمكاني، مضيفا قوله إن الشك أصبح مبعث قلق وجودي عند الشاعر، ومن ذلك الشك في القيم، والأفكار، والأيديولوجيات، والذات نفسها، فالحقائق التي كانت إلى الأمس القريب ثابتة ولا يمكن البتة الشكُّ في مصداقيتها، ستتحول مع مرور الوقت إلى سراب ورماد، بضربة من ميولاتها الواثقة والوثيقة. ويشمل الشك في الذات وفي رابطة الانتماء وفي الوجود.

أما الأديب والباحث السوسيولوجي عبدالرحيم العطري، فيرى أن الشعر عند محمد بلمو معاناة ومكابدة مستمرة، وأن القصيدة عنده قد تأخذ شهورا كي تكتمل بهاء. فالقصيدة لا تأتيه ساجدة متى شاء، لكنها عندما تأتي تكون بهية شامخة وفاتنة في عيد الحب والإنسان.

وفي حين يصف الشاعر عبدالعاطي جميل قصائد بلمو بكونها مطرا مخضبا بالذكريات والآهات الجميلة، مدينا تفاهة الواقع المقيت وتهافته الذي اندلع كاللهيب في حقول البهاء، ويضيف جميل أن بلمو أعاد في قصيدة “التعريفات البدائية” صياغة العديد من المفاهيم في لحظات شعرية مكثفة، كاليسار والشعر والقطيعة والحمام والسياسة والظلم واليأس والسعادة والمرأة والتاريخ وغيرها من المفاهيم التي تتجاوز الأربعين، والتي تناولها كما يفهمها هو من خلال صور شعرية مكثفة.

16