شاعر تونسي يعذب ناظريه بالتلصص على نافذة الجارة

لا تعريف نهائيا للشعر لكننا يمكن أن نتفق على أن الشعر سميّ الحياة، تلك الحركة التي لا تعرف الركود، وكذا في الشعر لا منجز عظيما فيه من دون مجازفة وتجريب، من دون كسر للثبات والجمود. وحسب المغامر أن يمضي في المسافات إلى آخرها. بهذا الوعي تحاول التجارب الشعرية الجديدة فتح آفاق لتجربة أدبية هامة من حيث الأصالة التي تؤسّس لها والتمايز الذي تحدثه من غيرها.
السبت 2016/11/19
تأمل الجارة وعيون الشاعر (لوحة للفنانة العراقية ناديا أوسي)

تخلق قصائد المجموعة الشعرية “شبّاك جارتنا الغربية”، للشاعر التونسي سفيان رجب نسيجا دلاليّا لقضايا ثقافية مدارها الاغتراب والتشتت، في الوقت الذي تقترح فيه القصيدة نفسها قصيدة غزل لها تناصّها مع التراث الشعري العربي.

اجتماع التنافر

تنضاف المجموعة الثالثة الجديدة، الصادرة عن دار “زينب للنشر والتوزيع”، بتونس، إلى سابقتيها “كالبرتقالة فوق مائدة الفقير” و”الحدائق المسيّجة” لتشكّل بداية منجز فني محترم في المشهد الأدبي التونسي والعربي خاصة إذا ما قدّرنا اتجاهه نحو خلق الطرافة وخوض التجريب.

هناك محاولة لتثبيت مشروع تجربة شعرية لها حساسيتها ومنطقتها التي تحفر فيها عميقا. ولعل كتاب “الحدائق المسيّجة” قد مثّل الخطوة الأكثر ثباتا إلى حد الآن في هذه الطريق الوعرة. وهو كتاب قصائد نثر بينما يمثل معظم الكتابين الأول والأخير قصائد من شعر التفعيلة. إلى أين يأخذ سفيان رجب قارئه في هذا الإصدار الجديد إذن؟

إضافة الشباك إلى الجارة تفيد لغويّا التخصيص فيما تنسحب الغربة على هذه الجارة نعتا يخبر عن طبيعة حضورها ويميزها بدورها من غيرها. فهي الجارة الغريبة تلك. تُعرفُ من دون غيرها من خلال الصّفة الموسومة بها، لكنّ الطريف هنا هو حضور ضمير المتكلم الجمع “نحن” في قوله “جارتنا”. هناك خطاب تحمله الجماعة، جماعة الحي أو الوطن أو حتى الثقافة. يقول الشاعر في القصيدة التي تحمل نفس العنوان: “لها غياب فادح حقا، وشبّاك يعذب ناظريه/ هي لم تكن أبدا هناك،/ وإنما كانت هنا: في العين تُغلقها وتفتحها/ ومنزلها المغلق نحن كنا ساكنيه”.

ثمة اجتماع لتنافر دلالي تكمن فيه الكلمات البيضاء للقصيدة: الجارة الغريبة في آن والمنظور إليها من خلال غيابها عن شبّاك مغلق. كما أنّ النّاظرين يفتّشون عنها هناك في النّافذة المغلقة بينما هي تقيم في نظراتهم. إنّهم مشتّتون بين خارج البيت وداخله والقناة التي تصلهم هي الشبّاك.

كتابة شعرية حديثة تستبطن تصورا ورؤية للشعر والأدب، وتؤسس موقفا مما كتب ويكتب حتى الآن

الشبّاك هنا رمز غربة الأليف (الجارة) وقد موضعها الشّاعر أي صيّرها إلى شيء موضوعي. فيما تنظر إليها الجماعة كما لو أنّها في الخارج، تغفل عن كون هذه الغربة/الشّبّاك تسكن داخلها. فعلام يفتحه الشّاعر؟ وإلى أيّ حدّ يوفّق في رهانه ذاك؟

مشاهد الشباك

بوّب الشّاعر كتابه الشّعري إلى سبعة أبواب تتفاوت من حيث النّصوص التي تندرج ضمنها. هناك ثلاثة أبواب تمثّلت في قصائد مفردة هي: الرّسّام الضّرير، نخلة نيسان وسجن الشّرق.

يبدو أنّ الشّاعر يغلّظ نصوصا شعريّة على حساب أخرى. وذلك ما ظهر في مستوى الإخراج الفني أيضا.

ربما يكون ذلك لوعي ضمني بأهميتها في تشكيل رؤية الكتاب وجماليته وتجاوزها لقصائد أخرى تقيم معها في نفس الكيان الأدبي.

هناك في الحقيقة مشهدان مختلفان يفتح عليهما شبّاك سفيان رجب. ينتمي المرأى الأوّل إلى مشروعه الأدبي ويشكل امتدادا وتطوّرا لتجربة “الحدائق المسيّجة” بغض النّظر عن متاهات الشكل الكتابي وإن كان ذلك أمرا ليس “شكليّا” أي ثانويّا كما يراه البعض. هذا النوع من النصوص تعبر عنه مثلا قصيدة “نخلة نيسان” التي تضمّنت المقطع النّثري الوحيد في الكتاب وهي الباب الثالث منه وكذلك قصيدة “سجن الشّرق” وقصائد أخرى كثيرة من بينها قصيدة الختام “الشّاعر والنّاس”.

في مثل هذه القصائد يواصل الشّاعر استقدام الحكايات والأنساق الثقافية التّراثية ممثلة في رموزها وكناياتها فيخربها من حيث ينتمي إليها ويسكنها. ويخرج أفعى من جلدها بكيان حديث.

تصورات فكرية وفلسفية

ووجه الحداثة في ذلك سؤاله عنها وبحثه عن أقنعتها وصورها ووعيه بأنّ الأفعى التي خرجت بجلدها الحي هذا ليست هي نفسها من كانت تلبس القديم. يواصل أيضا تسريد الشعر على نحو مخصوص متصل بحكايات القدامة ومبلّل بأسئلة الفلسفي.

في المقابل تضمّن المرأى الثّاني عددا أقلّ من القصائد التي كانت غريبة بعض الشّيء عن مشروع صاحبها الأدبي. تلك النصوص التي اكتفت بخلق جماليّة مألوفة في احتفاليّة إيقاعيّة عالية. بعضها وإن وُزّع وفق نظام السطر الشعري، فقد انتظمه منطق الصّدر والعجز. والبعض الآخر ظلّ يراوح بين صور شعريّة “مستحسنة” و”معاني مولّدة”. وهذا ما ينتمي في نظرنا إلى منوال جمالي بلاغي قديم لا تنخرط فيه تجربة سفيان رجب.

يقول في مطرية العاشقين “مطريّة زرقاء ينسجها الخريف/ هي قبّة للعاشقين على الرّصيفْ/ قالت له مطرا، وقال لها مطرْ/ وتهاطل المطران من شفة الخريفْ”.

إنّ مسألة الأشكال التي ألمحنا إليها هنا ليست مجرّد خيار شكلي ثانوي كما يلح على ذلك الكثير من الكتاب والنقاد إلى حد الآن. الشكل الأدبي حمال لمتصورات فكرية وفلسفية. ولذلك يتجدد باستمرار ويولد الواحد فيه من الآخر. الحياة تعرف ذلك جيّدا. هي لا تفصل هندستها عن فيزيائها. كذلك لا تُعرف الشّجرة خارج شكل الشّجرة. ولا البحر خارج شكله ذاك. ما تبخر منه صار هواء. وما تصلّب صار أرضا يابسة. لذلك فإنّ الكتابة في التفعيلة أو النّثر بما هما شكلا كتابة شعريّة حديثة تستبطنُ تصوّرا مّا ورؤية للشّعر والأدب وموقفا ممّا كتب ويكتب الآن. وحتى إن شهدت مجموعته الشعرية هذه “شبّاك جارتنا الغريبة” تفاوتا مع سابقتها، فإننا نرى أنه حسب الشاعر فيها التجريب في أكثر من منطقة شعرية.

16