شاعر دمشقي في حيفا: فن الشعر وفن الاستبداد

الأحد 2014/02/16
"يوم قابيل".. قصائد عربية في حيفا دون ختم إسرائيلي

أخذ عليّ بعض محبي الشعر أن أنشر الطبعة الأولى من ديواني الأخير “يوم قابيل” في حيفا المحتلة. ورغم بؤس وعي البعض ممن يقدمون، اليوم، أنفسهم ممانعين، منافحين دفاعا عن فلسطين، فقد وجدت من واجبي أن أبيّن الفكرة التي انطلقت منها عندما أعطيت قصائدي للدار العربية “راية” ليصدر لي أول كتاب شعري في فلسطين، التي طالما حلمت أن أطأ ترابها بقدمي، ولم أعط نفسي الحق في ذلك، رغم وجود تلك الإمكانية لعربي يحمل جنسية أوروبية. فلطالما ردد محمود درويش على مسامع أصدقائه من الشعراء والكتاب العرب، من أنصار القضية الفلسطينية: “اعفونا من زياراتكم التضامنية، فاليوم تأتون أنتم، وغدا يأتي المطبّعون!”. وجهة نظري في نشر كتاب عربي في مدينة فلسطينية، محتلة كانت أو محررة، إنما هو واجب معرفي وأخلاقي.

ولا أخفي، من وجه آخر، أنني رميت من وراء نشر قصائد كتبت في اللحظة السورية الدامية أن أبلغَ حيفا شاعرا من سوريا، ومنفيا عنها، وهذه لفتة تنضح بالمعاني، فحيفا هي الشام على مرمى نظرة من دمشق، والشعر طائر الحرية يطير فوق الأسلاك، ولا يحفل بما فعلت السكين في خارطة الجسد الشّامي، ديواني الأول في حيفا يعادل في معناه حرماني الأول من أن يصدر لي ديوان في دمشق.

وأن أكون في حيفا باللّغة العربية، يعني أن حيفا بلد عربي، وأن أبناءها عرب من الشام، وأنها مازالت عربية، وأن مستقبلها، أبدا سيكون عربيا.


لقاء الدلالتين


قصيدتي العربية في حيفا بالعربية، ومن دون ختم إسرائيلي، علامة فارقة، في مقاومة الشعر للاحتلال وفضيحة للاستبداد. فأنا ابن دمشق، ودمشق اليوم مدينة يحتلها الاستبداد، وكتابي الذي يصدر من حيفا يصدر من مدينة في فلسطين العميقة التي يحتلها الاستعمار. هنا تكتمل الدلالة، فالاستبداد العربي أبّدَ الاستعمار وكان، وما يزال حاضنته وشريكه.

عندما قامت الثورة السورية، رأى فيها خصومها من أنصار النظام ومشايعيه من المثقفين السوريين والعرب العميان، وكذلك من لم تكن الصورة واضحة لديهم، مخاطر على القضية الفلسطينية، بل ذهب بعضهم إلى اعتبارها خصما لهذه القضية. والبائس في هذا المنطق أنه يخطئ كثيراً في تشخيص الحقيقة التاريخية، المتمثلة في جوهر الصراع في المنطقة، وتعيين القوى الفاعلة في هذا الصراع، فالطرف الرئيسي في معاداة الصهيونية ومشروعها ليس الحكم العائلي الهمجي الذي جثم على صدر السوريين وفوق ظهورهم لأربعين عاما، ثم راح يدمر اليوم، مادامت لن تكون له إلى الأبد ، وإنما الناس بثقافتهم ومبادئهم وانتماءاتهم ووجداناتهم. الشعب السوري هو الذي منع أية مؤسسة حاكمة في سوريا من أن تخل بواجبها القومي في الصراع العربي الإسرائيلي. وذاكرة المقاومة تحفظ اسم عز الدين القسام القائد الذي استشهد على أرض فلسطين في الثلاثينات، مناضلا معبّرا عبّر عن وجدان الشعب السوري الناظر نحو فلسطين بوصفها امتدادا للتراب الشّامي وللثقافة والوجدان.

كان السؤال الأصعب لي بأية لغة أكتب هذا الألم. والسؤال الأكثر جوهرية كان: بأية لغة يمكن لفن الشعر أن يضاهي فن الموت؟

إصدار الديوان من حيفا هو تعبير عن انتمائي الشخصي إلى القضية الفلسطينية أنا السوري المنخرط في يوميات فلسطين. كتابي لم يصدر بالعبرية، ولكن حروفه عربية، وهو حدث يأتي في إطار مشروع نشري عربي مستقل يناضل ضد الاحتلال وينطلق من حيفا العربية، مكرسا لغة هذه المدينة وثقافتها الأصل، وهذا فعل متجدد يواصل عرفا مقاوما بدأه كتاب ومثقفون فلسطينيون، منهم حنا أبو حنا، توفيق زياد، إميل حبيبي، راشد حسين، محمود درويش، وسميح القاسم، وسائر النخبة التي أطلعها الشعب الفلسطيني لتعبر عن وجدانه العميق في أوديسا الكفاح لاستعادة حقه التاريخي بفلسطين.

مرة أخرى، إن صدور هذا الديوان من مدينة فلسطينية تقاتل لأجل هويتها، هو تحية للمقاومة ضد الاستعمار، وهو فعل مقاومة للاستبداد.


التمثيل القابيلي


إن ما يعطي لهذا التحليل وجاهته أن نظام الموت في بلادي أعطى ظهره لعدو السوريين، وأظهر صورة الشعب عدوا بديلا، وعندما أهرق الدم واختلطت الصور، بات لزاما على الشاعر وقصيدته أن يريا القاتل والقتيل في سوريا سوريين، يُقتلان ويدفنان تحت البلاطة نفسها.

رجال الأمن والشبيحة سوريون، الأطفال الذين قتلهم هؤلاء الشبيحة سوريون، والعساكر الذين أدموا الجسد السوري سوريون، وعندما يواجهون الشعب المسلح دفاعا عن نفسه يقتلهم سوريون ثائرون، يقتل الجميع ويدفنون بدمهم السوري تحت هذه الصفحة الأليمة من التاريخ. هنا يكمن عمق المأساة السورية، وهنا البعد الرمزي، ومأساويته في كونه تمزقاً في الجسد نفسه، بالمعنى الرمزي للكلمة. هذا هو التمثيل القابيلي.

ولا تتناقض رؤية الشاعر مع الحقيقة الأخرى التي تفيد، قطعا، بأن الشعب السوري الثائر لأجل الحرية، إنما يواجه احتلالين: النظام الذي أدار ظهره لإسرائيل، من الداخل، وأسياده الإيرانيين من الخارج. وبين هذا وذاك يصارع الشعب السوري وحش التطرف الذي أفلته من عقاله هذان العدوّان.

وإذا كان الخط القابيلي موجودا، هنا، فلديّ قصيدة، في الديوان نفسه، كتبت في 1990، مهداة إلى شاعر إغريقي، هي بمثابة معارضة لقصيدة “في انتظار البرابرة” للشاعر اليوناني قسطنطين كفافي التي صور فيها مدينة تنتظر البرابرة كل يوم، ثم تكتشف أنهم لم يصلوا، وربما لن يصلوا، فتقع المدينة في مأزق. يقول كافافي “إن البرابرة كانوا نوعا من حل”. بخلاف ذلك، تبدأ قصيدتي من حيث انتهت قصيدة كافافي، وتخاطبه لتخبره بأن الغزاة الذين انتظرهم خارج مدينته، أو قصيدته، كانوا، في الواقع، موجودين في المدينة.

وهم في قصيدتي يحتلون سوريا منذ 1963، فالغزاة الذين انتظرهم الشاعر، لم يصلوا، لأنهم كانوا في المدينة، وجاء الآن موعد تحريرها. تقول القصيدة إن سوريا محتلة، كما اعتبرتها منذ هاجرت عنها في 1981 متوجها إلى بيروت. ومذ ذاك وأنا أحلم بالثورة، فهي الأمل الذي عليه عشت. المنفيّ يعيش حياته في انتظار ساعة العودة.

الديوان جمع من القصائد الثائرة


عودة أوديسيوس


في لحظة يأس كتبت قصيدتي “رسائل أوديسيوس″، كنتُ قد شعرت بمرارة أن لا عودة إلى دمشق، لقد اكتشف الشاعر أن الرسائل التي كان يرسلها إلى مدينته، إنما كان يرسلها إلى نفسه، وأن ستائر غرفته البعيدة تقطر دما، لذلك يعلن الشاعر “أنا أوديسيوس الميت في باخرة”. ثم فاجأني الشباب بالثورة، أزاحوا النقطة من السطر الأخير، ونادونني للانتماء إليها. جعلوا قصيدة المنفى صفحة، ومن الفاصلة بدل النقطة صفحة جديدة، وسطرا جديدا هو المستقبل. الحلم بالعودة، وللمرة الأولى، صار حقيقة منظورة.

وبالتالي، اجتمعت قصائدي الثائرة المكتوبة عبر السنوات في هذا الديوان الصادر في حيفا العربية.

أعتبر أن الثورة السورية ثورة كل الأجيال الشامية، منذ احتلال فلسطين في 1948 وحتى اللحظة الراهنة التي أدرك معها السوريون أن بلدهم محتل من قبل الاستبداد، وأنه شريك في تأبيد الاحتلال.

من موقع الشاعر المنخرط في يوميات الثورة، والمنحاز لها انحيازا نهائيا، أرى أن الثورة السورية تحمل كل الأحلام والآمال والتطلعات المعبرة عن الأجيال السورية الجديدة، بمن فيها الأجيال الفلسطينية في سوريا، الحالمة بالعودة إلى فلسطين. ولم يعد سراً أن يكون الأعداء، في الجوار الفلسطيني المحتل، قلقين من هذه الثورة جداً، ولم يعد هناك شك في أنهم ساهموا ويساهمون، يومياً، بطرق شتى، وعبر دوائرهم المؤثرة بأميركا، في تمديد عذاب السوريين، خوفا مما يمكن أن يترتب على انتصار ثورتهم.

رغم بحر الدم، فإن الرائي بعينين مفتوحتين، سوف يظلّ في وسعه أن يرى مع أوديسيوس الشاطئ يلوحُ، ويقتربُ، وأن مركب الرحلة الدامية آن له أخيرا أن يصل إلى المرسى.


فن الشعر وفن الموت

نعود إلى “يوم قابيل” و”الأيام السبعة”، وإلى السؤال الصعب: هل يمكن أن يُكتب شعرٌ في قلب العاصفة؟ لطالما طُرح هذا السؤال على الشعراء الذين عاشوا أزمنة الثورات، لاسيما أولئك الذين أفصحت تجاربهم عن بحث في اللغة، وانشغال بفكرة تجديد الشعر.

أن أكون في حيفا باللّغة العربية، يعني أن حيفا بلد عربي، وأن أبناءها عرب من الشام، وأنها مازالت عربية، وأن مستقبلها، أبدا سيكون عربيا

“ثمة دم كثير في الشارع، ودم كثير في قصيدتك وترميزات وفيرة” قال قائل.

نعم، هذه القصيدة نشيد مبلول بالدم، كتب خلال عام، ما بين نيسان 2011 ونيسان 2012، كنت من يوم إلى آخر أكتب سطورا في هذا النشيد، وكان الانفعال العنيف تحديا لعمل الشاعر مع فن الشعر. مشاهد القتل والاغتصاب والقصص اليومية للثورة، كانت تحدياً آخر.

كان السؤال الأصعب لي بأية لغة أكتب هذا الألم. والسؤال الأكثر جوهرية كان: بأية لغة يمكن لفن الشعر أن يضاهي فن الموت؟ وكيف يمكن التغلب على عاطفة الألم، وبأية صور شعرية يمكنك أن تبزّ صور المأساة اليومية والجريمة.

هذه العناصر ظلّت تشكل تحديا غير مسبوق للشاعر، فالوقائع تعجز الكلمات عن وصفها، وتعجز المخيلة أيضا عن بلوغها. فبإزاء الصنيع الأسود الذي ابتكره القتلة يتصدّع قاموس اللغة وتتهاوى خبراتها. فبأية مكابدة مع اللغة، إذن، سيكتب الشاعر شعره على مفترق عصيب كهذا؟

لا تليق بالمأساة السورية قصائد سريعة، والمأساة هذه اختبار لم يسبق أن واجهه الشعب السوري، ولا واجهه الشعراء الأحياء.

ما داهم الحياة السورية وعصف بها عصفا، ألجم الشعراء وأسكتهم. أحترم صمت الشعراء في لحظة تحد عصيبة كلحظة التراجيديا السورية، إنما ليس أي صمت، ولكن صمت المفجوعين.

“الأيام السبعة..” صدرت عن مكابدة مع اللغة، ومع فكرة الشعر وما تقتضيه من كثافة. حاولت أن أقبض شيئا ما جراء هذه المغامرة مع اللغة والذات، في تحد لهما وصراع معهما لإنطاق الأقصى فيهما، لأنك مطالب في هذه الحال أن تُنطق اللغة ما لم تنطق به قبلا. وأمام كل هذا الدم المهراق، شخص السؤال الصعب: كيف يمكن لك أن تصيب منطقتين عصيّتين، هما اللغة والشعور، في لحظة قصوى من لقاء الشعور باللاشعور في مسار دام ذي طابع مأساوي.


القصيدة والبركان


هل نجحت في هذا الاختبار؟ لا أعرف. اشتغلت كثيرا على اللغة والشعور لأصيب ما يمكن إصابته شعرا في مشهديات المأساة السورية التي أعلنت عن نفسها صراحة بوصفها أوديسا أرضية لشعب ينهض نهوضاً بركانياً في المنطقة، ويريد أن يغير وجه التاريخ. هل تستطيع قصيدة أن تحيط بالبركان؟ أن تصطاد الطاقة الخلاقة لشعب أراد أن يعطي كل ما عنده في لحظة قصوى؟ أسأل نفسي هذا السؤال، وأرى أن الإجابة عنه تشكل بدورها تحديا لا جواب عنه، إلا في ما يمكن أن تقوله ذائقة القراءة.

يقيني أنه لتحد كبير أن تكتب في لحظة بركانية، أن لا شيء أقسى وأصعب من السير في حقل ألغام، لأن أية سيولة عاطفية في كتابة نشيد في لحظة جماعية تطيح بالعمل الشعري كله، بل وبكرامة العاطفة نفسها. للألم كرامته، والخفة بإزاء كرامة الألم سلوك قاتل في الفن.

لا أدري إن كانت مجموعة “الأيام السبعة..” مؤشرا على انعطافة في وعيي الشعري، لكنني أكاد أشعر أنها محطة استثنائية. وأستطيع أن أقارن بين هذه التجربة وتجارب لي سابقة في كتابة الشعر في لحظات ساخنة، مثلا، هناك قصائد كتبتها في حصار بيروت في 1982، في أعقاب مذبحة صبرا وشاتيلا، وكانت قصائد منفعلة انفعالا عالياً.

انتبهت لاحقا إلى أنني لا أستطيع أن أضمنها أيا من دواويني، باستثناء قطعة من عشرة سطور. العاطفة، وطاقة الألم في تلك القصائد المنشورة يومها في صحف بيروت، كانتا تطفوان على الجملة الشعرية على حساب فن الشعر وصنعته، وهذا في عرفي لا يجوز، فنحن، في النهاية، شعراء نكتب القصيدة ولا نكتب تقريراً أو عريضة عن الألم.

فلا أظن، إذن، أن الخبرة الشعرية التي امتلكتُ عبر سنوات رحلتي مع الكلمات، ربما أعانتني على إيجاد توازن ما، ضروري، بين حالات الشعور وفن الشعر، لصالح هذا الأخير.


* جزء من محاضرة حول الشعر كتبت لتلقى على طلاب الأدب العربي في جامعة ليدز في 12 آذار/مارس المقبل.

11