شاعر سرقته الحرب من كتابة الشعر إلى كتابة القصص

فيما اتفق نقاد ومتابعون على أن فوز القاص المصري سمير الفيل (66 عامًا) بجائزة الدولة التشجيعية الأحد الماضي عن مجموعته القصصية “جبل النرجس” أمر مستحق، أطلق آخرون تساؤلات عن سر تأخر نيله الجائزة هذه السنوات كلها، فضلًا عن مغزى منح جائزة تشجيعية لمن تخطوا مرحلة الشباب. “العرب” التقت الكاتب وكان لنا معه هذا الحوار.
الخميس 2017/06/22
أغلب الحكايا تبدأ بصور فضفاضة

لم يكن هناك شرط يخص سن المتقدمين لجائزة الدولة المصرية التشجيعية، لذا ترشح الكاتب سمير الفيل بمجموعته القصصية “جبل النرجس” التي يصفها في حديثه لـ”العرب” بأنها محاولة للاقتراب من عوالم المهمشين والبسطاء، من أجل اصطياد لحظة سعادة هاربة.

والفيل، صاحب الـ14 مجموعة قصصية، والروايات والمسرحيات المتعددة مثل “رجال وشظايا”، و”ظل الحجرة”، و”حكاية من هناك”، بدأ حياته شاعرًا إذ قدم مجموعات شعرية متنوعة نذكر منها “الخيول”، و”نتهجى الوطن في النور”، لا يُخفي سعادته بالفوز بالجائزة، معترفًا بأنها تبدو متأخرة، لكنها بداية جديدة أيضًا، إذ تفتح الباب مرة أخرى للإطلال على عوالمه الفنية من منظور أرحب.

صور فضفاضة

يقول الكاتب ابن مدينة دمياط في شمال مصر (مواليد 16 يناير 1951)، إنه ترك مدينته فترة من أجل العمل، ثم عاد ليستقر بين أحضان أرضها ومائها، مشيرا إلى أنه في “جبل النرجس” حاول الاقتراب من عوالم المهمشين، وممن ينتمون بشكل أو بآخر إلى الطبقة المتوسطة، التي ضُربت في مقتل بعد زمن الانفتاح الاقتصادي، والعولمة الصاخبة، التي دخلت كل بيت مصري من خلال “الكولا” و”الجينز” و”قنوات التلفزيون الفضائية”، حيث الأفكار عابرة القارات، ووسط هذا الضجيج يبحث أبطال قصصه عن حيوات آمنة، عن سعادة هربت من النوافذ، وربما عن كبرياء مفتقد.

يتصور سمير الفيل أن أغلب الأبطال يجابهون خطرًا ما، يمس بقاءهم، فينزعون إلى العودة للماضي، حيث نثار “النوستالجيا”، وهنا يعيدون إنشاء علاقات كانت مستقرة، وهمشت أو زحزحت.

يرى الفيل أن نصوص المجموعة: “عين حلوان”، “هندسة”، “البلكونة”، “حرنكش”، “جبل النرجس”، تشير إلى تلك الصبوات الغريبة، فأغلب الحكايا تبدأ بصور فضفاضة في البداية، ثم تنحسر عن ضباب مميت.

في المقابل، هناك قصص تحمل تفصيلات في غاية الدقة، عن ضواحي مدينة دمياط، مثل قصة “زوجة العياشي”، أو تفصيلات عن “الموت”، وهو عنصر مهيمن، يحتل جانبًا من اهتمام الكاتب، في قصة “الطريق إلى المقبرة”، فضلًا عن حكايا الطفولة الشاردة في “رأس البر”، كما في قصة “حكايتي مع الجارية”.

ويؤكد أن المجموعة في مجملها مشغولة بالبحث عن جذور الانكسار، الذي يشمل حياة البائسين، الباحثين عن خلود أو مجد ما؛ ففي قصة “معطف المطر”، على سبيل المثال، هناك نبرة ساخرة، تخص بطل النص “هاني الطاعون عوضة”، وهو شخصية دنيئة، لكن لها تاريخ مؤثر.

بدأ سمير الفيل الكتابة شاعرا، في مقتبل عمره، ثم اجتذبه التعبير عن الحروب ساردًا، فلعل هذا التحول يعود إلى انكسار الطفولة برومانسيتها على صخرة الواقع الدامي. قدّمه عبدالرحمن الأبنودي شاعرًا صغيرًا في جرن قمح لجنود كتيبة مشاة، سنة 1969، ثم نشر قصائده في مجلات مختلفة.

المجموعة في مجملها مشغولة بالبحث عن جذور الانكسار، الذي يشمل حياة البائسين الباحثين عن خلود أو مجد ما

حين نشبت الحرب، يقول الفيل “نحيت هذا جانبًا، لإحساسي بأنه غير مُجْدٍ أو غير مُشبع”، وكتب روايته الأولى “رجال وشظايا”عن طاقم هاون 82 مم يشارك في الحرب، وقد كتب الدكتور عبدالمنعم أبوزيد عن الرواية في رسالته حول البناء الفني لروايات الحرب في مصر.

يضيف الفيل “كتبت ثلاث مجموعات قصصية تحتفي بالمحارب المصري، وفكرة الشهادة، عبر الالتحاق بالجندية. المجموعات هي ‘خوذة ونورس وحيد‘، و‘كيف يحارب الجندي بلا خوذة‘، و‘شمال.. يمين‘. وقد عبرت خلال هذه التجارب السردية عن فهمي لفكرة الحرب، وأن من يقاتلون هم البسطاء من أبناء الوطن، فيما أن ثمرة النصر تسقط غالبًا في أيدي السماسرة وكبار التجار”.

التنقيب عن الطفولة

بعد فترة صمت، راح الكاتب ينقب عن طفولته، فكتب “مكابدات الطفولة والصبا”، و”صندل أحمر”، و”قبلات مميتة”، ثم إذ به “يدفع من لحمه الحي مبالغ مالية كي ينشر نصوصه القصصية، في مصر ولبنان، بدلا من أن تجمد في ثلاجة المطابع الحكومية”، وفق حديثه.

عقب تلك الرحلة، يقول الفيل “أصبح عندي مشروع لفن كتابة القصة القصيرة يتسم بعلامات محددة، منها: أن الأبطال من قلب الواقع، والعلاقات مرت بها الشخصيات فعلًا، والتأمل في الحكايات بوابة الدهشة، مع النبرة الساخرة التي تتبعني أينما ذهبت”.

وحول موقف الحكاية في مجموعاته القصصية الأخيرة بين ما هو حقيقي وما هو متخيل، يوضح الفيل “أنا رجل عجوز لذلك فكرت في أن أعود إلى ‘عمود الحكاية‘، كما في مجموعتي الأخيرة ‘الأستاذ مراد‘، وفيها يشعر القارئ بأن هؤلاء الأبطال قابلهم، ولكنهم يكتمون أسرارًا ما، والكتابة تقوم بعملية الفضح أو الكشف والتعرية”.

محاولة للاقتراب من عوالم المهمشين والبسطاء

ويتابع “حين أمسك بالقلم، لا تكون الفكرة مكتملة، لكنني أجد أمامي الشخصيات نزقة، حائرة، تتخبط في اللامعنى. هنا، ألتقطها، لتدخل في التجربة الإنسانية المركبة، والنص الذي لا يثير بداخلي متعة لا يؤبه له. أنحي الورق أحيانًا لأفكر في مصائر أبطالي، كما حدث مع مشيرة ونرجس وتمرحنة، كلها شخصيات نسائية تبحث عن طمأنينة مفتقدة”.

يظل الفيل يكتب بقوة وعنفوان، بجوار المكتب كوب شاي ساخن، ومجموعة أوراق بلا سطور، ثم يندفع للكتابة، ولو أنجز نصف صفحة فقط، يشعر بأنه طوى مخاوفه، وبات إنجاز النص مجرد مسألة وقت. وهو دائمًا، كما يشرح في حديثه مع “العرب”، يهتم بالعتبات الأولى للنصوص القصصية، ويراها ذات أهمية في البنية العامة للنصوص، من قبيل هذه العناوين: “القفزة”، “النفق”.

اهتمام الفيل بحكاية ما أو حدث، لا يشترط حضوره شخصيًّا في المساحة البيضاء؛ فهو يثق في شخصياته، وربما غدرت به شخصية ما، فيحترس، حسب تعبيره.

في هذا الإطار يقول “أشعر بالتعاسة وأنا أقلب مصائر الشخصيات في رأسي، وفي اللحظة التي يسبقني فيها القلم أعرف أنني في الطريق الصحيح”.

عن تلك الطقوس يستطرد الفيل “أحيانًا أشعر بأنني أتوحد مع بعض شخصياتي، فأقبع في ركن منزو، وأبكي أبطالي الموتى أو المنكسرين، وهذا حدث في ‘مشيرة’ وفي ‘صواني فضية’ وفي ‘بريزة فضة’ “.

يبدو سؤال الكتابة عادة بلا إجابة، لكن الفيل يصف في حواره مع “العرب” حيثيات خوضه غمار تلك اللعبة، وماذا يرى في نهاية الحلم، قائلًا “أداوم على الكتابة منذ كنت في الصف الثالث الإعدادي، وهي متعتي الشخصية، وأحاول جادا فك شفرة العالم، وفي أحيان أخرى هي لعبتي الفنية التي أجيدها وبها أمر بالسحر”.

ويوضح أنه امتهن مهنا مختلفة في ورش الموبيليات التي تشتهر بها مدينة دمياط على البحر المتوسط، وفي عنابر صنع الأحذية، وعمل بائعا جوالا، ومدرسا ابتدائيا، ومارس الملاكمة والوثب العالي، وكانت وهوايته عبور نهر النيل من ضفة إلى أخرى في محاولة للحاق بالدلافين التي كانت تشق النهر قادمة من المتوسط. أما بعد بناء السد العالي، فلم تعد الدلافين تأتي مطلقًا، وظل البحر وحده بوابة الكاتب سمير الفيل للشعور بالانعتاق.

15