شاعر سعودي على طاولة بين متخاصمَين

نص الشعر محمد السعدي يمتلك اللغة القادرة على تحويل الهواجس والقلق والارتيابات إلى حالة من حالات البحث عن مكامن الخبيء الشعرية.
الثلاثاء 2018/07/10
الشعر جغرافيا شخصية (لوحة للفنان شادي أبوسعدة)

ينشغل الجيل الشعري المعاصر في السعودية بالبحث المضني عن مناطق جديدة للحرث وللكتابة الجادة، إذ لم بعد يعنيه إرث أسلافه بقدر عنايته بالحرص على نقل لحظته الكونية الحالية إلى العالم المشغول بصراعات الهويات المتناحرة.

الرياض- يعدّ الشاعر السعودي محمد السعدي واحدا من الأصوات الشعرية المشتغلة على الشعر وأسئلته الذاتية والوجودية، ممّا أعطاه القدرة على التحليق المختلف في فضاء النص، “العرب” توقفت معه في حوار حول تجربته الشعرية الأخيرة وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.

صدرت مؤخرا عن دار أثر السعودية المجموعة الشعرية الثانية للشاعر السعودي محمد السعدي (مواليد الطائف 1987)، حاملة عنوان “طاولة بين متخاصمَين” مؤكدا للقارئ على وعيه حيال ما يمكن أن يؤديه الشعر على مستوى الذات وعلى مستوى الوجود، وذلك عبر بناء نصه.

وتأتي هذه المجموعة بعد مجموعة “جغرافيا شخصية” الصادرة في 2012، وما بين المجموعتين تقف خمس سنوات من عمر الشاعر قضاها وسط مجموعة من التأملات والمناوشات الداخلية والثورات المتلاحقة الملامسة لروحه ولشعره.

إيجاز وبساطة

يمتلك نص السعدي اللغة القادرة على تحويل الهواجس والقلق والارتيابات إلى حالة من حالات البحث عن مكامن الخبيء الشعرية التي تتوسع داخل النص إلى فضاءات كاشفة عن حقيقة الأمكنة المحيطة بالشاعر، بدءا من بيته وغرفته وأوراقه وكائناته الصغيرة، وصولا إلى العالم بكل اتساعه الهائل.

محمد السعدي: النمذجة تقتل القصيد، والحل يكون في الخروج من كل العباءات النقدية
محمد السعدي: النمذجة تقتل القصيد، والحل يكون في الخروج من كل العباءات النقدية

ومن جانب آخر تبتكر نصوصه القصيرة الطريق للوصول إلى عوالم الشاعر الداخلية، حيث زحام الأسئلة، ومحطات الوقوف المتكررة مع الذات الشاعرة التي تؤنسن الأشياء، وتفترض حيواتها وحواراتها، ثم تمضي تاركة الاحتمالات مفتوحة إلى التأويل، إنه يقبض على عوالمه من خلال اللغة البسيطة النافذة للمعنى برشاقة ووضوح.

هكذا بشّر بنصه الناقد السعودي عبدالله السفر حين اعتبره صوتا مختلفا، يخطّ جماليات في الكتابة تعتمد على البساطة، وإتقان اصطياد اللقطة الشعرية بكلمات قليلة، لكنها واسعة الدلالة، وذات وهج تقصر عنه النصوص الطويلة.

ويشتغل نص السعدي الشعري بملامسة الأشياء اليومية البسيطة (النافذة، الشباك، الباب، الليل، الساعة، الحائط، الطاولة، أعمدة الإنارة) والانطلاق من خلالها نحو أسئلته الوجودية العميقة، حيث الحيوات المادية والمعنوية أكثر إنسانية وحساسية ورهافة من الإنسان نفسه.

وهذه الأنسنة المتجاورة في جميع النصوص تجعل من السعدي شاعرا يتكلّم من خلال نصه عن رؤيته الخاصة للشعر، فالشعر -بحسب السعدي- هو جغرافيته الشخصية التي فيها يجد حياته الحقيقية، وفيها يمارس كل أشكال الحرية والخيال والعبث أحيانا.

ويقول “الشعر لحظة البرق الخاطفة التي استمرت معي كل هذه السنوات، والتي علمتني الانتباه إلى ما تخبئه لي الحياة بكل موجوداتها من أسرار ومن جماليات تستحق أن أؤثث بها وجودي”.

ومناخات مجموعة “طاولة بين متخاصمَين” أشبه بفلاشات من اللغة والصور المتلاحقة، حيث يهدم السعدي بناء النص السابق، ثم يعيد تشكيله بوجوه جديدة يبتكرها في كثافة بصيرة مدهشة، وعن مناخات المجموعة يحدث ضيفنا “العرب” قائلا “المناخات متنوعة بين ما هو خاص بي وبرؤيتي تجاه ما أرى وما أفكر فيه وبين كتابة الأشياء وإعادة تعريفها وأحيانا إعادة ترتيب الأدوار بيني وبينها، وكل ذلك في قالب شعري قريب من الإيجاز والبساطة والنصاعة، وليس بعيدا عن الدهشة والابتكار”.

ويحمل الجيل الشعري الشبابي في السعودية همه الخاص، وأسئلته المختلفة التي لم تؤدلج، ولم تشتغل في حقول السياسة، وصراع الأيديولوجيات، فهو نص متذوّت، يبحث عن خلاصه أمام عالمه الذي يصغر ويكبر، ويضيق ويتّسع، حسب مقتضيات المرحلة، وطبيعة التجربة، وثقل الأسئلة والهموم.

ذهب القصيدة

يؤكد محمد السعدي أن سمة هذا الجيل تكمن في التنوّع والابتكار، ويقول “الشعر نفسه تغيّر ولم يعد محصورا في الأشكال التقليدية التي ترسّخت طوال عصور ماضية، واليوم، وقد تلاقت الفنون بشكل كبير وتنوعت أشكال الكتابة، فعلى التجارب الشعرية، وإن كان عمرها قصيرا، أن تحاول رسم هويتها الخاصة، ولكي تنجح، في رأيي، ينبغي لها التحرّر من النمذجة ومن الأبوّه الشعرية والخروج من كل العباءات النقدية، والدخول بكل شغف ممكن في مناجم الأسئلة بحثا عن ذهب القصيدة”.

فضاءات كاشفة
فضاءات كاشفة

وهذه النتيجة التي يخلص إليها السعدي، قادتني إلى التوقف معه حول مدى تجاوز الشعراء السعوديين المعاصرين لنص شعراء الثمانينات من القرن الماضي الذين يعدّهم النقاد آباء للجيل الجديد.

ويجيب “ككاتب قصيدة نثر لا أعرف أثرا يذكر لشعراء الثمانينات فيه، بل ربما كان تأثير شعراء عرب يكتبون قصيدة النثر هو اللافت والمؤثر، ومع حبي لشعر الثمانينات، وما واكبه من حراك نقدي مهم فأثره ربما يظهر في من لا يزال يقتفي أثر قصائد الثبيتي أو غيره، والحقيقة أن المرحلة التي أنتجت ما سمّي بتيار الحداثة قد انطوت تماما، بل ربما بعد سنوات سنجدها تدرس كمرحلة كلاسيكية أقلّه في الشعر، وهذا ليس انتقاصا منها، ولكن، اليوم كل شيء اختلف، وأصبح لزاما علينا كشعراء مواصلة البحث عن شعر يناسب عالمنا الجديد والمختلف”.

وعن الأثر الذي سينعكس مستقبلا على المشهد الثقافي السعودي بصورة عامة إزاء تغيرات الخطاب السياسي السيادي في السعودية بعد القرارات والإجراءات الأخيرة التي تصنعها القيادة السعودية، والتي شكّلت مفارقة اجتماعية بين اليوم والأمس القريب.

يعلّق شاعرنا بأن “هنالك تغييرا كبيرا وعالي النبرة، وفي نفس الوقت هو سريع جدا، وأعتقد أن تقييم أثره يحتاج إلى قراءة متخصّصة أكثر منها انفعالية، ولكن لا شك أننا نشهد بالفعل لحظات فارقة، خاصة في ما يتعلّق ببعض المناحي التي تمسّ حياة الناس مثل السينما”.

ويضيف الشاعر السعودي محمد السعدي “هناك ما يستحقّ الإشارة والالتفات، وهو الاهتمام الملحوظ بالآثار والمكتشفات التي ربما ستغيّر وجهة النظر العامة تجاه وطننا لتضعه في المكان الذي يستحقّه في الوعي الإنساني الراهن وفي الدراسات ذات العلاقة”.

15