شاعر سعودي يشير عمدا نحو الاتجاه الخطأ

الشاعر ماجد الثبيتي لا يهتم بالتصنيف الأدبي لكتاباته فهو مهتم أكثر بكتابة تقارب ما يكون هاجسا ذاتيا حيال الشعر واللحظة الشعرية التي تجذبه دون توقف.
الاثنين 2018/04/30
العبث شكل من أشكال الكتابة الحديثة

الجيل الأدبي الشبابي في السعودية له أسئلته المنعطفة بحدة كبيرة خارج الصندوق الكلاسيكي لمجايليه، فلم تعد الحداثة وأسئلتها شاغله الأكبر، ولم تعنه الصراعات الأيديولوجية الدائرة في مناطق خطابية ليست لها علاقة بتشكّل النص وفردانيته الإنسانية والوجودية. الشاعر السعودي ماجد الثبيتي إحدى التجارب القليلة التي جمعت بين يديها الشعر والقصة والفن المعاصر، حيث كتب وشارك في العديد من المعارض الفنية داخل وخارج السعودية ليعالج سؤاله الفني الأدبي الخاص. “العرب” توقفت معه في هذا الحوار.

صدرت حديثا عن دار أثر السعودية المجموعة الشعرية الثانية للشاعر ماجد الثبيتي حاملة عنوان “الإشارة عمدا نحو الاتجاه الخطأ”، وتأتي هذه المحموعة بعد “القبر لم يعد آمنا” عام 2013، وبعد مجموعته القصصية “الفهرست” الحاصلة على المركز الأول في جائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2009.

وثائقية مبتكرة

ربما هذا التنوّع النصي بين الشعر والقصة في عوالم الثبيتي جعلنا أمام نصوص متحوّلة في إيقاعها الكتابي، إذ يتحول الشعر في نصه إلى فضاءات من الحكايات القصيرة جداً، حاملة المجاز واللفتات الوجودية والكثافة الرمزية، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: لماذا لم تكن قصة قصيرة جدا، خصوصا وأن بعض النصوص حضرت فيها الأفعال المتتالية والمتعاطفة ضمن السياق القصصي، معتمدة في معمارها الفني على الجمل الفعلية المتتالية.

وفي هذا السياق يؤكد ضيفنا أن إشكالية التصنيف في الكتابة الجديدة أمر جدلي دائما، وأنه غير مهتم -على الأقل في المرحلة الراهنة- بالتصنيف الأدبي لكتاباته، فهو مهتم أكثر بكتابة تقارب ما يكون هاجسا ذاتيا حيال الشعر واللحظة الشعرية التي تجذبه في هذا العالم دون توقف.

نصوص "الإشارة عمدا نحو الاتجاه الخطأ" أقرب ما تكون إلى كتابة فنية معاصرة وجديدة أكثر منها نصا شعريا واضحا

 يقول الثبيتي “اللحظة الآنية لتصنيف هذا العالم الذي نعيشه ونصارع فيه غير ثابتة، فما ينطبق على عالمنا باعتقادي ينطبق على كتابتنا، فهو الجزء الحساس والمؤثر. وكتابة القصة بالشكل الذي أشتغل عليه وسبق لي إصدار مجموعة قصصية في فضائه، أيضا ملتبسة، ويعتقد البعض بأنها شعر أكثر منها قصة، وتحديدا قصيدة نثر. وحتى لا يعطلني هذا القلق، أمضي كيفما شاءت لحظة الكتابة وبكل سعادة”.

وعن مناخات مجموعته الشعرية الجديدة “الإشارة عمدا نحو الاتجاه الخطأ”، يحدثنا الثبيتي قائلا “مناخات هذه المجموعة تتناول كتابة النص الشعري القصير الأقرب في بعض نصوصه من الشذرات الشعرية أو الهايكو، والنص القصير بشكل محدود. وتأتي في فضاء مشترك مع مجموعتي الأولى، ‘القبر لم يعد آمنا‘. إنها البحث المتواصل عن روح كتابة جديدة تمثلني، وللقبض عليها لأطول وقت ممكن من الدهشة والمتعة”، رغم أن ماجد الثبيتي وضع مقدمة توضيحية لنص “أخطاء مذهلة”، وهو نص موغل في الإشارة والرمزية، حيث ينطلق من فكرة توثيق الأخطاء التقديرية التي تحدث أثناء ترجمة النصوص والمقالات أو التقارير من لغة ما إلى اللغة العربية باستخدام تطبيقات “الترجمة الإلكترونية”، حيث أن هذه الأخطاء -بحسب تعبير الثبيتي- تبتكر صياغات مختلفة عن السياق العام للنص الذي تمت ترجمته. فالنص أراد منه الثبيتي أن يسلط الضوء على مقاطع قصيرة تحمل مفارقة ملحوظة مقارنة ببقية النص المترجم. إلا أن القارئ قد يعدّ مجموعة الجمل المتتالية دون روابط في النص عبثا لفظيا لا يمكن أن يخلق شعرا، الأمر الذي قد يجعل من كل جملة تواجهنا في أي مكان شعرا.

وفي سؤالي له إن كان هنالك توضيح لذلك، يجيب شاعرنا الثبيتي “العبث شكل من أشكال الكتابة الحديثة، ولربما هذا التأويل الذي طرحته في سؤالك، يعدّ تأويلا محتملا لهكذا تجربة، كان من المتخيل لها أن تكون تجربة كتاب خاص بها كتجربة شعر عبثي يواكب لحظة نادرة في عالم الترجمة الآلية المتوقع اندثارها مع تطور تقنيات الترجمة في العالم. وهي في الحقيقة أقرب ما تكون إلى كتابة فنية معاصرة وجديدة أكثر منها نصا شعريا واضحا. وسعيد بهذه التجربة كثيرا، والتي أعتقد بأنها وثائقية مبتكرة بكل عبثيتها وشجاعتها التجريبية”.

مشهد جديد

بحث متواصل عن روح كتابة جديدة
بحث متواصل عن روح كتابة جديدة

ضيفنا الثبيتي من مواليد الطائف عام 1982، فكان لا بد من التوقف معه في حديثنا عن جيله الشعري ومفارقات أسئلته مع الأجيال السابقة عليه وعن قراءته للمشهد الشعري الشبابي في السعودية وعن متابعاته للمشاهد التي وصفها بأنه متابعات كسولة إزاء التجربة. يقول ضيفنا “لستُ مخولا لإبداء رأيي حولها بهذه البساطة، وخصوصا مع تعقيداتها التي تقف وراء تشكلها الحالي، وحيث مقاوماتها العديدة لداخلها الجديد وللأشكال الشعرية الدارجة منها والتقليدية، ولكن أعتقد بأنها تتشكل في فضاء حر وحيوي وبمعزل تام عن الدعم أو التبني. وهي بذلك سعيدة أكثر منها مستاءه من هكذا وضع”.

وفي ذات السياق قادنا الحوار إلى الشعراء السعوديين المعاصرين من جيل الشباب ومدى تجاوزهم لنص شعراء الثمانينات (العلي والثبيتي والصيخان والحربي وأبوخالد والدميني وغيرهم كنماذج مؤثرة في المشهد)، حيث يرى الثبيتي أن الشعراء الشباب لم يعيشوا في جلباب شعراء الثمانينات، بل كانوا أبناء تجاربهم الشخصية التي لا علاقة لها بسلالة الجغرافيا المحلية.

ويقول عن هذا الشأن “على المستوى الشخصي، تجربتي كانت وليدة مناخات نصية مختلفة تماما، ولا تتقاطع مع تجربة شعراء الثمانينات. وفي الغالب من الشعراء الشباب أصحاب تجارب النص الجديد، هم أبناء شعراء مختلفين (الشعر المترجم دون تحديد تجربة ما، السينما الأجنبية، الفضاء الإلكتروني المتعدد، الوسائط الحديثة يوميا) أكثر منهم تأثرا بتجربة شعراء الثمانينات المختلفة والمحترمة جدا دون تقليل أو تجاهل”.

ومن جانب آخر يقول الثبيتي “الصحوة بكل تراثها المتنوع اليوم، أقرأها بشكل ثقافي مختلف، وأقف معها موقفا مختلفا من الموقف الدارج مؤخرا والمبتذل للأسف. أتجاوزها بملاءمتها مع الفن مثلا والشعر كمواد خامة للمفارقة والغرائبية والشعرية أيضا. ولا أجدها اليوم حاجزا ثقافيا معطلا أو مدعاة للبكاء على أطلالها. وأعتقد بأن قضية الحداثة كانت في الحقيقة أضعف من أن تكون حقيقية وحاضرة في حينها، لعدة أسباب ومنها اعتمادها على جانب ثقافي كظاهرة صوتية أكثر منها عمقا اجتماعيا متكاملا مع شكلها الثقافي أو الأدبي بتحديد أكثر. وإن اعتبرنا كلا الأمرين (الصحوة والحداثة) خطابين، في فضائهما العام ذلك الحين لم تكن المسألة متكافئة لعدة أسباب، بعضها خارج إرادتهما وبعضها من داخل خطابهما”.

وفي سؤال ختامي عن مدى الأثر الذي سينعكس مستقبلا على المشهد الثقافي السعودي بصورة عامة إزاء تغيرات الخطاب السياسي السيادي في السعودية بعد القرارات والإجراءات الأخيرة التي تصنعها القيادة السعودية، والتي شكّلت مفارقة اجتماعية بين اليوم والأمس القريب، يجيب ماجد الثبيتي “أثر مجهول، لا يمكن الحكم عليه منذ الآن، وهو في مخاض جديد كليّا، ولكن نأمل أن يكون أثرا ناجحا على قدر مفارقاته الكبيرة، وهو ما يتزامن مع تغييرات عالمية كبرى ومفتوحة تصنع عالما مختلفا عما كان عليه عالمنا القديم إن صح الوصف”.

15