شاعر سوري يراقب الذاكرة برصاصات الحاضر

بين القصف بالطائرات وأصوات الرصاص، يعيش السوري اليوم حياته، التي باتت أشبه بالجحيم، فالموت والخراب في كل زاوية، والرعب حاضر في الأذهان وعلى الوجوه السورية التي تترقب الموت في أي لحظة، وفي أي مكان. سوريا التي تحوّلت إلى مدن أشباح، عصف بها الاقتتال الطائفي والأطماع الخارجية. سوريا التي رثاها العديد من الشعراء في أعمالهم ونقل معاناتها الكتّاب والأدباء أضحت بلا حاضر ودون مستقبل واضح، في ظل تواصل مسلسل الرعب وتزايد أعداد الفارين من المأساة الحارقة والمعاناة القاسية.
الأربعاء 2016/03/23
نبض حياة في موت يومي

يكثف الشاعر السوري ريبر يوسف في مجموعته الشعرية “من غصن إلى آخر يتنقل القصف” من استعمال المعجم الحربي ” طائرات، قنابل، قصف، رصاص…”، للتدليل على هول الفاجعة التي يعيشها السوري، اليوم، بين القصف المستمر وصوت الرصاص في الشوارع والمدن التي تحوّلت إلى خراب. الموت في كل مكان: في السوق والبيت والمدرسة وفي الحدائق أيضا.

كما ينقل يوسف في مجموعته، الصادرة عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، صور المأساة السورية والمتمثلة في أعداد اللاجئين الذين خانتهم بيوتهم، ولم تصمد أمام هول القصف، فدمرت الجدران ومات من مات وفر من فرّ. هؤلاء لم يعد لهم مكان يأويهم سوى مخيمات تحفظ لهم البعض من كرامتهم. في هذه المخيمات يعيش السوري لحظات صعبة ومعاناة أبدية أبت أن تنتهي.

الموت اليومي

يتنقل الشاعر ريبر يوسف، المقيم في ألمانيا، من تفاصيل إلى أخرى من خلال نص ينبض بالحياة، متحديا الموت، فيرصد الحياة اليومية الأكثر دقة: مشهد المرأة المسنّة التي تتجول في الشوارع دون الاكتراث بالقصف، وكذلك مشهد الناس الملتفين حول التلفاز يتابعون الأخبار، وصوت القهقهات في العتمة، والمرأة على الرصيف في بكرة اليوم المتجهة إلى الفرن لتجلب الخبز، والأطفال نائمون. فالشاعر يوثّق لحظات اليومي العادي ليقول إن السوري أصبح معتادا على هذه الأحداث المؤلمة، وهو يعيش في تحدّ لها.

نصوص المجموعة حملت صرخة الإنسان الشاعر وهنا أقدم الإنسان على الشاعر قصدا، ينقلنا من الوطن المحدود (سوريا) للا محدود (الإنسانية)، لذا جاء العنوان مطلقا، ليمنحه صفة اللا محدود والإنسانية أي الآخر الذي يتماثل معه في وجوه (الحرب) من قهر واغتصاب للحياة.

“من غصن إلى آخر ينتقل القصف” تكشف عن قدرة تكثيفية في قراءة للواقع بانسيابية شعرية وفنية امتلكها النص، قدرة تكشف أدوات القصيدة القصيرة والهادفة من حيث أنها اختزال لغوي وتكثيف دلالي يطرح الواقع عبر شحن اللغة بالمفارقات الشعرية.

من جهة أخرى تبرز المشهدية بوجهيها الواقعي والشعري ليصبح الشاعر “راويا” لواقعه، وهذه المشهدية تناظرت مع شكل القصيدة القصيرة وأعطت سماتها الجمالية، بل دخلت في لغة الحياة اليومية، واستطاعت أن تكشف مكوّناتها الداخلية المعبرة عن جوهر البنية المعمول عليها ” قبل القصف وبعده/ تعاود المرأة العجوز عد أولادها/ باستعجال محيّر، العافية تغادر الزمن/ “النسيان علتنا”/لا مُناصرَ لخارجٍ في أثر ما يدفع الورد إلى /التفات”.

يتنقل الشاعر من تفاصيل إلى أخرى من خلال نص ينبض بالحياة، متحديا الموت، فيرصد الحياة اليومية الأكثر دقة

يُعرف دي سي مويك المفارقة بقوله “إنها فن قول شيء دون قوله حقيقة بمعنى أننا نتوصل إلى فهم المعنى المقصود بطريقة غير مباشرة، دون أن يدل ظاهر اللفظ على ذلك”.

والمفارقة الشعرية تنبع من روح النص وعمقه، وهي لغة العقل والفطنة والعاطفة والخيال مجتمعة، لتحقق الدهشة من خلال هذا الجمع، وهي ما ارتكز عليه الشاعر ريبر يوسف، في منجزه الأخير، حيث انقسمت إلى مفارقة لغوية وأخرى على مستوى المعنى.

المفارقة اللغوية أواللفظية حيث يكون المعنى الظاهر واضحا ولكنه يخفي معاني خفية أو بالأحرى له دلالات أخرى خفية “دخلت جدتي “الآخرة” عبر باب فُتحَ في التراب، أطلقنا عليه اسم (القبر)، بعد أسابيع قليلة أغلقتُ ذلك الباب بالنسيان الذي ينفقهُ المرء في سبيل الحياة، أدخرهُ لنفسي بالعزلة”.

يعتمد الشاعر لغة بسيطة، ليُتيح للقارئ الغوص في النص عبر تكثيف الصورة وتغذيتها بتفاصيل الحياة اليومية، ومزجها بألوان الأشياء، وملامح الأماكن، ونبض الشوق غير المنتهي للوطن.

وتضعنا شعرية يوسف عند مفازة التأمل، وسواحل الإبحار نحو محيط الإنسان اللا منتهي، لنقطع مسافة الألم “الخطوات في الشارع/ تختلط متكاثرة/ يسرد الخرز معتاد الأذن/ بينما، وعبر كلمة محيّرة/ يسحب القصف خيطها/ التفاتات مبطّنة الغاية، تدفع بالخشية نحو النشاط، لا رأفة بالعدمّي”. ورغم هذا القصف الذي ينتقل من غصن إلى آخر ومن قلب نص إلى قلب نص آخر، إلا أن نصوص المجموعة تأتي هادئة، مشحونة بعواطف إنسانية متضاربة وربما يعود هذا إلى معجم الطبيعة الذي اختاره الشاعر.

الألم كفعل يومي والتوثيق كألم مستعاد

حركية القصف

يقيم يوسف عبر العنوان شاعريته الحدة والمتضادة في آن، للجمع بين تضاد لغوي ودلالي، (القصف) الذي هو دلالة على الحرب والجرح يتحول لعصفور ينتقل من غصن إلى آخر ليحول الغابة بدلالتها المعتادة إلى دلالات أخرى يلتقطها من واقعه (الحرب). كما شكل العنوان الذي حمل مفارقة دلالية عميقة إضافة للنص مما ينبؤ القارئ أنه أمام نصوص مكتنزة بالتضاد الدلالي والموازنة في المعاني.

ما يمكن رصده أيضا أن الشاعر قسم الديوان إلى بابين: الباب الأول بعنوان “في القفل يدير القصف أنفاسه” والثاني بعنوان “على النافذة، القصف يمرر يده”، النصوص في البابين جاءت دون عناوين “مصغرة” كوحدة متكاملة ومتصلة دلالة ولغة.

تتمظهر اللغة الشعرية بسياق الحالات الواعية والمشكلة لفضاءات اجتماعية وسياسية لحقيقة وطن أُغرقَ بويلات الحرب، والقصيدة هنا تأخذ في دلالاتها ما يسمى بـالنص داخل نص ”الشمس المتهاوية تحجب على السهول المسافة/ الشاسعة في مرمى خطوات الصبيين يبتعدان/ عن البيوت الطينية/ خارجين في مسعى روث الماشية/ على تلة قريبة تسرح نظرتهم في قصف مبلل/ يهم بالمشي صوبهم/ قصص الجدة المسائية تستدرج الخشبة نحو أحداقهم”.

من جهة أخرى يعتمد يوسف التجسيد الشعري في نصوصه ليضخ الدماء في (القصف) ويجعله كائنا يتحرك، يمشي ويطير وليستدل بذلك على ما يتركه هذا الأخير من خراب واسع ومتسع. أما الإيقاع أو الموسيقى في نصوص “المجموعة فهي تنبع من عمق النص وهذا التضاد الذي يعتمده الشاعر، لا أظن بأن الشاعر تعمده بقدر ما كان نتيجة لفعل النص حيث تفاعلت اللغة مع الدلالات لتشكل موسيقى داخلية”، في حين تبرز الدهشة في نصوص “من غصن إلى آخر ينتقل القصف” في حدة المفارقة التي ميزت المجموعة وشكلت الملامح البلاغية واللغوية والدلالية للنص.

14