شاعر عراقي يجسّد في قصائده سطوع الضمير وخسوفه

السبت 2014/06/21
رعد زامل يتشبّث بالأمل رغم خراب العالم وظلمة الليالي

بغداد - يمكن أن نسمي مجموعة الشاعر رعد زامل الشعرية “خسوف الضمير”، الصادرة ببغداد العام الجاري، كتابا شعريا بدلا من مجموعة شعرية، تيمنا بما أطلقه قاصون من البصرة على مجاميعهم القصصية، لأنّ هذه المجموعة تمتلك مواصفات الموضوعة الواحدة، وهي تشي بخسوف الضمير وتداعياته في المكان المسمى. وتساند عناوين القصائد في هذا الكتاب الشعري، تكثيف الدلالة تجاه خسوف الضمير.

يتسيد الخراب في القصيدة الأولى “عن الخراب وظلامه المر” عبر ستة مقاطع، وفي كل مكان، باستثمار لا النافية للجنس مرة، وبمشاهد دالة على الحيرة والترقب اللامجدي، فيصبح العمر “كما لو أنه كيس من النفايات”، وتقف الذات الناطقة بضمير الأنا “على طرق تتقاطع لكنّها جميعا تُؤدي إلى الخراب”.


خراب مقيت


وفي المقطع الثاني من القصيدة تنحسر سعة الأرض والغابة بأشجارها إلى عد تنازلي يتمحور حول كلمة في نهاية المقطع، هي كلمة الخراب، ثم تتسيد هذه الكلمة لتصبح علامة فارقة في مقاطع هذه القصيدة تشي بتوقع القارئ لظهورها وسيادة معناها في القصيدة الأولى، وكل ذلك يشير إلى زمن حاضر بدلالة الأفعال المضارعة التي يستثمرها الشاعر “ينتظر، أحمل، أقف، تؤدي”، فالخراب يحل الآن، وليس في الماضي! ويتأكد هذا المنحى في أفعال المقطع الثاني الذي يشي أيضا بالزمن الحاضر، وفيه؛ “تغدو البذرة وصمة عار على جبين اسمه الأرض الخراب”.

وفي المقطع الثالث تتجلى الأفعال؛ “اتخذ، خذل، ترك” بدلالات الامتطاء وتحقيق غايات خاصة “باتخاذ ظهري جملا إلى الصحراء”، كبنية جامعة للغايات الخاصة للآخر وهو يسوق الذات الناطقة إلى غاياتها الدنيئة، ويتضح ذلك في اتهامات مباشرة للأب والمرأة والصديق بأنهم أسدوا حياته، وأنهم تركوه تحت “طاولة الشعر بلا ذكرى”.

قصائد تتمسك في عمقها بأمل يشع ضوءا ساطعا، ينير الظلمة، ويبدد الوحشة والخوف


نهاية مفجعة


ويعني تسيد الخراب في نهاية القصيدة تعبيرا عن نهاية مفجعة لا أمل بعدها، حيث يخبو كل شيء: البيوت تصبح خرائب، والظلام يلوح دائما بالحضور، والجدران تعشش فيها العناكب، ولم يبق غير التعاسة “تلمع كفضيحة هناك”، أمّا استجداء الماضي فلا نفع فيه، فكل شيء قد ضاع! ولكن أين يكمن نكوص الذات وتلاشي آمالها؟

في قصيدة “خسوف الضمير”، المهداة إلى روح أبي ذر الغفاري، ينهض الضمير كمنارة ضوء وهي تشع ضوءا ساطعا يضيء ما حولها، ولكن متى كان ذلك؟ يصرح الشاعر :” ما كان بالقمر وحده جدي يستنير، بل في أحلك الليالي جدي بالضمير”، ليكون الحنين إلى الماضي اتجاها قارا في هذا الكتاب الشعري وملاذا آمنا، وهو يحمل في أحشائه “البيوت كالجنائن، والنساء كالشجر، كان على أبوابنا يقف الربيع”، وكل ذلك وكأن الماضي جنة زمنية منزوعة الخطايا والقتل وغياب الظلام والتعاسة. الماضي في هذه القصيدة وفي معظم قصائد الديوان قد تخطاه التاريخ دون أن يسجل عليه ما سجله عن حاضرنا من مآس وتعاسات لا إنسانية وعسف طال الذات وحطم أملها، لكن هذا الحاضر سيصبح أيضا ماضيا جميلا وفق نفس المعادلة التي اعتمدها الشاعر في هذا الكتاب الشعري.

تغطس الذات في ظلام العالم

في قصيدة “نصوص الغياب”، يكرس الشاعر هيمنة الغياب حين تخرج الذات بصوتها الهامس، وتتسيد كلمة الغياب أيضا في نهاية كل مقطع من القصيدة، وهي تشكو الغياب والتغييب في الظلام : لا موانئ للأمان ولا بوصلة تهدي إلى النور، وقد غادر الأصحاب، وكل هذا الحشد من الجمل الشعرية تشي بوحدة قاتلة تجسدها هذه الجملة الشعرية :”أطوي بالكوابيس الليالي، بينما المحطات عيون، تذرف دمع الغياب”.


ظلام العالم


وفي “نصوص الظلام” تغطس الذات في ظلام العالم، تحت هيمنة نعوت وتشبيهات وصور تقودها مفردة الظلام في نهاية مقاطع القصيدة، كأنها لازمة تلعن الظلام، وتسرد تمردات الذات إزاء جبروته، مرة بإطلاق الآهات والأنين كاحتجاج صامت، فالصمت وجه “من وجوه الذهب”، وفي مرات أخرى يأخذ الاحتجاج صيغة أخرى، يقول:”تحت نصب الحرية/ أو حول هالة القمر/ فما عليك إلاّ أن تأخذ حصتك في الكلام/ فالصمت في مثل هذه المواضع/ وجه من وجوه الظلام”.

وفي قصيدة “خسوف الضمير”، متوالية طويلة بمسميات لفاقدي الضمير: الأباطرة ومن صنعوا الحروب والوجوه الّتي بلا ملامح ومدن الظلام. في حين يتجلّى الضمير وفق استعارات شعرية شفافة ولكنها مدفونة في الكم الهائل من المجازات التي تكرس هزيمة الذات وتوحدها، وهي تدفعه عن ذاتها متوسّلة بتجليات الضمير في: سطوع القمر في الليالي المظلمة، الوردة بمثابة ضمير الأرض، الغرباء المنفيون وفي المحطات وهم يجسدون “اخضرار الضمير”.

لقد استثمر الشاعر رعد زامل، الجمل الشعرية المتضامنة، بنهاياتها التي تكرس هيمنة خسوف الضمير وتجلياته في انهيار العالم الأليف وتشرذم معاني الجمال والحب فيه، ليعمد إلى هجاء هذا العالم، هجاء مرا وعنيفا، وليسجل شهادة شاعر مرهف الإحساس يرى ويسمع كيف يتنافس الإنسان مع البعوض على الدم، ويرى كيف تخلع الأشجار “خضرتها وتستر عورتها بالذبول”، وهو يسمع “أنين الأغصان وهي تتكسر”، وأخيرا فهو يقف وحيدا “كعود أجرد” لا يملك بيتا “ولا بابا يقف عليه الربيع”.

إن حساسية ورهافة شاعر كرعد زامل، تدعونا إلى التساؤل عن جدوى هذا الصراخ النبيل بوجه العتمة والموت ومجزرة الأماني النبيلة، بمفردات وصور واستعارات مباشرة، في تجسيد هذا الخراب، دون أن يترك لنا شجرة مورقة نستظل تحت أفيائها، أو حلما نركن إليه بعيدا عن هذا الخراب والظلام المجسد؟

ولكن مع كلّ هذا الجفاف الكثيف، سننتظر من شاعر مثله أن ينظر إلى حركة الحياة الدافقة وهي تجدّد كلّ شيء، ودليلنا على ذلك؛ الصور المفعمة بالحياة في هذا الديوان وهي تعلن :”انظري إلى النحل، كيف تعاهد مع أزهار الليل/على الرحيق، فأصبح الجميع على عسل”.

أو قوله:” فقولي لأسراب النحل أن/ تتخذ من شفتي مأوى لها/ فلعلها تمحو بالعسل ما تراكم/ في فمي من مرارة الندم”.

وكلها علامات عافية تهفو إلى بناء عالم تحوطه نداءات الألفة والجمال، وتتمركز في عمقه بشائر ضمير حي يشع ضوءا ساطعا، ينير الظلمة، ويبدد الوحشة والخوف.

17