شاعر عراقي يستنطق إرث أهله في بلاد الرافدين

تحتشد الساحة الشعرية في البصرة بالشعراء والقاصين والكتاب، فهي مدينة جبلت على الإبداع، ويتميز إبداع معظم شعراء المدينة بالعلاقة مع صوت الآخر المحروم من الحياة الكريمة والمهمش في زاوية النسيان، وبهذا المعنى جاءت قصائد الشعراء بلغة بسيطة كسرت قواعد البلاغة المعروفة بمجازات وصور ورموز مستقاة من واقع الحياة المعاصرة، والشاعر العراقي كريم جخيور يصوغ في مجموعته الشعرية الموسومة بـ”ربما يحدق الجميع”، الصادرة حديثا، في طبعة ثانية، عن دار “تموز للنشر” موضوعات شعرية متنوعة بين الغزل ورثاء الأحبة، ويرسم معاناة الواقع بصور مؤثرة ومواضيع أخرى كالخيانة والفراق والانتظار.
الثلاثاء 2015/11/24
هنا لا مشرق لجنوني وهنا أفاع وقطارات عاطلة

تمثل تجربة الشاعر العراقي كريم جخيور فضاء منفتحا على جروح الآخر وآلامه من منطق وجهة نظر ترى الآخر من موقعه، فالشاعر ينتمي إلى الفئات الفقيرة التي تسكن المناطق الشعبية حاملا اسم أبيه مجردا خلاف العديد من الشعراء الذين يفضلون التقنع بألقاب العشيرة أو المدينة تفضيلا على أسماء آبائهم.

وقد كتب الشاعر كاظم الحجاج عن هذا المعنى قائلا “أنا الآن أخجل من التدخّل في ثبات كريم، ثباته الصلب والمبدئي، وهو يعرف قبلي أن الكثير يحاربونه باسم أبيه نكاية وخبثا وحتى في شعر كريم، تكتشف أنَّه لا يُعنى برنين الأسماء، إنَّه يتحدَّث في إحدى قصائده عن الروزنامة، التي كُنَّا ننتزع أوراق أيامها الثلاثمئة وخمسة وستين، ورقة ورقة كلَّ صباح، لا يذكر اسمها، بل يعنون قصيدته بأوراقها الثلاثمئة وخمس وستين”.

جلّ قصائد “ربما يحدّق الجميع” جاءت بلغة واضحة وبسيطة هذه اللغة نتعرف عليها ابتداء من رائد الحداثة الشعرية السياب وامتدادا إلى شعراء الأجيال الوارثة لتجارب الحداثة الشعرية أمثال كاظم الحجاج وحسين عبداللطيف وعبدالكريم كاصد ومصطفى عبدالله وغيرهم، ولم تكن قصيدة النثر التي يكتبها شعراء بصريون حاضرون في المشهد الراهن بعيدة عن هذا المنحى في الاتجاه إلى عالم الآخر والبحث في شؤونه وقضاياه، حين يتخلى الشاعر عن صوته باستبدال خطابه الخاص (خطاب الداخل – المونولوجي) بخطاب الخارج ( الديالوجي) أو محاولة دمج الخطابين في صوت الشاعر حاملا همومه وهموم الآخرين.

خارج السواد

ربما كانت تجربة الحرب العراقية الإيرانية قد تركت ندوبا عميقة في أعماقه حين عاش أحداثها طيلة عشر سنوات، وسط خراب، وصمت ووحدة، وربما وضعته هذه الحرب خارج أسوارها، مستثمرا السيرة الشفاهية الشعبية نحو عالم العدالة عالم البياض الناصع، برموز وصور وحكم مستنبطة من حياة الناس البسطاء، رموز وصور بسيطة ومألوفة تتخذ من الثنائيات المتعاكسة مجالا لها، ضمن تثبيت اسم السواد طلبا للبياض واسم الليل قصد مناداة النهار، وفيها تتوالى أسماء: الغربان والوطاويط والأفاعي والعناكب بهدف استحضار الأسماء الغائبة التي تعدل وتنير “لا هدهد في يميني والظمأ سيد يشايعه السراب/ هنا لا مشرق لجنوني وهنا أفاع وقطارات عاطلة”. لكنه يعود إلى مناجاة مدينته التي خربتها الحرب طالبا عطاءها وعذوبة مياهها “استديري إليّ بمآذنك تتفرقد خيولا وسكينة/ بشطك يمدّ في خاصرة الملح لسانه العذب”.

ربما كانت تجربة الحرب العراقية الإيرانية قد تركت ندوبا عميقة في أعماق الشاعر حين عاش أحداثها طيلة عشر سنوات

في ديوانه الثالث “ربما يحدق الجميع” يتخلى الشاعر في معظم قصائد الديوان عن صوته لصالح صوت الآخر الذي يتجلى في سيادة الضمائر الدالة عليه عبر حوار معه وله، وباستثمار نفس الرموز والحكم والأخبار والتاريخ الشفاهي، يتضح ذلك في قصائد ثانية: يترجل المارينز، ربما يحدق الجميع، أسئلة رأس السنة، نحيب لا ينقطع وقصائد أخرى.

في قصيدة “يترجل المارينز” يتناوب في السرد صوتان، صوت الأم وهي تسرد ترجل المارينز بمدافعهم وقبعاتهم وسراويلهم القصيرة، ترجلوا وهم يحملون توابل وآلات تصوير وخنازير معلبة قبل تسعين عاما. وفي قصيدة “ربما يحدق الجميع” دعوة صريحة للتحديق في هذه الخسائر اليومية التي يلخصها سؤال الزوجة المكرر عن ميزان الحق.

وحين لا تجد جوابا فإنها توجه نظرها إلى حركة الخارج لتكشف خواء حياتنا دون ميزان الحق فتكرر أسئلتها للجنود الفارين، وسيارات الإسعاف، وثلاجات حفظ الموتى، تسأل الباعة المتجولين وأسراب الجراد نوع تورنادو، تسأل أهلة العيد وهي تمرّ دون أن تطرق بابها لعلها في أسئلتها تجد من الآخرين انتباها يدعوهم إلى التغيير، غير أن القصيدة تنتهي بمفارقة ساخرة على لسان الزوج “اشتريت لها ميزانا أنيقا فقالت: وأين الحق؟ فرحت أدلها على بنات آوى”.

الشاعر يتخلى في معظم قصائد الديوان عن صوته لصالح صوت الآخر

وفي قصيدة “نحيب لا ينقطع” يعدد الشاعر أوجاع الناس ومحنهم الدائمة في البحث عن حياة لائقة، باستبدال بؤس الباحثين عن الحياة اللائقة بجماليات الصورة الشعرية معززة بواو الجماعة ليكونوا كتلا متحركة كالسيل نحو المجهول.

وصايا الإرث النبيل

يستثمر الشاعر جماليات الوصية المغلفة بالحكمة الشعبية، لإدامة العلاقة بالآخر وترصيع الجمل الشعرية بطراوة نكهتها وطرافتها، مستثمرا ضمير الأنا الجمعية وضمائر الغائب الجمعي أيضا إضافة إلى ضمائر الخطاب. وفي رثاء صاحب السؤدد يبتلع الليل المكان كصورة لسيادة السواد وهو الرمز الأليف لطغيان العسف عند الشاعر وهو لا يكتفي بكلمة الليل للإشارة إلى السواد بل يراكم صورا مبتكرة تشي بسيادة السواد على أفق القصيدة.

وفي قصيدة “وحيدا يزدرد الحكاية / مرثاة” يستثمر الشاعر ضمير المخاطب في بوح وأسئلة لإنشاء مرثاة تحمل أشكالا من الإطراء المبطن بصيغة الشخص القريب الأليف الذي يتنامى عبر الأسئلة والاستجواب وتفاصيل معروفة كألواح الطين والجنائن المعلقة والثيران المجنحة إلى كائن جمعي معرف بإنجازاته عبر التاريخ، ويبدو إنجاز الشاعر بالصور الشعرية المبتكرة التي تجمع بين الأسئلة التي تشكل المرثية مع أجوبة تتضمنها الأسئلة لتكون جوابا عبر العصور.

وحين لا يجد استجابة يكتفي بالأسئلة التي تفتح أفقا لذلك الماضي الحافل: بالجنود والتيجان والعربات الملكية والثيران المجنحة وعشتار الملكة، كل هذه الأسماء قد ضاعت وأصبح الاسم العلم في نهاية القصيدة وحيدا يشبه رجال الحاضر وهم يتحسرون، أي أن الشاعر يبدأ بالتشخيص ليتنامى الشخص فيصبح كيانا كبيرا ثم يعود بعد أن ينتهي ليعود فردا متوحدا يجلس على قارعة الطريق.

تبدو تجربة الشاعر كريم جخيور الشعرية أنها تضيف إلى قصيدة النثر العراقية صوتا يتضامن فيه مع أصوات الآخرين من المهمشين والمغلوبين على أمرهم بصور ومجازات مبتكرة تستفيد من إرث الناس ومن حكمتهم وأمثالهم.

14