شاعر على طريق الحرير

السبت 2016/01/30

يعتبر مسار الشاعر كاي طيانكسين صورة حقيقية لمسار بلد عظيم اسمه الصين؛ فكاي الذي لم يسبق له أن شاهد جهاز تلفزيون أو استعمل جهاز هاتف قبل إنهائه لدراسته الإعدادية، والذي شاهد قطارا لأول مرة أثناء دراسته بالجامعة، قد استطاع أن يتدارك الأمر ليزور أكثر من خمسين بلدا من بلدان الكون في أقلّ من عشرين سنة.

ولد كاي طيانكسين وعاش المراحل الدراسية الأولى في ظل الثورة الثقافية التي عرفتها الصين. وحين أنهى هذه المراحل كانت الصين قد أعادت للتوّ فتح جامعاتها. ولذلك يعتبر نفسه محظوظا بشكل كبير، حيث كان والده، الذي عانى كثيرا من مضايقات النظام، عاشقا للشعر الصيني الكلاسيكي. واستطاع الوالد بحكمته أن يكون وراء توجيه جانب من مساره، حيث ساعده في اختيار الدراسة العلمية كمجال لدراسته، معتبرا ذلك الطريق نحو مستقبل مضمون. وبذلك تأخّر اقتراب كاي من الشعر إلى لحظة لاحقة. حيث كتب قصيدته الأولى خلال فترة إعداده للدكتوراه في الرياضيات بجامعة في شمال الصين، بعد أربع سنوات من وفاة والده.

يحرص طيانكسين على السفر بين وضعه كأستاذ للرياضيات وبين صفته كشاعر. فبالإضافة إلى أبحاثه العلمية، أصدر إلى حدّ الآن أكثر من عشر مجموعات شعرية من بينها “الإقامة بالعالم” و“السفر عبر القارة”، ونصوصا سردية ونقدية، كان آخرها كتابه “إلزابيت بيشوب: الشعر والسفر” و“مختارات من كتابات أدباء الطليعة الصينيين”. كما يدير مجلة أبولنير المعروفة بانفتاحها على الأدب الصيني الجديد.

يملك كاي طيانكسين، كغيره من شعراء ومثقفي جيله، رغبة كبيرة في الإنصات العميق لثقافات الشعوب الأخرى، ولتجاربها الإبداعية، بما فيها ثقافات وتجارب العالم العربي. فقد كتب العديد من القصائد مباشرة بعد قراءته القرآن لأول مرة، حيث يعتبر القرآن كتابا يحفل بشاعريته الخارقة، كما يرى في الإنجيل كتابا نثريا. قرأ كاي كثيرا أيضا عن المغربي ابن بطوطة وعن رحلته المدهشة التي أوصلته إلى الصين خلال القرن الرابع عشر، وذلك رغم أنه لم يحظ بنفس شهرة الرحالة ماركو باولو، كما يقرّ بذلك.

زار كاي طيانكسين، قبل سنوات، أميركا اللاتينية، وكان حريصا على قضاء أمسيات في نواديها لاكتشاف موسيقاها. وحدث أن استمع إلى شريط غنائي فريد بأحد مقاهي ميدلين بكولومبيا. وكان الأمر مذهلا بالنسبة إليه. وأدرك بمساعدة صديق جزائري التقاه في هافانا، أن الأمر يتعلق بمغن عربي راحل اسمه محمد عبدالوهاب. كتب كاي عن ذلك مقالا في مديح صوت محمد عبدالوهاب الرائع والمدهش، كما اعتبره.

قبل سنوات، طلب مني كاي رقم هاتف شاعر من دمشق، فأمددته بهاتف نزيه أبوعفش. وفي اليوم التالي هاتفني ليبلغني تحية نزيه وليحدثني عن العشاء الذي جمعه به في دمشق، قبل اشتعال الثورة طبعا.

كاتب من المغرب

17