شاعر عماني ينبش في ممالك مشيدة تحت الأرض

الأربعاء 2017/02/01
احتفاء الشاعر بالحياة في القرية

مسقط – يحتفي الكاتب والشاعر العماني محمد بن سليمان الحضرمي في قصائد ديوانه “نهار يزهر خلف الغيم”، ببعض المشاهدات والمعالم، فقد كتب نصا يرثي فيه شجرة، كانت بمثابة دوحة ظليلة تتوسط القرية، كانت أغصانها أشبه بأيادي ملاك أخضر، لكن القحط حولها إلى كائن مجذوم حتى أبادها.

ويضم الديوان 62 قصيدة، تفاوت إيقاعها بين النثر والتفعيلة، والقصائد الطويلة والمقطعات والشذرات، ويبدو الكاتب مفعماً بحس الطفولة، متأثراً بحياته في القرية العمانية، بكل ما تزخر به من مفردات وصور وجماليات، يتضح ذلك من خلال إهدائه الذي وجهه “إلى منابت زهر الطفولة، النامي في سهل الروح”. وتبدو لغة المؤلف في المجموعة حالمة تميل إلى الغنائية، والمتصفح للديوان الذي يقع في 167 صفحةً من الحجم الصغير، يلاحظ احتفاء الشاعر بالحياة في القرية، حيث زرع فيها أحلامه، ونثر خطواته في الدروب، وحيث الطرقات مضمَّخة بروائح الطفولة والحب والبراءة، كما لو كانت القرية طفلة وديعة.

والمجموعة الشعرية الجديدة للحضرمي، الصادرة عن وزارة التراث والثقافة العمانية، بالتعاون مع دار “الانتشار العربي”، في بيروت، مليئة بالالتفاتات الإنسانية للحياة والمخلوقات، وحتى الكائنات متناهية الصغر كالنمل الذي يبني له ممالك تحت الأرض، يكتب فيها الشاعر نصا شعريا، ينبش فيه تلك الممالك المشيدة تحت الأرض، التي لا يتسلل إليها الضوء، مثلما يكتب عن السلحفاة التي تزحف بتؤدة على الشاطئ، ويصف حالها وهي تودع بيضها، وتودع صغارها التي لا تلقاها في الحياة، وعن العقعق المهاجر، والزهرة المتفتحة في ميسمها، كما تزهر الأحلام، أو كما يزهر النهار خلف الغيم، وعن النوارس المهاجرة، والأطفال في مهادهم، والبيوت الغائصة في الذاكرة، ويصفها بأنها مدن العشق المهجورة، وعن وردة الروح التي لا تذبل، المغروسة في تلافيف الفؤاد، والنوافذ المشرعة للضوء، والعتبات التي وقف الشعراء عندها وقالوا كلاما، وعن المدن النائية.

ويكتب الحضرمي نصا في جبل يلوح بقممه من بعيد، الجبل الأصم الشامخ، يحاوره الشاعر وكأنه صديق، يعرف أسرار الحياة، منذ أن غمرت المياه العالم في الطوفان السحيق، وحتى اليوم، الجبل ذاكرة المكان الموغل في القدم.

كما يكتب نصاً في الليل، هذا الشبح الأسود، الذي يزور العالم كل يوم، فيرى نفسه شبحا يتوارى في الظلام، ويرى الحجارة أشبه بأضرحة قبور. وبحس شعري يجيل الشاعر نظره إلى الأنحاء فيرى في الجبال قبابا حجرية، تلك هي مدافن الألف الثالث قبل الميلاد، والتي تتناثر في أكثر من مكان بعمان، فيحاور تلك الأعشاش الحجرية التي تلوح من بعيد، مستنطقا تلك المدن المهجورة، والمدافن المطمورة التي لا يُرى منها سوى مشاهد مبعثرة.

14