شاعر في المهجر يهرب من ثلوج نيويورك إلى شمس القاهرة

الجمعة 2014/05/30
إقامة باسيلي الروحية ما تزال في مسقط رأسه القاهرة

القاهرة - عن دار “سندباد للنشر”، بالقاهرة، صدر ديوان “شمس القاهرة.. ثلوج نيويورك”، للشاعر المصري فرانسوا باسيلي، وفيه حمل باسيلي القاهرة وهاجر إلى نيويورك لتتفجر كتاباته منها شظايا تفتح الجسد والروح على عوالم الغربة والرغبة في الشرق والغرب.

خرج الشاعر المصري فرانسوا باسيلي من مصر لكن مصر لم تخرج منه، وتصف مقدمة ديوانه الجديد “شمس القاهرة.. ثلوج نيويورك” ما حدث للشاعر عندما قرر الانتقال إلى نيويورك، وما شعر به من غربة وعذاب وحنين واشتياق لدفء شمس القاهرة.


جسر للتواصل

بين ديوان “تهليلات إيزيس” للشاعر فرانسوا باسيلي، الصادر سنة 1998 وديوانه الجديد، هناك 16عاما جرت فيها مياه كثيرة تحت جسر جورج واشنطن بنيويورك، حيث يقيم حاليا بجسده، وإن كانت إقامته الروحية منذ دهور، وما تزال، في مسقط رأسه القاهرة.

والديوان جسر يحاول به الشاعر مد تواصل يبدو مستحيلا بين عالمه القديم وعالمه الجديد، فالشعر هو حمامه الزاجل الذي يحمل رسائل عشقه وغضبه وعتابه ولهفته إلي وطنه الأصلي. وهو في الوقت نفسه قربان يقدمه الشاعر على مذبح غربته بكل ما يحمل من مشاعر تيه وبتر وتضارب تختلط فيها الأوجاع الوجودية العامة بالأحمال الروحية الخاصة، ومن ناحية أخرى فهذا الشعر شظايا متفجرة تتطاير لتشارك مصر الآلام الهائلة التي مرت بها.

وعن هذا الديوان كتب الناقد صبري حافظ قائلا: “منذ أن نشر الشاعر المصري قصائده الأولى في مجلة “الآداب” لفت الأنظار بقصيدته المتميزة، ويعود الشاعر المصري المرموق إلى لحظة تاريخية فارقة أسست لأفق مغاير في مصر كما فتحت أمام النص الإبداعي إمكانات جديدة، ترهف الرؤية عن بعد بصيرة الشاعر المقيم في نيويورك، ولا يجد إلا القصيدة كي يعلن صرخة أنطولوجية عميقة وحبا للانتماء لبلده الذي دخل في دوامة، لأنه بلده الوحيد وأسرته الحضن الآسر لوجعه.”

من جهته يقول الباحث محمد سليم شوشة عن الديوان: “فرانسوا باسيلى صوت شعري مهجري له خصوصية، صوت يناجي الوطن كما يناجي الصوفي ربه. حالة شعرية لا تختلف عن العشق الإلهى. إنه عشق الوطن في غربة ليست لها ملامح، هو يحيا في مصر برغم هذا البعد، غارق في تفاصيل المكان والذكريات، يحيا في مصر شعريا برغم أن المكان الآني هو أميركا أرض المهجر. هنا يتبدّى صراع بين أرض المهجر وبين الوطن، وهو صراع حسمت نتيجته لصالح الوطن. هذا خطاب شعري يتسم بالإيغال في الشاعرية والصدق، وله ملامح سردية تجعل قراءته ممتعة، ويجعل شعر المهجر نموذجا ممتدا في الأدب العربي ونهرا متصلا عابرا للقارات وصلة بين الأمم والحضارات”.


أحاسيس متأججة

الشظايا الشعرية التي تتفجر في قصائد الديوان تأتينا محملة برائحة وثلوج وإثارة مشاهد نيويورك من ناحية، وبدفء إشعاعات شمس مصر الساطعة في قلب الشاعر وفي مدينته القاهرة من ناحية أخري، فتتنقل أحاسيس الشاعر الإنسانية والوطنية المتأججة النازفة بين هذين القطبين المتضادين المختلفين في كل شيء، بل هي دائما موجودة في القصيدة الواحدة، مما يزيد من الزخم الشعري ويكثف من أمواجه وتوتراته العاطفية والفكرية، فيما يقدم لنا شرفة فريدة نطل بها على مدى الاختلاف بين عالم الشرق وعالم الغرب، خاصة في وقت تلعب فيه الولايات المتحدة دورا ملتبسا تجاه ثورتي مصر، فينحاز الشاعر إلى حق شمس مصر في السطوع بقوة وطلاقة نجدها واضحة في قصائد الديوان.

لكن شاعرنا يتمرّد في صراعه مع عالمه الجديد صارخا: “كم مرة أردت أن أهدّ المعبد/ مثل شمشون على رأسي وأعدائي/ ولكني بلا أعداء/ ولا أكره إلا/ ما ترسلين من صحائف الكيمياء/ وأرغفة اليورانيوم/ للجائعين في بلاد البسطاء/ لماذا تحولينهم إلى أعداء/ وتمزقينهم أشلاء”.

قلب مثخن

يقول في قصيدة دامغة يستدعي فيها الشاعر الأميركي والت ويتمان بعنوان “شهوة والت ويتمان الأخيرة”: “مازال والت ويتمان/ يجلس على رصيف نيويورك/ يلقي إليه المارة/ بالدولارات والبيتزا/ لا يفيق إلا ليسأل/ عن أسعار القصائد في وول ستريت/ وقد هبطت إلى معدلات خطيرة تهدد بانهيار كامل/ لاقتصاد ما بعد الحداثة/ لا تقلق يا والت/ قبل انهيار البورصة بدقائق/ سيعلن أوباما أو خليفته الحرب/ في مكان ما في العالم/ لنصرة الديمقراطية/ فتضحك السندات في البورصة/ ويرتفع سعر القصائد قليلا/ قبل أن ينهار تماما/ فلم يعد أحد يقرأ/ سوى صفحات المال/ والجريمة/ والوفيات”.

أما حين يتحدّث فرانسوا باسيلي عن مصر، فإن الشاعر المهاجر يستدعي لغة تقطر عشقا وألما ورغبة وأملا، فيقول في زهرة لوتس تقوم من النوم.. “دعيني أدخل التاريخ من أضيق باب/ وعلى أسوارك العليا أخرّ مضرجا/ من وطأة اللمسات، من أناملك المشعة بالعذاب/ أو على عتبات هيكلك المدمى بالذبائح والمدائح/ آتيك أحمل ناي قلبٍ مثخنٍ/ بالمحن الكبرى وآيات الغياب/ فعلى أيّ ذراع أرتمي مستسمحا؟".

14