شاعر قصائده فراشات تتطاير في مخيلة القارئ

الحب مساحة الأمل المتبقية للإنسان في هذا العالم المجنون وفرصته الوحيدة ليمنح محيطه معنى يليق به وبوجوده العاثر. عالم كل شيء فيه أخذ مداه الأقصى في التطور، بما في ذلك وسائل القتل وأساليب الكراهية. عالم يتأرجح في ظل معادلة يتحكم الخواء الرهيب في متغيراتها وتعلو فيه أسهم الحقد وتندُر قيم الجمال. هكذا كانت المجموعة الشعرية الاخيرة للشاعر المغربي طه عدنان انتصارا للحب.
السبت 2016/10/29
لوحة من أعمال الفنانة نواره زنتا

كلما تطوَّرت وسائل التواصل صرنا أكثر عزلة وصارت حاجتنا للحب أكثر إلحاحا، وكلما تطور الإنسان تطورت معه أساليب الدمار والحروب والكراهية، ولعل هذا ما دفع الشاعر طه عدنان إلى إثارة ذلك في مجموعته الشعرية الأخيرة “بسمتك أحلى من العلم الوطني”، التي التمس فيها تيمة الحب في وجه الحرب. وكأننا به يصيح بأعلى مجاز الحب وحده الكفيل برأب تصدعات وجودنا الضاجِّ بالتوتُّرات والقلق.

نكاية في فرانكشتاين

يقول طه عدنان في مستهل عمله هذا “الحبُّ ملهاةُ القلوبْ/الحبُّ حربٌ /كرٌّوَنفيرْ /لذا/أقرَعُ من طبول الحبِّ/ما شاء ليَ القلبُ/أضرِبُ/مثلَا لسَّيف/فردًا…”. فهو يحسن الظن بقارئه فيجعل من النص الأول دليلا له ويضيء له مسار القراءة تجنّبا للتيه، لكن القارئ سرعان ما يصاب بخيبة أمل حين يُشهر الشاعر بوجهه الجملة التالية بكل ما فيها من قطعية وإطلاق “الحبُّ/ ضَرْبٌ مِنَ المُستحيلْ”.

فالشاعر هنا ينسف كل تفاؤُل محتمل بشأن الحب الذي قد يكون شيَّده عنوان المجموعة في متخيل القارئ ويلقي به في حضن الحيرة والقلق. فالشاعر الذي يقول إن “بسمتها أحلى من العلم الوطني” ما يجعلنا نتساءل عن الذي دفع الشاعر إلى المفاضلة بين بسمة امرأة والعلم الوطني؟ فكل الشعوب تنضوي تحت لواء أو علم بما يختزنه من رمزية ودلالات تختزل التاريخ والجغرافيا وتطلعات الأفراد. أهي الرغبة في وصل المرأة التي ظل هاتفها خارج التغطية، كما هو مذكور في القصيدة التي حملت المجموعة عنوانها، أم أن الأمر لا يَعْدُ أن يكون تحايلا مجازيا من الشاعر ليعبِّر عن احتجاجه وخيبة أمله من الشعوب العربية التي ظلّ هاتف التغيير يرِنّ في ساحاتها دون أن تلتقط الإشارة بالشكل الصحيح في اللحظة المناسبة؟ ونكاية بالمسخ الذي يطبع هذا العالم، يلجأ الشاعر إلى تركيب فتاة أوهامه وإن في مختبر خياله، فلا يدَّخِرُ جهدا في التماس أجمل ما في نساء العالم سواء كُنَّ حقيقيات أم صورا نمت في حديقة الإبداع. ولا يتردد الشاعر في البحث عن أوصاف الكمال في التراث عربيا وعالميا “شَعْرُ ليلى/عينا حبيبة بدر/مبسم كاتي دوقة كامبريدج/تميُّس سعاد في قصيدة كعب/صدر سوزي..”، فكل هذا القص والتركيب “الكولاج” مستعمل كمشرط للمجاز نكاية في فرانكشتاين خالق قيم المسخ والقبح في هذا الوجود، فيعمد إلى تفكيك مشاهد واقعية بشكل واع بتعلقاتها حفرا وتنقيبا عن الخيط الناظم لأسرارها من أجل رسم صورة مكتملة عن واقع يتكلم عاليا لغة القلق والتوتُّر.

الشاعر يعمد إلى تفكيك مشاهد واقعية بشكل واع من أجل رسم صورة مكتملة عن واقع يتكلم عاليا لغة القلق

مواجهة القسوة

تحضر في المجموعة الشعرية “الفضاءات البروكسيلية” بتفاصيلها الدقيقة، حيث الحياة احتفال لا ينتهي. فعلى امتداد صفحات المجموعة نجد عين القصيدة تجول في الفضاءات التي تشكل خلفية لها، ملتقطة الصور والدقائق التي يقوم عليها اليومي. وهي في الغالب فضاءات مدينة بروكسل بمقاهيها وساحاتها ومعالمها التاريخية، إذ يأخذ الشاعر بيَد قصيدته فيجول بها مختلف المضايق باحثا عن الجمال ومُسَلطا الصورة الشعرية على ما تَحَجَّبَ من تفاصيل الحياة والمكان. يُدْخِلُها المقهى ويَصْحَبُها إلى ساحة لابورس لتُلقي نظرة على عالم يتَمَسْرح فيه الواقع بدرجة أقسى وأغرب من الخيال، حيث الكل يعيش ألمه بما يليق به من احتفال وأكسسوارات، متقمصا كل ألوان البؤس والألم الممكنة. يُرْكِبها المترو حيث الحسناوات من كل الأنواع والألسن من كل بقاع الأرض، وأحيانا يستضيفها ولو لوهلة لتتجول في ألبوم ذكرياته عبر تقنية الاسترجاع، والأكثر من ذلك فقد منحها الفرصة لتتقمص دور مخرج سينمائي في قصيدة “سيناريوهات”.

لا يتردد طه عدنان في التماس كل صيغة ممكنة لتمرير رسالته في عالم أصمّ لا يُسْمَعُ فيه إلا صوتَ المدافع وأنينَ إنسان مقهور مشتبه حتى في بؤسه. وكي لا يقف وقفة العاجز المتفرّج على الأحداث، يجد الشاعر بين ثنايا الحياة الأسرع من نيزك متّسعا من الوقت والمِزاج، ليصوغ سيناريوهات ولو مرتجلا لحياة أقل موتا، ولا ينسى أن يذكّر المخرج بأصله كونه مثله جاء طريدا بسبب تفاحة.

ويقول الشاعر في قصيدة كابوس فردوسي “ظنَنْتُني وَحْدي/ في هذا العُبابِ اللؤلؤيّ/ قبل أن يَجْرُفَني/قارِبُ اللَّهْفة الحَيْران/لأرى في ما يرى الحالِمُ اليَقْظان..”.

الانتصار للحب

ماذا رأى الشاعر في حلم يقظته؟ ما رآه في الحقيقة هو وقائع تحاصر حياتنا اليومية. لكن ألاَ نلجأ أحيانا في صحونا كما في نومنا إلى الحلم تخفيفا لقساوة الواقع وتلطيفا لوخزاته القاسية؟ فالمغربي بائع الحشيش المنتهي في أحضان اليأس والمستوطن المتلفع بأساطيره الدموية هو صور حقيقية يدعمها الواقع بكل ما فيه من قساوة ممكنة. لا أحد سينقذ الشاعر من الحصار الذي وقع فيه، إذ وهو في عسله المُرِّ تشتبك حوله خيوط الحلم فيستنجد بحبيبته ليخرج من ورطته “ألو نسرينْ صباحُ الحُبِّ/يا مُهْجَةَ القلب/يا وردةَ الرُّوح/يا جنّةَ الأرضينْ/كَمْ أشتهيكِ /يا ربّة الرّهز/آهٍ /لَوْ تَدْرينْ؟”. لقد بذل الشاعر عبر نصوص المجموعة كل جهد ممكن لمواجهة قسوة العالم بلغة هي أحلى من العلم الوطني عملا بمقولة هنري ميشو “لا تستسلم مثل علبة مربوطة. اضحك بصرخاتك اصرخ بضحكاتك”. ملمّحا تارة وصارخا تارة أخرى لجهة الضوء، مشيرا إلى قارب الخلاص من واقع يصل فيه الدم إلى الركب دون أن يتلقى جوابا. حاول أن يذكّر قارئه بحقيقة بديهية جوهرها أن الحب والحرب متنافران، كلما حضر أحدهما غاب الآخر، وأن الحب يظل المؤشر الأصدق عن الحالة الصحية للعالم.

“بسمتك أحلى من العلم الوطني” مجموعة مثقلة بهموم إنسانية يتقاطع فيها ما هو فردي مع ما هو مجتمعي، تنطق به قصائد مخففة اللغة والبناء جملها في الغالب قصيرة رشيقة بصورها التي تظل مثل فراشات تطير في مخيلة القارئ بشكل تجعله يقف حائرا في البرزخ الذي يفصل الفرح عن الألم، وهي باقة من النصوص تضع صوب عينيها جوهر الشعر لا غير، زاهدة في الزخرفات اللغوية الزائدة، تؤلف بين حقيقة صارخة بالمرارة وخيال عذب خفيف، و”تحفر عميقا في الطبقات السحيقة اللصيقة بمعنى الإنسان ومعنى العالم”، بحسب تعبير الناقد بعنيسي بوحمالة.

أخيرا و”على سبيل الابتهال” يكشف لنا الشاعر عن سره، حين يقول “أحاولُ أثَرا/قد تَمْحوه الرّيح/أو تَطْمِسُه الخطى/أُهيل المراثي/على جثّةِ السُّؤْدَدِ/وأفكّرُ في سماءٍ زرقاءَ/وجنّةٍ صغيرةٍ/هنا/على هذه الأرضْ /فأنا /لا أنشُدُ الخلودَ/ إلهي/وَلا أطلُبُ المجدْ”.

17