شاعر كان جسرا بين الثقافات والأديان

الاثنين 2015/11/09
عبدالرزاق عبدالواحد رفقة الشاعر إبراهيم الجبين

توفي أمس الأحد، في العاصمة الفرنسية، الشاعر العراقي الكبير عبدالرزاق عبدالواحد، بعد أن عاش قرابة تسعة عقود، شاهدا حيا على العراق وتحولاته، ومساراته الفكرية والسياسية والروحية، وكان عبدالواحد قد غادر العراق مضطرا بعد الاحتلال الأميركي لبلاده، وبعد تلقيه تهديدات بالقتل من الميليشيات الطائفية، أجبرته على الانتقال إلى كل من دمشق وعمان والولايات المتحدة وفرنسا.

لم يكن عبدالرزاق عبدالواحد مجرد شاعر وريث لعراقة القصيدة العربية في بلاد الرافدين، بل كان جسرا من الاتصال مع الروح الحضارية للعراق التي تمثلها طوائفه وأديانه، وهو ليس فقط سليل الطائفة الصابئة المندائية، بل كان الرجل الذي اختارته طائفته لإعادة كتابة كتابها المقدّس “الكنزاربا”، فصاغه بلغة رفيعة على مدى سنوات طويلة، قضى خلالها تجربة عميقة مع اللغة العربية وماء دجلة الذي يعمّد به المندائيون أبناءهم. كان يعيش بعد خروجه من بغداد، حزنا عميقا، في بيته في ريف دمشق، غير مصدّق أن بغداد التي هام بها، ترسل إليه التهديدات، قبل أن يغادرها بعد تدهور الأوضاع الأمنية فيها إلى عمان.

حياة عبدالواحد السياسية والثقافية لم تبدأ فقط، من خلال علاقته الوثيقة مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بل قبل ذلك بكثير، حين عرف في دار المعلمين مناخ كليات الآداب والعلوم في بغداد، مستمعا جيدا، خلقه المناخ كما خلق غيره، وحين أوقف عبدالكريم قاسم الشاعرالكبير محمد مهدي الجواهري وأطلق سراحه بدرهم واحد.

كتب عبدالرزاق عبدالواحد قصيدته التي طرد على إثرها من التعليم والثقافة، وبعد العام 1963 نقل إلى بغداد، إلى وزارة الثقافة والإعلام، سكرتيرا لتحرير مجلة “أقلام” ثم رئيسا لتحريرها.

أصدر عبدالواحد عشرات الكتب، والدواوين الشعرية، بدءا من “خيمة على مشارف الأربعين” ثم “الخيمة الثانية”، وصولا إلى “قصائد كانت ممنوعة”، و”أوراق على رصيف الذاكرة”، و”في لهيب القادسية”. وعيّن مديرا عاما للمكتبة الوطنية العراقية، ومديرا عاما لثقافة الأطفال، وعميد معهد الوثائقيين العرب، ومستشارا في وزارة الثقافة، ليحال إلى التقاعد في العام 1993.

عبدالرزاق عبدالواحد عرف العراق كما عرف راحة يده، ثقافة وتقاليد وأنماطا اجتماعية وإنسانية، كتب مرة “أخذني السياب معه إلى مقهى الرشيد حيث التقيت، وللمرة الأولى، برشيد ياسين، ومحمود البريكان، وأكرم الوتري، كنت أسكن في القسم الداخلي للطلاب، في نفس الردهة التي يسكنها بدر، وإلى جواره”.

ليعتقل بسبب مواقفه السياسية مع أدباء العراق الكثر الذين عاشوا تجربة السجن، مثل مظفر النواب وبلند الحيدري، وأشرف على مشهد ثقافي كبير في العراقي بدوره في مهرجان المربد، وكان له دور كبير في تأسيس جمعية أهلية تضمّ الصابئة في نشاط مشترك واحد، حين قصده المندائيون ليساعدهم في ذلك، فقال حينها لصديقه طارق عزيز “إن كان المندائيون يشكلون مشكلة لكم، فهم مبعثرون في كل مكان، وأنا أستطيع أن أجمعهم لكم في مكان واحد، إن وافقتم على تأسيس جمعيتهم”، وهكذا حصل على موافقة لضمّ الصابئة في تشكيل جماعي للحفاظ على تراثهم الروحي والفكري، وأصبح أمينا لسرّ الهيئة الإدارية في ذلك النادي: “التعارف” في المنصور ثم في القصر الأبيض، قبل أن يهديهم رئيس الجمهورية أحد مسابح بغداد المهجورة ليكون مقرا دائما للصابئة.

مات عبدالرزاق عبدالواحد تاركا عبارته العراقية تتردد من خلفه “صياغتي لشعري جزء من صنعتي كصائغ مندائي”.

ذكريات عبدالواحد مع السياب

“أول مرة رأيت فيها بدر كانت في مستهل العام الدراسي 47/1948، يوم قبلت طالبا في قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية، وكان بدر طالبا في الصف الرابع قسم اللغة الإنكليزية.

عرفتني به ابنة خالي الشاعرة لميعة عباس عمارة، وكانت طالبة في الصف الثالث قسم اللغة العربية، وكان بينها وبين بدر إعجاب فيه الكثير من المودة والزهو من جانبها، وما هو أكثر من ذلك من جانب بدر. ولعل تعلق بدر بلميعة بذلك الاندفاع المحموم هو الذي جعلني أثيرا عنده، عزيزا عليه منذ أول أيام تعارفنا.

لا أدري لماذا يحضرني الآن قول الشاعر العذري:

وأقسمُ أني لو أرى نسَبا لها

ذئابَ الفلا حُبَّت إليّ ذئابها!

فكيف إذا كان النسب شاعرا شابا يفهم لوعة المعاناة، ويضيف تزكية لبدر بإعجابه به؟

في تلك السنة أصدر السياب مجموعته الشعرية الأولى “أزهار ذابلة”. إلى الآن لا أزال أذكر كيف كنا نحمل رزم الكتب، ونبيعها إلى الطلبة، أو نودعها لدى المكتبات محاولين أن نسترجع لبدر جزءا من كلفة الطبع دون جدوى.

في تلك السنة أخذني بدر معه إلى مقهى الرشيد حيث التقيت، وللمرة الأولى، برشيد ياسين، ومحمود البريكان وبلند الحيدري، وأكرم الوتري، إضافة إلى السياب.

كنت أسكن في القسم الداخلي للطلاب، في نفس الردهة التي يسكنها بدر، وإلى جواره. كان شديد النحافة، يداه وساقاه مثل أعواد القصب.

أذكر أننا في عام 1947 كنا في تظاهرة طلابية عارمة احتلت ساحة القشلة، فصعد بدر على سقف سيارة وبدأ ينشد قصيدته الرائعة:

بسمةَ النور في ثغور الجراحِ

أنتِ قبلَ الصباح، نجمُ الصباحِ

كلّما لُحتِ في خيال الطواغيت

وألهبتِ مرقـدَ السَّـفّاحِ

ذابَ قيد على اللظى وتَراخَتْ

قبَضاتٌ على حطام السلاحِ!

كان بدر يرتعش من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه، وكنت أمسك بساقيه خشية أن ينـزلق من سقف السيارة. إلى الآن لا أزال أتذكر أن أصابع يدي الواحدة كانت أطرافها تلتقي حول كاحله مع الجورب والبنطلون.

وبدر كان صغير العينين، منتشر الأذنين، شاحب الوجه، أملسه، لا تنبت فيه إلا شعيرات ناعمات متفرقات فوق شفته العليا.

انتبهت إلى بدر في صباح يوم مبكر وهو يدسّ رأسه في خزانة ملابسه، فاتحا بابيها ليحجب وجهه عن الناظرين، جلست على فراشي أنظر إليه دون أن يدري، فرأيته يمرّ على شعيرات شنبه بقلم رصاص أسود، محاولا أن يكثف وجودها دون أن يلحظه أحد.

منذها تعودت أن أستيقظ مبكرا لأراقبه وهو يفعل ذلك يوميا دون ملل.. وتعلمته منه، وفعلته أنا أيضا فيما بعد”.

مفهوم عبدالواحد للشعر

يقول في أحد الحوارات التي أجريت معه “الشعر تعبير عن بناء روحي وذهني مركب وهو ولوج إلى مخيلة غير ناصعة ومن هناك، من هذا اللانصوع، يتهيأ الشاعر للدخول في عالم الجمال، الشعر هو التوازن الذي يتم ما بين الاكتشاف والخلق، الشعر إقناع الطبيعة بإعادة تشكيلها من جديد، والشعر يعني الإفلات من الأشياء الجدية والواضحة والصريحة وهو خطاب موجه نحو مجهول، لا يستطيع المرء الاتصال به إلا عبر تفهم ذلك المجهول وهذا يتطلب الانصياع الكلي للسحر وللهذيان”.

ويقول عن دوره في الحفاظ على القصيدة العمودية إنه “قد أخّر إلى وقت غير معلوم مراسيم دفن القصيدة العمودية، لأنه أبقى على آخر خيط من العسل لذائقة المتلقي إذ استطاع إعطاء “اللغة العمودية” وظائف جديدة، بعد أن كانت هذه اللغة قد تخصصت ضمن أبوابها المعروفة، ناهيك عن محاولاته لتحديث الصدى السمعي لدى المتلقي بتعدد انتقالاته ومفارقاته للمفردة ذات الدلالة غير الموسيقية كما أصلح العديد من المفردات التي أتت بدورها بالصور الشعرية المناسبة غير المجزأة أو المقطوعة وهذه المحاولات تنسجم تماما مع الإطار النظري لمفهوم الحداثة ومتطلباتها”.

14