شاعر لبناني يصغي إلى أصوات الغائبين في سيرته وأسفاره

يحضر هاجس المراثي في العديد من الأعمال الشعرية القديمة أو الحديثة، وعلى كثرة الرثاء في القصائد العربية، يظل رثاء النفس في مختلف تجلياته وصوره من أبرز المعاني التي توجّه إليها الشعراء، خصوصا في ظل هذا العالم المتغيّر، وما يعانيه الإنسان في مسار حياته من مآس ومعاناة، الأمر الذي أدّى إلى غربة روحية في أوطان تائهة وأراض هائمة، كوجه بائس في صحراء ممتدة، باحثا عن ماء يروي به ظمأه.
السبت 2017/01/21
تيه الذات الإنسانية وتشظي الوجوه (لوحة للفنان إسماعيل الرفاعي)

يطرح ديوان “ميتافيزيق الثعلب”، للشاعر اللبناني عباس بيضون، جملة من الأسئلة، مثل: هل يُفكّر الشاعر في القصيدة، أو عبرها؟ وهل يمكن لها أنْ تكون لعبته أو مزاجه، أو تطهيره واعترافه؟

تبدو قصائد الديوان ليست بعيدة عن يوميات الشاعر العابرة، لكنها أكثر قُربا من هواجس الذات، وأكثر استغراقا في تدوين مراثيها وهواجسها واعترافاتها، حيث تحتشد طقوس التذكّر والاستعادة، وحيث الاستهام بما تحمله من يقظة، وبما تتقدُ فيه من حياة متأخرة لكنها محتدمة، عبر ما تحاول أنْ تُثيره، أو عبر ما تتناهى عنده، إذ يجد الشاعر فيها شغفه، وحريته، ويصغي إلى أصوات الغائبين في سيرته وأسفاره، تلك التي تدفعه إلى كتابة نصوص لذته الغائبة، والكشف عن شفراتها، وربما التحديق عميقا في متاهتها.

شفرة الثعلبة

يستعير عباس بيضون عنوان الديوان، الصادر عن دار الساقي للنشر والتوزيع في بيروت، من قصيدة منشورة في كتابه الشعري “شجرة تشبه حطّابا”، وهو يوحي بالمناورة، وبالمراوغة، فهو إذ يُحيل إلى اللاواقع، وإلى شفرة “الثعلبة” كفكرة قصدية، إلّا أنه يُحيل أيضا إلى ما يمكن تسميته بـ”القصيدة الشخصية” تلك التي يُفكّر فيها الشاعر، حيث قلق الذات وهي تواجه الغياب والموت، وحيث ترسيمة الشاعر وهو يكتب نص اعترافه، أو شهادته، إذ يدعو قارئه إلى معاينة ما يتساقط من تلك السيرة واليوميات، وهي تتسع لتمثلات رؤيته، ولانتهاك ما هو مخفيّ في السيرة، وحاضر في النص/ الشهادة.

وتلبس القصائد قناع الثعلب، حيث تنفر بالشاعر إلى عوالم مراوغة لا يجاريها ولا يستحضرها إلّا عبر اللغة، بوصفها بيت السكنى والاستعارة، والخديعة، والذاكرة والتدوين، وعبر ما يستعيده من وجوه غائرة لسعادته الغائبة، حيث يتحسسُ شحوبَ تفاصيلها، مقابل شراهةَ الحياة الساكنة فيها، وحيث يستعيد صورة الأم، وكأنها معادل للحياة التي يفقد سطوعها، فهي تشبهه، إذ تحضر بصمتها، وسحر غيابها، وهو ما يتمثله الشاعر صوغا صوريا، وعبر تقويض الزمن من خلال الصور، حيث تبدو الجملة الشعرية وكأنها جملة صورية، تقوم على فعل الاستعادة/ الفلاش باك، تلك التي تستكنه ذاكرة الرحيل، عبر ما يستعيده ضمير المتكلم/ الشاعر، وعبر ما توحي به ثنائيات التضاد والتماثل -أنا، أمي- فهو يلامس من خلالها حافات الزمن، الزمن الشخصي، الذي يتماهى به مع صمت الأم، والزمن الشعري الذي يستعيد عبره المعنى، المعنى الذي يراوغه، إلى حدّ يبدو فيه بلا معادل، أو دون كلمات.

قصائد عباس بيضون بلا تخيّل، تستضيء بلعبة تحويل الزمن، وأنسنة الذاكرة، فهي تتبدّى وكأنها كتابة في الخبرة، إذ تبدو روح البراءة مشوبة بطقوس العائلة واليوميات والذكريات والمكتبة، تلك التي يحتفي بها، أو يهتف لها، وبما يكرّس وجودها بوصفها القصائد الشخصية الأكثر حميمية، والأكثر غواية في التعبير عن خباياه، وخساراته، وحدوسه، وإرهاصاته، وبما يُعطي لها من وظيفة هي الأقرب إلى عصا الشيخوخة، تلك التي يمكن أن تتحول إلى لعبة في السحر، وإلى أنْ تكون قدما ثالثة، أو أنْ تكون نصا موازيا له من حيث بهجة التعويض، والتلذذ بأسطرة اللغة، إذ تُبيح له استعارة التلصص عبر الزمن، وعبر تحولات الجسد وشهاداته المخذولة، فهو يبعث عبر فكرة الشيخوخة وحمولتها السيميائية رسائل مشوبة بنوع من اللامبالاة، حيث تراوغ وتتمرد، مثلما تنطوي على هواجس ما يراه في زمنه الشخصي الصاخب، ذلك الذي تتنزّه عبره السنوات بلا لياقة عند المنطقة المحرمة.

قصائد تنفر بالشاعر إلى عوالم مراوغة لا يجاريها ولا يستحضرها إلا عبر اللغة بوصفها بيت السكنى والاستعارة

يحتفي بيضون بهذا المزاج الشخصي، بوصفه شغفا، يستدعي له غريزة التذكّر، ويستجيب لرؤيته، إلى حدّ أن قصائد هذا المزاج تبدو وكأنها الأقرب إلى التطهير، إذ تنزع للاقتصاد وعبر جمل قصيرة، مكثفة، وموحية، وحتى بلاغتها النثرية توحي بهذا التوصيف الأساسي، وتتكشف عن مضمون غامر، لكنه مسكون بالتأمل، حيث تستغرقه لحظات حياته الفارقة والمُتحوّلة، وحيث يمنحُ صوته الشعري طاقة الراوي أو الشاهد، الذي يرى الأشياء العابرة بصفاء، مثلما هي رؤيته للسنوات العابرة، والتي يغيب أثرها إلّا ممّا تستحضره لعبة الكتابة، بوصفها الرهان على الحياة، والبقاء، والقراءة والتلمّس، ففي قصيدة “مكتبة” تبدو هذه الفكرة حاضرة، وكأنه يستعيد معها روح بورخيس الذي اقترح للكتب وجودا وحيوات وأبراجا، تستوطنه وحده، لتنقذ روحه، لكنها لا تنقذ العالم الذي تحكمه الحروب والأوبئة والشياطين.

قصائد الميتافيزيق

قصيدة بيضون القديمة المعنونة “أخنونخ أو ميتافيزيق الثعلب” كانت مسكونة برثاء الفقد لابن شقيقته، تلك التي تُخفي “أحبولة من ملابس تنكرية وكلمات”، كما سماها محمد علي شمس الدين. وحين استعارها الشاعر لتكون عنوانا لكتابه الشعري، بدا وكأنه يكتب عبرها رثاء له، رثاء فيه الكثير من الشجن، والتنكّر، والمفارقة، إلى حدّ النزوع لما يشبه الخلط السوريالي، حيث الصورة المتقاطعة، وحيث الشاعر يضع الجملة في سياق نافر، لا أفق له سوى أنْ يلاحق المعنى، عبر ما يستحضره، أوعبر ما يخفيه، كناية عن كآبته، وعن غربته.

وما يجعل فكرة “الميتافيزيق” وكأنها استغراق، وانشداد إلى الذات المفجوعة بالغياب، وبالفقد، بما فيه الفقد الشخصي، ذلك الذي يجعله يستعيد الطفولة الغائبة، والأم الغائبة، والأخت المفجوعة، والجسد المعطوب بالسنوات العابرة. وحين يُنهي الشاعر كتابه بقصيدة “خبر سيء” فإنه يتقصّد أن يكون هذا الخبر المحشوّ بالاستعارة يخصه، فهو إشهار بالفقد، وبالغياب، مثلما هو توصيف للهشاشة الغامضة التي تساكنه، تلك التي تُحفّزه على رؤية العالم، وعلى رؤية جسده الذاهب إلى البياض.

والشاعر بيضون لا يواري هاجس المراثي الذي يبدو حاضرا بقوة، لكن الشاعر يصطنع له زاوية نظر تعكس خبرته الشعرية، وقدرته على ترسيم وحداته التصويرية من جانب، وعلى توظيف المستوى الدرامي بحذق، لكنه كان الأقرب إلى الصوت الخفيض، إذ يستعير هذا الصوتُ صوته وهاجسه وقلقه، وربما هو صوت شيطانه ذلك الذي ظل يمارس معه غواية التمرد، وغواية الكتابة عن طقوسها، إلى حدّ أنه استعاده ليشاطره لعبة كتابة المراثي والاستعادات في “ميتافيزيق الثعلب”.

16