شاعر مصري يصغي إلى أغاني المهرجانات المحظورة بالعقل لا بالأذن

الشاعر والناقد المصري يسري حسان يحلل مضمون أغاني المهرجانات في كتابه "هتاف المنسيين".
الأربعاء 2020/03/18
فنانو المهرجانات ينشدون دولتهم الموازية

أثار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمصر بعد إصدار قرار بمنع فناني المهرجانات من الغناء، ضجة كبيرة في الوسط الفني ومواقع التواصل الاجتماعي، بين مؤيد ومعارض. وذهب بعضهم لدراسة الظاهرة سوسيولوجيا على غرار الشاعر والناقد المصري يسري حسان في كتابه "هتاف المنسيين".

القاهرة - بينما يتصاعد الجدل حول أغاني المهرجانات وتنقسم وسائل الإعلام بين مؤيد ومعارض، قرّر الشاعر والناقد المصري يسري حسان التعامل مع الأمر بصورة مختلفة، فعمل على جمع هذه الأغاني وتحليل مضمونها والبحث في ما وراء أصحابها في كتاب أطلق عليه “هتاف المنسيين”.

ويحمل الكتاب، الصادر في 243 صفحة عن دار بتانة للنشر والتوزيع بالقاهرة، العنوان الفرعي “أغاني المهرجانات.. من العشوائيات إلى أولاد الذوات”.

بداية، يوضح المؤلف كيف جاءته فكرة الكتاب بعدما حاصرته أغاني المهرجانات في المتاجر ووسائل النقل ووصلت إلى عقر داره واستولت على أذن ابنه الأصغر، فيقول “كان هدفي أن أكتشف وأعرف وأحلل.. لا أن أصدر أحكاما من أي نوع”.

ويصف الكتاب بأنه “اجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، المهم أن هناك من حاول تقديم شيء ولو بسيط عن ظاهرة، إذ أراها جديرة بالبحث والتأمل”.

“أغاني المهرجانات.. من العشوائيات إلى أولاد الذوات"
“أغاني المهرجانات.. من العشوائيات إلى أولاد الذوات"

ورغم أنه ليس باحثا اجتماعيا يحاول المؤلف تقصي جذور الظاهرة ومعرفة نشأتها التي أرجعها إلى ما قبل عام 2011، بعكس المتداول إعلاميا حيث ألصقها كثيرون بالانتفاضة الشعبية التي أطاحت بحكم الرئيس الراحل حسني مبارك ضمن بعض مظاهر الفوضى آنذاك.

وقال عن نشأتها “لا أحد يملك تحديد الوقت أو المكان الذي ظهرت فيه أغاني المهرجانات بدقة أو صرامة، هناك من يقول إنها بدأت من المطرية، ومن يقول من مدينة السلام، بل ومن يقول إنها بدأت من الفيوم، وإن كنت أشك في حكاية الفيوم هذه وأعتبرها مجرد ‘إفيه’.. لكن المرجح أنها بدأت قبل ثورة يناير 2011 ربما بخمسة أعوام أو أكثر”.

وقبل الخوض في أسباب ظهور أغاني المهرجان يميّز المؤلف بين أغاني المهرجانات والأغاني الشعبية، مُعتبرا أن أغاني المهرجانات هي ابنة المناطق العشوائية التي نشأت على أطراف المدن أو خارجها والتي تختلف في تركيبتها السكانية وخصائصها عن المناطق الشعبية التقليدية.

ويلخص أسباب ظهور أغاني المهرجانات في تسع نقاط أبرزها: الرغبة في التمرّد على كل ما هو رسمي أو راسخ أو محتفى به، وسهولة صناعة هذه الأغاني دون أستوديو أو حتى ملحن، والثورة التكنولوجية المتمثلة في القدرة على نشر أي محتوى عبر موقع يوتيوب. أما عن السبب الرئيسي لانتشار هذه الأغاني وقبولها من العامة، يؤكد أن مطربي المهرجانات “عندما ذهبوا لناسهم، ذهبوا كما هم، يعني وجد الناس ناسا منهم يقدّمون المهرجانات إليهم، يعيشون عيشتهم، يرتدون نفس ملابسهم، ويتكلمون مثلهم ويغنون لهم بلغة قريبة إليهم حتى لو امتلأت بالتجاوزات اللفظية”.

ويحاول المؤلف تعريف ذلك النوع من الأغاني فيقول “المهرجانات ليست واحدة، يعني ليس لها نموذج واحد، بل إن الفرقة الواحدة لا تستطيع أن تمسك لها بخط ثابت يميزها عن غيرها”.

وينقل على لسان أحد مؤدي هذه الأغاني السبب في تسميتها مهرجانات “لأن المزيكا (الموسيقى) التي أغنيها تعبّر بطبعها عن حالة المهرجان الغنائي، وأيضا بسبب إمكانية مشاركة أكثر من مطرب في أغنية واحدة، يردون وينادون على بعضهم بكوبليهات (مقاطع) مختلفة، بالإضافة إلى إمكانية دمج موسيقى الراب والشعبي في أغنية واحدة”. ويتعرّض المؤلف بعد ذلك لأسماء الفرق، والتي يبدو بعضها غريبا مثل “الدخلاوية” و“المدفعجية” و“الصواريخ” و“شبيك لبيك”، ثم يتحدث عن أفرادها كاشفا أن غالبيتهم لم يحصلوا على قدر جيّد من التعليم أو لم يتعلّموا من الأساس، ويلقي الضوء على المهن البسيطة التي امتهنوها قبل الغناء، فمنهم من عمل جزارا ومنهم السائق والحداد والحلاق والقهوجي.

"هتاف المنسيين" الذي يعالج ظاهرة خرجت من قلب العشوائيات، أتت لغته تارة عربية سليمة وتارة أخرى عامية كما جاء أسلوبه ساخرا

ويفرد الجزء الأكبر من الكتاب لعرض مضمون أغاني المهرجانات التي يتناول بعضها بالتحليل والقراءة، علما بأن المؤلف اختار النماذج الأقلّ خدشا للحياء حيث تمتلئ هذه الأغاني بكلمات التحرش والإيحاءات الجنسية الفجّة.

كما يتصدّى الكتاب لظاهرة خرجت من قلب العشوائيات تأتي لغته تارة عربية سليمة وتارة أخرى عامية كما جاء أسلوبه ساخرا، وهو ما قد يرجع في جزء منه لطبيعة شخصية المؤلف وفي جزء لطبيعة الموضوع ذاته ومحاولة تقريبه للقارئ. وعنوان “هتاف المنسيين” يستدعي تلقائيا اسم كتاب آخر لعالم الاجتماع سيد عويس بعنوان “هتاف الصامتين” صدر عام 2000، وتناول العبارات التي يدوّنها عادة السائقين على سيارات النقل والأجرة وتحمل خلاصة تجاربهم في جمل ذات وزن وقافية.

لكن يسري حسان يوضّح وصفه لأعضاء فرق المهرجانات بالمنسيين قائلا “معظم صنّاع المهرجانات عانوا نفس المعاناة، لم يشعروا بأن هناك دولة تهتم بهم، فقرّر كل واحد منهم أن يعمل دولته الخاصة، وهذا سنلاحظه في معظم المهرجانات، كل فرقة وكل مطرب يتكلم عن جهته أو منطقته في المهرجان ويعدّد صفاتها وصفات ناسها، وكيف أنها أحسن من غيرها”.

ويضيف “المهرجانات، على ما أظن، هي الدولة الموازية، كل واحد له دولته التي يعبّر عنها بطريقته الخاصة”.

16