شاعر مغربي تسعفه الكأس ولا تخذله العبارة

تظل سيرة المبدعين حديث الناس والمتعطشين إلى كل إنجاز فريد، وتبقى الأسماء التي نحتت الجمال في هذا الوجود خالدة في الأذهان، لذا تتعدد الدراسات والبحوث والكتب عن هؤلاء الذين أمتعونا في حياتهم بجمالية الكلام ورشاقة العبارة ومسحة الفن والتطلع إلى الأحلام المنسوجة من بريق المعنى وجزالة اللفظ، لتظل أعمالهم نبراسا تهتدي به الأجيال، وذكرى يرددها الناس، حتى بعد انطفاء شعلة حياتهم، والتاريخ حفظ لنا أعمالا أدبية أبت أن تُنسى من الذاكرة فاحتفى بها النقاد والباحثون كلّ على طريقته وأسلوبه.
الجمعة 2016/08/12
شاعر متفرد ومتمرد ومشاكس (لوحة للفنان بهاء عامر)

بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل شاعر “الفروسية” المغربي أحمد المجاطي، خرج إلى النور كتاب بعنوان “شاعر من السماء”، شاركت فيه ثلة من الدارسين والشعراء والأدباء ممن عاشروا الراحل وأحبوه وتقلبوا معه في ظروف عيش وتجارب أدب ونَصَب مختلف. الكتاب من جمع وتنسيق وإشراف الأديب والجامعي أحمد المديني.

يتضمن الكتاب دراسات نقديّة، وشهادات عن الشاعر أحمد المجاطي المولود في الدار البيضاء سنة 1936، والذي رحل عن الدنيا سنة 1995. هذا الرجل الذي عرف بحقّ قداسة الشعر وعذوبته وعذاباته، واشتهر بأنه كان شاعرا مثقفا ومدركا لخبايا القصيد.

شهادات صادقة

يقرأ الكتاب من الدفة إلى الدفة بمتعة كبيرة، مُنْصفا شاعرا لمع نجمه في زمنه، ولا يزال دائم الحضور في المشهد الشعري المغربي بصوته المتفرد، وبشخصيّته المتمردة والمشاكسة، وبصفاء رؤيته الشعريّة.

فلا أحد من الشعراء المغاربة المعاصرين ينكر الدور الكبير الذي لعبه في تطوير القصيدة المغربية الحديثة، وفي إرساء منهج نقديّ صارم تجاه التجارب الشعرية التي برزت في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

يضم الكتاب، الصادر عن المكتبة الوطنيّة المغربية، شهادات صادقة كتبها كل من محمد الهرادي، ومحمد بن طلحة، والشاعر العراقي حميد سعيد، وآخرون عن هذا الشاعر الذي عاش حياته للشعر، محاولا في كل قصيدة يكتبها أن يأتي بما يزيده تألّقا، وتميّزا. ولأنه كان صعبا مع نفسه قبل أن يكون صعبا مع الآخرين، فإنه كان مُقلاّ في كتابة الشعر. لذا لم يترك غير مجموعة شعريّة واحدة صدرت عام 1987 في العاصمة الرباط عن المجلس القومي للثقافة العربية ضمن “سلسلة إبداع”، وقد حملت هذه المجموعة عنوان “الفروسية”، غير أن صاحبها كان قد اختار لها عنوانا آخر هو “الخمارة” إذ أنه كان يحبّ أن يكتب قصائده مستعينا بالكأس دائما، وباذلا جهودا مضنية للعثور على ذهب الكلمات، وعلى العبارات المناسبة. وتقديرا للمكانة البارزة التي احتلها في الشعر المغربي المعاصر، حصل أحمد المجاطي عام 1985 على جائزة ابن زيدون التي يمنحها المركز الأسباني-العربي بمدريد، وعلى جائزة المغرب الكبرى عام 1987.

أحمد المجاطي ظل رغم مكانته الأكاديمية المرموقة شاعرا متمردا مشاكسا كما كان حاله في سنوات الفوران الأولى

وبدأت علاقة أحمد المجاطي بالشعر عام 1956، أي في نفس السنة التي حصل فيها المغرب على استقلاله. والقصائد التي كتبها في تلك الفترة كانت تقليديّة في شكلها، عاكسة آمال جيل حالم بمغرب جديد، ومتطلع للحريّة، وللتقدّم، غير أن الشاب الطموح، المسكون بالثورة على مجتمع يعيش الركود والجمود، سرعان ما ترك بلاده، منطلقا إلى دمشق ليدرس في جامعتها الآداب العربيّة. وقد سمحت له السنوات التي أمضاها هناك بالإطلاع على التجارب الشعريّة الجديدة التي كانت قد فرضت وجودها عبر مجلات طلائعيّة مثل “الآداب”، و”شعر”.

كما سمحت له بالتعرف على كبار الشعراء المجددين، ومتابعة المعارك الشعرية بين القديم والحديث، ومواكبة الجدل القائم حول مفهوم الكتابة، وحول الالتزام، وحول القضايا السياسية الساخنة المتصلة بالخصوص بالقضيّة الفلسطينيّة. والواضح أن المجاطي تأثر كثيرا بالشعراء العراقيين الذين برزوا في الفترة التي تلت الحرب الكونيّة الثانية. وقد يكون بدر شاكر السياب أقربهم إلى وجدانه الشعري، إلاّ أن كل التأثيرات التي فعلت فيه خلال إقامته في دمشق، سوف تظلّ مخفيّة فلا نكاد نجد لها أثرا في مجمل قصائده. ويعود ذلك إلى إدراكه المبكر أنه يتحتّم عليه أن ينحت شخصيّته الشعريّة بعيدا عن كلّ التأثيرات، وعن كلّ المدارس.

الشاعر المتمرد

عند عودة الشاعر المجاطي إلى المغرب في مطلع الستينات، عمل أستاذا في جامعة فاس، غير أن التدريس لم يمنعه من أن يكون فاعلا بقوة في الحركة الثقافيّة في بلاده، فكان يكتب في الملاحق الثقافيّة مقالات نقديّة عن الإصدارات الشعريّة الجديدة، وعن قصائد الشعراء الشبان. كما كان يشارك في نشاطات اتحاد كتاب المغرب، مثيرا في كل مرّة معركة دفاعا عن أفكاره، وعن رؤيته الشعريّة. وبفضل أطروحته المتميّزة التي حملت عنوان “ظاهرة الشعر العربي الحديث”، حصل أحمد المجاطي على شهادة دكتوراه دولة عام 1992. وقد عكست هذه الأطروحة معرفته العميقة بمجمل التيارات الشعرية الحداثية، وحسّه النقديّ الرفيع.

وبحسب الشهادات الواردة في كتاب “شاعر في السماء”، ظل أحمد المجاطي، رغم مكانته الأكاديمية المرموقة، شاعرا متمردا، مشاكسا كما كان حاله في سنوات الفوران الأولى، فلم يكن يسلم من قلمه ولسانه أحد من المتطفلين على الشعر. ولأنه كان صعب المراس، فإن حلقة الأصدقاء كانت تزداد تقلّصا يوما بعد آخر فلا أليف له في غالب الأحيان غير الكأس الممتلئة دائما. وكم من مرّة فاجأه الفجر وهو وحيد أمامها فيكتب قائلا:

شهادات عن رجل ظل يبحث عن ذهب الكلمات

"خيوط من آذان الفجر تمسَحُ غفْوَةَ الأشياءْ

وسرْب من طيور البحر يحملُ كلّ منقارْ

عيون جزيرة خضراء

وطلّ تحت أمواج النخيل وضوء شبّاك

وماذا كان في عينيّ من حلم

سوى قطرات هذا الضوء أشربها ندى

وأصبّها

سحبا وأمطارا؟

وماذا؟".

14