شاعر مغربي يطارد أزهار الشرق في فرجينيا الأميركية

إنّ ما يميّز شاعرا أصيلا عن غيره هو قدرتُه على أن يحضر في العالم كذلك، ويحيا الشعر في أدق تفاصيل وجوده. هذا ما يجعل أقدام المبدعين التي سعت خارج أوطانها في سفر طويل أو قصير تقدح شررا، وأقلامهم تستنطق المرويات اللذيذة والبسيطة لتحملها إلى ما هو أعمق وأعلى مثلما يحدث على نحو ما في القصيدة.
السبت 2016/12/03
شاعر يرقص بين المسافات (لوحة للفنان ناصر خلف)

بمثل هذا التشوف إلى ما هو شعري في إيقاعات الحيوات المختلفة التي تحفل بها المدن والعواصم البعيدة، يكتب شاعر مغربي هو عبدالرحيم الخصار كتاب رحلات، يَسِمُه كالآتي “خريف فرجينيا: رحلات إلى أميركا وأوروبا، يليها: في منزل كفافيس”.

في مديح السفر

معظم الرحلات جاءت في سياق إقامات إبداعية أو أمسيات شعرية منظمة خلال مهرجانات أدبية ولقاءات ثقافية. لكن عبدالرحيم لن يُغفل الهروب إلى خارج القاعات والنزل، إلى الشوارع الخلفية حيث الحي صيني في بلاد الهنود الحمر أو حيث الأبنية الخفيضة بالقرميد والأزقة الضيقة والنوافذ الكبيرة المشرعة على بعضها في الريف الفرنسي.

هذا ما يخلقُ سفرا آخر داخل السفر بالنسبة إلى كاتب يقول هذه الكلمات “أحسّ بجدوى الأطراف كلما مشيت. وأصغي لرنين اللذة في داخلي كلما وضعت قدمي على أرض بعيدة، جسدي أيضا يصير أكثر خفة وحياة في السفر” (أيام في لوديف).

لهذه المحبة يرجع الخصار نشأة الكتاب، الصادر عن دار كرّاس المتوحد للنشر والتوزيع، وإسهابه في السرد المفصّل فيه. كان ذلك من خلال استضافة ابن بطوطة إلى التصدير واستعارة لسانه “إنه السّفر… يتركك صامتاً، عاجزا عن الكلام. ثم يحوِّلك إلى قصاص”.

بالإضافة إلى الافتتاحية التي كتبها في مستهل الكتاب وعنونها بـ”في قاعة الإركاب” استعدادا لضيافة قارئه في طيران بعيد، إذ يقول “غالبا ما كان النص برمته ينطلق من فكرة بسيطة أو لحظة إنسانيّة صغيرة، ليتفرع عنها الكثير من الحكي غير المخطط له (…) ومثلما تركت للصدفة مهمة القيادة في هذه الرحلات تركت لها أيضا المهمة ذاتها تقريبا في ترتيب الكلمات”.

إنه مثل ابن المقفّع يكتب بأكثر بساطة “عرض الكتاب” ويقدّم فيه خطته بصراحة من يضع السر في البديهي من الأشياء.

في الفصل العاشر من كتاب “أليس في بلاد العجائب”، يسأل حلزون صديقه عن المسافة التي قطعاها بعيدا عن مكانهما إنكلترا. فيجيبه “ثمّة شاطئ آخر -كما تعرف- على الطرف الآخر. كلما ابتعدنا عن إنكلترا اقتربنا من فرنسا. فلا يعترينّك الشحوب أيّها الحلزون الحبيب. وهلمّ انضمّ إلى الرقص”.

يملك الشاعر شغف الصديقين معا في آن. إنه سعيد لبلوغ شاطئ جديد في كل مرة. يرقص لأن مسافات أخرى تنفتح أمامه. لكن ذلك لا يطرد البيت من قلبه. بل لعله يصير أكثر حضورا ووضوحا مع امتداد المسافة. على هذا النّحو نجد عبدالرحيم الخصار يستذكر المغرب والبلاد العربية أمكنة ورموزا وحكايات وتأمّلا، خلال تطلّعه إلى اكتشاف الآخر.

يغرق مع الشاب خالد وأغنياته في طريق واشنطن ليجد نفسه في طريق “الليسي” (المعهد) قبل سنوات خلت. ويحدثنا عن طقوس الحب والشعر التي عاشها منذ عقدين في بلدته الصغيرة. تلك البلدة نفسها التي سيعيده إليها مجانين مطعم جورج تاون. فيرى أولئك المجانين الذين تحضرهم السلطات المغربية من المدن السياحيّة ليلقى بهم في المحطات النائية، كي لا تخدش وجوههم صور السائحين؛ “لم يكونوا ليؤذوا أحدا، لكنني تساءلت مع نفسي مرارا لماذا يحب هذا المغرب أن يبدو وجهه جميلا فقط للآخرين القادمين لأيام من أوروبا وأميركا؟ لماذا لا تجمل هاته البلاد وجهها لنا نحن المقيمين فيها للأبد؟”.

رحلات تصور إيقاعات الحياة في المدن البعيدة

إنّه كتاب جله عن المدن الأوروبية التي زارها صاحبه. لكن البيت ينبض في كل مكان جديد. كأنّ الأمر لا يغادر عبارة جون بول سارتر الشهيرة “لا يمكن أن أعرف من أنا إلاّ إذا قال لي الآخر: أنتَ”. كأنّنا إذا ما ابتعدنا عن مغرب اقتربنا من مغارب كثيرة متفرقة تسكن في تفاصيل الأشياء وأسرارها.

خارج البيت داخل الشعر

يتضمن كتاب “خريف فرجينيا” أحاديث وحكايات عن أشياء متفرقة ولا شيء محدّدا تقريبا: الشعر، الحب، الحانات، الغربة، الصداقة، الطبيعة، الماضي، الطفولة…

لكنّه في كلّ ذلك مسكون باتصال حميم مع الشعر والشعري. هناك سفر باطني مع جيل البيتنكس في ستينات أميركا، وسكن في قلب سركون بولص من خلال نص مميز جدا هو “متعقّبا سركون بولص في سان فرانسيسكو”، وحلول في بيت كفافيس مكانا وكيانا.

والشعري في هذا الكتاب لا يتوقف على جهة المتن الحكائي، بل هو ينتظمه أسلوبا في الكتابة حيث يحييها؛ تبدأ معظم النّصوص من تفاصيل عرضية بسيطة، فيأخذنا الكاتب إلى عوالم يشكلها بين الذاكرة والتّأمل وبين الجزئي والكلي بما هي مواضع أصيلة في الإنسان ينشد إليها الفن ويعيد خلقها من جديد.

وحتى بناء النصوص على ما بدا عليه من تشتت، فإن خيطا سريا -أحسب أن الخصار كان ينسجه من مكان قصي في قلبه- ظل يمسكنا إلى بنية ما متناسقة ومتماسكة ومفتوحة في نهاياتها على إمكانات كثيرة.

ثمّة شيء ما تهمسه لك في الصّمت كلمات “خريف فرجينيا” ولا تسميه، شيء يشبه حنينا لا يطاق لأمر ما، هو ربما خيط أحمر في قميص طفولتك الضائع أو حلم وضعته على رف صباك ونسيت أن تعود من أجله، ولوهلة شعرت بإصبعين يقرصان قلبك: أوه كيف نسيت ذلك الحلم على الرف؟ كيف؟

الطريق إلى هذا الشيء الشبيه بالحنين صارت ميتة، ولكن مازالت النفس تحلم بها؛ حيث الشعر مبثوث في الكلمات وأرواحها، ما يُغرق قلبك في تيار من الحنين، الشعر الذي يبدّل أشكاله ولا يغادر كتاب “ترجمة ذاتيّة” لشاعر أصيل، نبت في مروج بعيدة بإحدى قرى المغرب الأقصى.

16