شاعر نار القطرب يكتوي بالحياة ويموت ملتفا بأوجاعه

الجمعة 2014/07/11


لي من أساي أنا في منزلي عندليب

البصرة (العراق)- احتمل حسين عبداللطيف شاعر "على الطرقات أرقب المارة" و"نار القطرب" و "أمير من أور"، أوجاعه على مدار عقدين من الزمان ليغادر الحياة مساء الخميس العاشر من يوليو في مدينته البصرة التي لم يغادرها وعاش فيها أقسى الظروف.

والشاعر الراحل من مواليد مدينة البصرة عام 1945، ويعد من جيل ما بعد الستينات، وعاش سنوات حياته مخلصا للقصيدة وحدها رافضا أي مغريات للتنازل عن أخلاصه للشعر.

وعانى الشاعر الذي اصدر "لم يعد يجد النظر" "متوالية هايكو" من مرض السكري ومن الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تطوق العراقيين بعد احتلال بلادهم عام 2003، فيما لم يحظ بأي اهتمام من المؤسسات الحكومية واتحاد الادباء في العراق، فكان ينتظر موته بعد سنوات المرض والمحن العائلية التي مرت عليه بوفاته ولده حازم.

ويعد عبد اللطيف من بين أهم الشعراء اللذين أخلصوا للقصيدة والهم الشعري وحده، من دون أن يتأثر بالشائع والمتكرر في المشهد الشعري أبان عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

وكان واحداً من زهاد الشعراء، فلم يتقن فن العلاقات لأنه لم يكن يمتلك مؤهلات سوى مؤهلاته الإبداعية، ولم تكن له هوية إلا هوية واحدة يشهرها حيثما حل، إنها هوية الإبداع التي يبدو أنها بدأت تفقد جدواها وفاعليتها في عراق اليوم.

وتعد قصيدته "رهط الطير في حضرة العراق" التي كتبها أبان معارك الفاو ونشرت في جريدة "الجمهورية" البغدادية منتصف الثمانينيات من القرن الماضي واحدة من بين أهم القصائد الوطنية والعاطفية في مدونة الشعر العراقي المعاصر.

الطائر الطنان والنخام والبلشون والكركي والبطريق والغداف والخطاف والغرنوق والشحرور والرفراف والصيوم والورشان والحسون والدوري والدراج والشقراق والوروار والقمري والقلاب والعصفور

والصعو الصغير

العندليب، الهدهد، الكروان، ديك الرز، قبرة الحقول، ملهي الرعاة، الطرمغان، الببغاء، الذعرة الغبراء، سمان الخريف، الطيطوى، الطاووس، والطلطول، والرخم العجوز

الحداة، الباز، العقاب، العقعق، الشاهين، والصقر العظيم

الدعلج النبال والنسر الكبير

جاءت بفيلقها العجيب

مع الربيع.. إلى رحابك

جاءت وحطت عند بابك

زمرا.. تمجد ما تمجد من ترابك

.. في برعم الرمان،

والقداح

أو زهر الخزامى

فاسمع إليها يا عراق

تشدو بأغنية انتسابك

فاسمع إليها يا عراقْ

كتب عنه القاص محمد خضير والأديب الراحل محمود عبد الوهاب، فيما أحتفى أدونيس بحسين عبداللطيف ونشر له في العدد الثاني من مجلة (مواقف) مجموعة من القصائد معرفا إياه بقوله "أن العراق بشبابه الشعراء يضيف نكهة خاصة متميزة لبيت الشعر العربي الممتد عميقاً في المكان واسع الأفق في التاريخ والزمان".

أنا أتحطّم كآنية

وتمكن حسين عبداللطيف من إجراء حوار مع الشاعر محمود البريكان في سنوات عزلته، وكان أول حوار للبريكان، نشر في مجلة ثقافية الأقلام.

يرى الناقد حاتم الصكر بأن النقد الشعري العراقي المفتون بالتجييل لم يكن قادراً على ضم حسين عبداللطيف داخل موجة من بحر الشعرية الصاخب أو رهْنِه بمزاياها، فكان منفردا يعزّ شعره على المماثلة والتشبيه، ذاهبا لصوره ولغته وإيقاعاته وحدها.

وألْفته نقلت قصيدته إلى عالم خليقي يناظر استدعاءات الرسامين الشبان للكون البدئي البكر قبل أن تمتد يد الإنسان لتشوهه بالديكورية والمظهرية، فتحاذي المخيلة وعيا طفلا وإحساسا مبرّأً يؤاخي القطرب والهدهد والجَمل، والنارَ والدخان والسماء، النار التي يقول عنها في هايكو مختصر وتوقيع بليغ.

وهكذا أهدى عبداللطيف واحدة من أجمل المقطوعات للصكر عندما نشرت في جريدة القادسية أبان عقد الثمانيات من القرن الماضي

البحر مثل الريح

البحر لا يستريح

البحر في الساحة

قرن من القصدير

ثور جريح

أهم خصائص شعرية حسين عبد اللطيف حسب صديقه الفنان التشكيلي والناقد خالد خضير انه رغم إصداره الخطاب بلسان الشخص الأول إلا انه حاول كبح الكثير من رومانسية الذات المتحدثة إلى الآخر وهو واحدة من أهم الخصائص التي تجاوزها الشعر العالمي.

فكان دائم الاشتعال بنصوصه من اجل كبح الذاتية قدر أمكانه وصولا لكتابة نصوص اليوتية (نسبة إلى اليوت) تكبح فيها الذاتية التي تطغى على الشعر العربي والبلاغة العربية التقليدية.

فلم تكن قصيدة النثر التي يكتبها حسين عبداللطيف ذات طابع ترجمي (من ترجمة) أي إنها لم تكن مبهورة بالنماذج المترجمة، ومع ذلك فقد كانت حداثية وغير غنائية بامتياز.

البيوت/ مثل ربات قطار فارغة/ او نعوش

"أنا أتحطّم كآنية"

ورغم ان شعر حسين عبد اللطيف نبوءة بمنفى غير متحقق سيصير جزءا جوهريا من الشخصية العراقية بعد حين. إلا ان المرثية تشي هنا بنزوع للامساك بفرح الحياة وانبهار بالحياة الأوربية الكافية لكبح الحزن.

رحل حسين عبد اللطيف الشاعر الذي كان ينتظر موته ولم يجد غير قصيدته كعكاز وقدم ثالثة بعد ان اقتطعت قدمه جراء مرض السكري، فيما لا يشعر عراق الميليشيات والأحزاب الطائفية اليوم بأي خجل وهو يفقد رموزه تموت خائبة.

1