شاعر وموسيقي وراقص: ماذا لو انتخبت فرنسا رئيسا مسلما

الخميس 2014/01/23
عبد الملك: يجب ألا نخلط بين الدين والسياسة

“عبدالملك” فرنسي من أبوين كونغوليين، اعتنق الإسلام في سن الخامسة عشرة، و أصبح يدافع عنه بشتى الطرق، منها الكتابة والغناء. هو الفنان الموسيقي والشاعر والمغني وراقص الرّاب والسينمائي والكاتب، أصدر لأول مرة عن منشورات “فلاماريون” الفرنسية سنة 2013 كتابا يختلف عن مؤلفاته السابقة، التي كانت في غالبيتها سيرا ذاتية، بعنوان “الإسلام من أجل إنقاذ الجمهورية: ماذا لو انتخبت فرنسا رئيسا مسلما؟”

تحت اسم ريجي، ولد عبدالملك بباريس سنة 1975، من أب كان من كبار موظفي السلك الدبلوماسي للكونغو. بين 1977 و1981، عاش ببرازاڤيل. كان طفلا مدللا في البداية، لكن ذلك لن يدوم، فبسبب الاضطرابات السياسية على الأرض الأفريقية ستضطر عائلته للعودة إلى فرنسا للاستقرار بإحدى ضواحي ستراسبورع. ولن يصمد التماسك الأسري أمام تلك التغيّرات: في أحد أيام 1984 سيغادر والده المنزل دون عودة. ستربيه والدته رفقة ستة إخوة وأخوات.


حكاية الكتاب

حين استضافته قناة “ت ڤ5" الناطقة بالفرنسية في برنامجها “لانڤيتي” (أي: الضيف)، حاوره مقدم البرنامج مستهلا حديثه بأول انطباع يبعثه ذلك العنوان: «أكاد أقول إنه صخرة تمّ قذفها في بركة صغيرة، ألا ترى أن البعض سيعتبره استفزازا؟»، فكان جوابه: «قد يكون استفزازا، فنحن الكُتاب مهمتنا هي مزاحمة وخلخلة القارئ وليس أن نجعله في وضع شبه مريح، وفي هذه الحكاية يتعلق الأمر بمعرفة ماذا يريد أن ينمّ عنه هذا العنوان في الواقع؟ سيتساءل القارئ كيف أن الإسلام من شأنه إنقاذ الجمهورية الفرنسية؟».

في الكتاب وجد قبالة مرشح فرنسي عن أبيه وجده، يفصله يوم واحد عن اقتراع الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، وهو المرشح المرجح والأكثر شعبية لدى الناخبين. الكل مقتنع أنه سيكون رئيس فرنسا، وفي مساء ذلك اليوم، تدخل المنظفة لترتيب مكتبه، اعتقادا منها أنه لا يوجد أحد هناك، فتفاجأ بالمرشح متوجها إلى القبلة ويصلي صلاة المسلمين. ابتداء من صباح يوم غد، سيشيع الخبر وينزل كالصاعقة، سيشكل ذلك صدمة كبرى وسط الجماهير. أما المرشح الأول للرئاسة فكانت صدمته أكبر، لم يستوعب كيف أن خبرا مثل هذا سيقلب الموازين ويثير كل تلك الضجة الكبرى. يتساءل ماذا يفرق اليوم عن البارحة، فأنا هو نفس الشخص الذي وثقت الجماهير بقدرته على تسيير شؤون الجمهورية، كيف تُسحب هذه الثقة لمجرد معرفتهم أنني مسلم؟ وما دخل عبادتي وقناعتي الدينية في كل هذا؟ لماذا تغيرت نظرة الناخبين؟

يتساءل الناخبون لماذا كان المرشح يخفي خبر اعتناقه الإسلام؟ فيجيب أنه تعمّد ذلك وهذا ما كان يتعيّن عليه فعله، لأنه بكل بساطة مواطن فرنسي صالح وسياسي محنك يؤمن بالعلمانية لتسيير شؤون الجمهورية وأنه لا دخل للدين والمعتقدات الروحية بالسياسة، فالتعبّد يبقى أمرا شخصيا لا شأن لأحد به، وحرية التعبّد من الحريات التي تنادي بها كل المواثيق الدولية. الآن وقد عرف الجميع نبأ إسلام المرشح، يبدأ التشكيك في كفاءته ويتسرّب هذا الشك إلى المرشح نفسه.

إنها الإشكالية التي يعالجها الكتاب، ويقول عبدالملك إن روايته تعمل بالأساس على تفتيت الصورة النمطية التي تصوّرها المجتمعات الغربية عن الإسلام.

عن فكرة كتابه التي ترى أنه من الممكن أن تنتخب فرنسا رئيسا مسلما، يقول عبدالملك: «في الواقع، إذا بقي المجتمع الفرنسي حبيس ذلك الانطباع الذي تغذيه الأيديولوجيات السياسية وتكرسه وسائل الإعلام بشتى الطرق، فلن يتقبل ذلك الاحتمال. تلك النظرة السلبية تترسخ لدى المواطن الفرنسي بشكل لاشعوري حين يشاهد أحداثا متطرفة تقع في الخارج، لكنه يغمض عينيه ويتغاضى عن الواقع الذي يحيط به، إنه يتناسى أن المسلمين في فرنسا يعيشون بسلام وتربطهم علاقة ودّ ووئام مع فرنسا وكل مواطنيها. هناك غشاوة تحجب عنه رؤية الإسلام، شأنه شأن الديانات السماوية الأخرى، دين سلام وعدل ومساواة، يقبل الاختلاف ويتقبّل الآخر.

أما عن التطرّف أو الفضائح المشينة المنعزلة التي تقع هنا وهناك، فهذا أمر طبيعي منذ خلق البشرية ويشكل استثناء. فلا يمكنني مثلا أن أربط بين المسيحية وفضائح الشذوذ الجنسي لعدد من الرهبان الذين راح ضحيتهم أطفال مسيحيون، أو بين اليهودية والممارسات اللاإنسانية لبعض اليهود المتطرفين».

من خلال كتابه يوضح عبدالملك أن الجدير هو وجوب التمييز بين أناس يستعملون الدين لأغراض سياسية وغالبية الفرنسيين المسلمين الذين يعيشون في سلام، يمارسون شعائرهم الدينية لقناعات شخصية كنوع من أنواع الطهارة الروحية والتحرّر من القيود المادية.

مجتمع الفظاعة

قبل اعتناقه الإسلام، كان عبدالملك طفلا مسيحيا يغني في القداس بكنيسة بستراسبورغ الفرنسية، أما بعدها فكل أعماله الموسيقية مستوحاة من الإسلام الصوفي الذي استهواه خلال فترة مراهقته بعد أن كان قد انجرف لمدّة بإحدى تيارات الإسلام المتطرف. سنة 1999، سيصبح من أتباع الصوفي المغربي سيدي حمزة القادري البوتشيشي. تشبع مذّاك بأخلاقيات الإسلام المعتدل ونبرات السماع الصوفي، وأصبح من المناضلين المدافعين عن السلام والتعايش. رسالته تلك، نستشفها من خلال الحوار الذي دار بينه و بين باتريك سيمونان مقدّم برنامج “لانڤيتي”، الذي أراد أن يعرف مَن المسؤول عن تلك النظرة السلبية عن الإسلام؟

هل هم السياسيون أم ذوو الديانات الأخرى الذين استوطنوا فرنسا منذ القدم؟ أم أن هناك نوعا من عدم الملائمة بين الإسلام والعلمانية؟ وعن هذه الأسئلة، يقول عبدالملك: «الإشكالية أنه حين نعيش في بلد علماني وجمهوري، نحن نعلم جيدا أن الشأن الديني شأن خصوصي وشخصي، وهذا يتعلق أيضا بالإسلام، لكن للأسف، فكالمثل الذي أردّده دائما “الشجرة التي تسقط تثير الضجة أكثر من الغابة التي تنمو”، هناك بعض الناس يوظفون الدين كأداة ويتكلمون عن ذلك بصوت عال، وهم أقلية لكنهم يصبحون بذلك الشكل، وكأنهم يمثلون تلك الأغلبية التي تعيش في سلام». وحول ما إذا كان يجوز اعتبار هؤلاء مسلمين غير صالحين، يقول عبدالملك: “ليس دوري أن أحدّد المسلم الصالح من غير الصالح، الأكيد هو أن الإسلام دين سلم واحترام، وكل شخص يخرج عن هذه الدينامية فهو ليس في سياق الإسلام”.

ولمّا حرص مقدّم البرنامج على معرفة رأي عبدالملك في خصوص أولئك الذين يقترفون جرائم باسم الإسلام هل هم غير مسلمين، يجيبه قائلا: “لا يمكننا تبرير الجرائم بأيّ شيء كان بما في ذلك الإسلام، وفي هذا الباب أذكر دائما جملة وردت في القرآن وهي أن من أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا، ومن قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعا. وهذا من المبادئ الأساسية للإسلام، وإذن فأولئك الذين يستعملون الإسلام لأغراض سياسية أو أغراض أخرى، فليفعلوا ما شاؤوا وليحسوا بما شاؤوا، لكنهم في جميع الأحوال، لا يمثلون الإسلام، وللأسف نحن نعيش في مجتمع يفضل الفظاعة، فوسائل الإعلام تحدثنا عن كل ما هو سلبي ولا تتكلم أبدا عن تعقيدات الواقع، ويزيد السياسيون الطين بلة لأهداف انتخابية.

وهذا من صميم ما يتناوله الكتاب، فهو يتحدث عن أخلاقيات وقيم الإسلام، الشيء الذي جعل العديد من القراء يفصحون لي أنه أحدث لديهم ارتباكا وزعزع عدة أشياء كانت راسخة بأذهانهم”.

منقذ الجمهورية

وحول القول بأن الإسلام دين فرنسي، يجيب عبدالملك بقوله: “نعم، الإسلام دين فرنسي، شأنه شأن اليهودية والمسيحية، وكذا من لا يؤمنون بأيّ إله، فهناك من بين المواطنين الفرنسيين مسلمون سعداء بعيشتهم في بلد جمهوري علماني. نعم، يؤدون صلاتهم ويصومون رمضان، وهذا اختيار شخصي وروحي، وهم يحظون بالاحترام. فلا يتوجب علينا إنكار هذا الواقع، بل علينا أن نرى فرنسا كما هي اليوم، وليس أن نعيش داخل أسطورة فرنسا الكاثوليكية. بالطبع هي كاثوليكية، لكنها أيضا مسلمة ويهودية كذلك وتعددية. لكن الأساسي هو الأسس والمبادئ الجمهورية التي توحدها”.

وحول ما إذا كان يرى أن مرشحا لرئاسة فرنسا تبيّن أنه مسلم سيكون شيئا جيدا من أجل فرنسا، يقول عبدالملك: “لكن مرشحي لم يقل يوما إنه مسلم لأنه يعتبر ذلك أمرا شخصيا، لقد تمّ اكتشاف ذلك فجأة، لكن ما أريد قوله هو أن الرابط الروحي لأي شخص مع خالقه أمر يجعل علاقته أفضل مع الآخرين، سواء أكانت تلك الرابطة الروحية يهودية، مسلمة، مسيحية، أو حتى لا عقائدية، لأن الرابطة الروحية لا تتعلق بالضرورة بدين معين”.

ولمّا سأل مقدّم البرنامج ضيفه عبدالملك “هل يتوجب على المسلمين أن يأخذوا الكلمة و يقولوا ما يقوله عبدالملك؟” أجابه: “المتطرفون يريدون أن يأخذوا الكلمة، لكن السؤال هو هل نمنح الكلمة للمسلمين؟ ولمن نمنح الكلمة؟ للأسف، في مجتمع يفضل الفظاعة، فغالبا ما يميل الإعلام إلى إعطاء الكلمة لمن له نظرة متشددة على حساب من له نظرة إيجابية توافقية، ذكية وبناءة. فعلينا جميعا أن نتحلى بروح المسؤولية واحترام الأخلاقيات والواجبات، فهناك ميثاق شرف لمهنة الصحافة ولمهنة السياسي كذلك. حان الأوان لمساءلة بعض القيم”.

ويضيف عبدالملك قوله حول ما إذا كانت للإسلام طريقة لممارسة السياسة: “من وجهة نظري، يجب ألا نخلط بين الدين والسياسة، إنهما شيئان لا يجدر المزج بينهما. بطبيعة الحال، تصرفاتنا تنبع من إيماننا، تقودها قناعاتنا الروحية، ومن هذا المنظور أرى الإسلام منقذا للجمهورية. لكننا في جميع الأحوال، لا نعيش في فرنسا كمسلمين، ولكن كمواطنين”.

15