شاعر يتطلع جهة الأسلاف بلباس شعري حداثي

النص الشعري ليس مجرد كلمات مرتبة ومنظومة، ممزوجة بوجدانيات تعكس لنا تجربة ذاتية فقط، إنما هو خلق جديد وتصوّر آخر لهذا الوجود، هو جسر يبنيه الشاعر ليصل به إلى الذات المتلقية، عبر صور وأساليب وموسيقى ترفع الواقع من حالته العادية إلى آفاق أخرى أرحب وأجمل وأنقى، في حالة من التخمّر الروحي يعيشها الشاعر كي تولد القصيدة بعد عناء الفكر وعذاب الخاطرة.
الاثنين 2016/08/15
شعر على وقع الحمام (لوحة للفنان كاظم حيدر)

بين المجموعة الأخيرة “مروا علي” و”حمام كثيف”، للشاعر السوري عيسى الشيخ حسن زمن ليس بالكثير فيما لو نظرنا له كزمن، وطويل فيما لو نظرنا له بحكم الأحداث والوقائع، فأنْ يكون المنتَجُ سورياً فهو يعني قارة من المرارات وأنهاراً من الدم وقصصاً كثيرة عن الغرق والحرق والأحلام المنتهية بالرصاص.

لعبة العناوين

إذا كنا في مجموعة “مروا عليَّ”، الصادرة عن دار نينوى، بدمشق، أمامَ نصٍ صوفي، بيئوي، ينهلُ من وسطٍ تربوي، قوّضتهُ للشاعر لفظة(الشيخ)، الملحقة باسمه كَنسبٍ، يمتدّ على ما يتجاوز الاسمَ إلى الفعل، فإننا في مجموعة “حمام كثيف” نستطلع معهُ نصاً يذهب إلى السلف الشعري ولكن بلبوس حداثوي، وما مجيء أسماء شعراء شكّلوا الذاكرة الشعرية إلاَّ تمويهاً ومداورة لروح جديدة وبأدوات جديدة.

وهذا النص الذي يخبُّ على وقع فرس امرئ القيس هو نص مخلص لمكانه وليس لأطلاله، ومخلص للتفصيل أكثر منه للرؤية والرصانة التي يفترضها النص القديم.

يقول الشيخ حسن في مجموعة “حمام كثيف” “لم أعد أثق في الإيميلات/ ولا رنين الهواتف النقالة/ فمنذ أربع سنوات/ ومائتي ألف نجمة/ وأنت لا تردين على رسائلي”. هو ما يمكن قراءته في العناوين” زمان الوصل” و” جادك الغيث” و” لما رأى الدرب دونه” و” أقول وقد ناحت”.

النصوص محاولة حثيثة للإتيان بالصورة كما هي وكما هي شعريا، بتخريجِ اليومي من بؤسه وعطالته إلى المتداول

يحضر شطرٌ من البيت العربي، ليقابله خروج عليه، ليس معارضة، إنما تمثُّلاً وتمثيلاً مغايراً، سيعني في أي حالٍ فهما عميقا لتلك الموسيقى وفي نفس الوقت خروجاً إلى فضاء رحب من العلاقةِ مع الأشياء اليومية، في محاولة حثيثة للإتيانِ بالصورة كما هي وكما هي شعرياً، بتخريجِ اليومي من بؤسهِ وعطالته إلى المتداول كجزء من التواصل الأخلاقي مع الأشياء بوصفها خارقة للعادة ومجحفة بحق أناسٍ جلّ طموحهم الحياة ثم الحياة.

في جملة مجموعة “حمام كثيف” محاولة ترميم العلاقة بين التفاصيل اليومية والرؤية، خاصة وأن مفتتحِ المجموعة يبدأ بإهداء يشي بهذه العلاقة” إلى أطفال سوريا”. يقول” يومها لم أكن قرأت/ “ناي” جلال الدين الرومي/ ولا شاهدت رؤوساً/ يركلها أولاد منذورون للقصف”، ويقول في مكان آخر أيضاً” والآن/ الذكريات الهشّة تماسكت/ وغصّ بها الولد الشقيّ/ تماماً/ كقطعة حطب/ يسمونها بسكوت”.

ينشغل الشاعر عيسى الشيخ حسن كشأنهِ في ما عهدناه بلغةٍ محكمةٍ، ليست عصية لكنها صعبة بما تمتلك من قوة في السبك وتشكيل الجملة المقفولة بإحكام، كذلك اتباع خط ناظم لمجموع العمل، بحيث تتبدىَ الفكرة والمرامي البعيدة متماهية مع اللغة، فلا ترهل للغة لحساب الفكرة ولا ضياع للفكرة الشاعرية لصالح اللغة.

فكِّ للشيفرة

هذه المداورة تمنحُ المتلقي قدرة مضاعفة لتذوّقِ هذا الصعب وفي نفس الوقت فكِّ الشيفرة، وعموماً هذا الجهد لا يعني التعميةَ أو الإغماض المتعمّد، بل يظهر جلياً تخمّر الفكرة الضاغطة لقربها من النفس الإنسانية ومن ثم قربها من النَفَس الشعري للشاعر هنا، فتأتي الكتابة مخلصة للرسالة المراد إيصالها، وبذلك يتحقق الجانب الحياتي لموضوعةِ الكتابة بعيداً عن التوصيف القديم القاتل” الفن للفن” إذ الإخلاص للفن يفتح مسارات إنسانية تلغي تلك المسافة المظلمة بينها وبين الإنسان:” القصيدة التي هدلت طيلة الليل/ خدعت كلّ الفخاخ/ المطمورة في التراب/ لم يكن أيّ منا يمتلك دودة واحدة/ دودة حقيقية/ تغري قصيدة بجناحين”.

الحرب والكتابة

يُذيلُ عيسى الشيخ حسن قصائده في “حمام كثيف” بتواريخ تعودُ إلى العام 2014 للدلالة أو زيادة التدليل على الفترة الغنية بأحداثها وويلاتها، كمحاولة لوضع قارئه في صلب المحنة، فيما إن كان سورياً أو سوى ذلك.

كذلكَ ليتعاضدَ ذلك مع الدم ورائحة الحرب التي تفوح من القصائد، وعليه يمكن القول إن اشتغال الكتابة بموضوع الحرب، كما في “حمام كثيف”، لا يعني الصدقية المباشرة، بقدر ما أنَّ نصاً مجازياً يقوم بهذه المهمة الصعبة، إذا عرفنا السطحية المبالغ فيها عند بعضهم، ممن رأوا أنّ” الواجب الأخلاقي” يكفي، ولا ضرورة لتعميقِ النص “الآن يا ليلى/ وبعد هذه السنوات/ الشوكة الصغيرة كبرت/ وعرّشت تحت أصابعنا/ ها نحن نكتب/ بالسيوف والخناجر والبمبكشن والسكود/ بدعاء العجائز/ بصرخات السياسيين”.

على مساحة أكثر من مئة وستين صفحة، يكثّف عيسى الشيخ حسن رؤيته للحرب والكتابة، بنصوص مختلفة بذاتها ومختلفة عن منجزه في أعمال سبقت. صدرَ الكتاب عن منشورات المتوسط في إيطاليا، ويمكن عد الكتاب إضافة أخرى ومهمة للمنجز الذي اتخذَ الحرب والحال السورية موضوعاً.

14