شاعر يحوّل الخطيئة إلى وسيلة للخلاص الروحي

الموت لاعب ماهر أهدافه وانتصاراته يوميّة، لكنه أصيب بالملل، ليغدو كعجوز في دكان قديم لبيع الكبريت، من نجا منه مصادفة يمشي نزقا، يملأ بصاقه الرصيف، هاجيا حتى ضحاياه وأقرباءه الذين حصدهم الموت وترك أشلاءهم للريح، في ديوانه الأخير “مختبر الموت”، الصادر عن “الدار الأهلية للنشر والتوزيع”، للشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي يقف في مواجهة الموت هاجيا، وأحيانا مداعبا، وأخرى مستلذا بالخطايا، فأعين الموت تحدّق فيه، لا تهتمّ إلا بحصاده عاجلا أم آجلا، لتكون الملذات هي سلوان جسده المؤقت إلى حين يقطف الموت ما تبقى منه.
السبت 2015/11/21
اللذة تبقى في مواجهة هذا الخراب المبهرج هي الحل الأمثل في ديوان مهيب البرغوثي

يؤسس مهيب البرغوثي في عنوان ديوانه “مختبر الموت” لتجربته الشعرية، فالمختبر بداية هو مرحلة لإعادة النظر بما هو قائم، هو محاولة للوصول إلى صيغ وقوانين جديدة، تلك القديمة لم تعد تنفع، لا بدّ من محاولات جديدة، هذه المحاولات في سبيل الوصول إلى القاعدة أو ضبط الاستثناء، وفي هذه فإن الموت هو من تحت المجهر، أهو القاعدة أم الاستثناء؟ وقد يتجلى ذلك مباشرة في عنوان القصيدة الأولى “الإنسانية تموت خلف الباب”.

في مدن الموت والخراب، تفشل الإنسانية كمفهوم، لتترك ضحاياها للموت يجتاحهم نهما أحيانا، أو شبقا عذبا يتسلل بين ثناياهم، لتكون الانهيارات هي النتيجة، رقيقة كخزف مهجّن مع روح هائمة.

يمشي مهيب البرغوثي في ديوانه بين خراب المدن، يتأمل هشاشة بكارة المدينة التي تنسى موتاها هائمين، ليبدو نزقا متقلب المزاج، غاصا في سوداوية، لا من فشل أمام الكون بل من كونه يعلم أن الموت كالهواء ينتقل بالنفس، فالتجارب في المختبر محسومة، لا بدّ من موت في النهاية.

هذا اليقين بالخراب الذي يمتلكه الشاعر يحوّل الشعر إلى عادة سريّة، لذة محرمة لكن الشاعر يمارسها علنا، فلا مفرّ من اللاجدوى حين يقول “أيّ صباح مسالم هذا؟/ فلا خطيئة نعبث بمحتويات حقائبها/ لا حرب نحصي قتلاها ونبكي حنينا لأطفالها/ أيّ صباح مائل للبكاء هذا؟/ لا ثورة نصرخ في شوارعها أي انتصرنا/ لا شيء”، وحتى الطبيعة التي تحضر كطيف أقرب للشفافية لدى البرغوثي لا نراها من منطلق رومانسي تماما، بل هي تربيتة من الموت على كتف من تبقى من ضحاياه المستقبليين، أو انتصار أخير للمنبوذين الذين سيرثون الأرض.

مديح الشهوات

تبقى اللذة في مواجهة هذا الخراب المبهرج هي الحل الأمثل في ديوان البرغوثي، فالأنذال والخصيان والموتى وأشباههم من حوله دائما، لتكون الخطيئة هي وسيلة الخلاص، فالخيانة شعر مترجل لعشيقة متزوجة، اللذة هنا دعوة إلى الخلاص، دعوة إلى الدنس الذي نراه يتحد مع المقدس ليجعله ناقوسا للذة المحرمة شعرا وجسدا.

اللذة دعوة إلى الخلاص

في “مختبر الموت” تحضر أطياف الشاعر الفرنسي آرثر رامبو، بل حتى أن البرغوثي يهديه قصيدة كاملة، والتي تبدأ بـ”كم من “عدن” هناك، وكم خطيئة ارتكبنا باسم الشعر؟ ترى هل كنت فضيلة الشعر؟”، حضور عدن في البادية يحمل مفتاحا في تأويل القصيدة فعدن هي منفى رامبو الاختياري، اختارها بعيدا عن مدينته، أما البرغوثي فاختار مدينته لتكون منفاه، لم يكن هناك داع ليرحل جسدا، بل حضر المنفى إليه بكل تفاصيله، لتكون الخطيئة ذاتها احتفالا بالهوية الجديدة، هوية المنفى.

آرثر رامبو كتب المركب السكران والبرغوثي يركب ذاته في مختبر الموت ومدن الهزائم، كلاهما يحتفل ويتغنى بخطاياه شعرا فـ”الشعر، وسيلتنا لتدمير تلك الفضيلة”، إلى جانب رامبو تحضر في الديوان سيلفيا بلاث وفيرجينيا وولف، المنتحرتان اللتان اختارتا الموت لأنه لا مفرّ منه، لنبصق في وجه الموت ولنسبقه إلى مصائرنا المحتومة، فالموت هنا نوعان، ذلك الاختياري الذي نحتفل فيه بحرية إنهاء “حياتنا”، وآخر مباغت، يأتي على حين غفلة.

أوجه لماعة

تتردد عبارة “الأوجه البلاستيكية” في مجموعة البرغوثي أكثر من مرّة فمثلا “الوجوه البلاستيكيّة/ التي تلمع تحت الشمس/ لا تعرف أن تقول لك/ صباح الخير”، هل هم جنود الاحتلال؟ هل خوذاتهم التي تحمي وجوههم هي ما يثير نزق الشاعر، فبعضها “تحجب أمطار السماء”.

هذه المشاعر المختلطة تجاه تلك الأوجه التي تنتهك حتى الطبيعة وصباحات الشاعر هي ترسيخ للمنفى داخل الوطن، هي علامات من الموت الذي يلوح للشاعر أن تمهل. أنا هنا حاضر لن أنسى موعدنا.. هذه الأوجه لا تشبه إلا نفسها، تلويحات للغياب الذي يتقدم ببطء لينهر الأرض أن توقفي عن الدوران، فكل ما عليها ليس لشاعر، هو محكوم بالفقدان، الذي ألفه هذا الأخير وروّضه كحيوان منزلي.

16