شاعر يرسم الطبيعة بالكلمات ورسام يحملها إلى اللوحة

الأربعاء 2014/06/18
سامح كعوش في حواره مع التشكيلي الإماراتي علي العبدان

أبوظبي- على هامش فعاليات معرض “يا سماء الشرق” من مقتنيات مؤسسة “بارجيل للفنون”، استضاف مؤخرا الإعلامي والشاعر سامح كعوش، في جلسة حوارية على أرض المعرض في قصر الإمارات، الفنان التشكيلي الإماراتي علي العبدان من أجل استكشاف وقائع وتفاصيل تجربته الفنية، بعلاقته بالمنجز الفكري والفني في دولة الإمارات.

بدأ كعوش مع ضيفه، من بدايات تفتح موهبته الفنية، سائلا إياه عن الدوافع والأسباب الكامنة وراء أعماله وابتكاراته التي أصبحت علامة واضحة في الحركة المحلية للفن التشكيلي.

وبدوره أخبرنا العبدان عن ضرورة وجود الحب ليتطور أي شيء لديه، حتى وإن لم تكن ملامح الخطوات واضحة، فتشكيل أي عمل يعكس جمالا بصريا، يمنح صاحبه القدرة والـرغبة على الاستمرار، خاصة أيام المدرسة.

هنا، وبالحديث عن تأثير العوامل الخارجية على فن العبدلي، ذهب كعوش إلى تقصي أثر البيئة الإماراتية المحيطة به في كل أعماله من لوحات ومنحوتات وغيرها.

حيث أكّد فناننا أن الرواد الإماراتيين كانوا حريصين على تصوير البيئة، مشيرا إلى أن أول من رسم ملامح هذه البيئة هو الشاعر الماجدي بن ظاهر قبل 300 عام تقريبا. ليؤكد من جديد، أن الانطلاق يأتي من البيئة دائما.
الماضي أكبر وأوسع من التراث، هو ينقل قصصا من التاريخ البعيد

إلا أن الفن في الإمارات اجتاز مراحل تطور كثيرة، فدراسة البعض في مصر والعراق، مثل نجاة مكي وفاطمة لوتاه، أدّت إلى استقطاب التجارب العربية باعتبار أن الفنانين العرب كانوا يجارون الفن العالمي مثل فاتح المدرس، أي بمعنى آخر هي تجربة من روح العصر.

“أبناء الجيل الثاني مثلي أنا، جاؤوا في ظل هذا الاختلاط أو في خضم هذه المرحلة الانتقالية.. كذلك إن بيئتنا فقيرة بالألوان (صحراء، بحر، سماء) ما جعلنا نذهب إلى الانطباعية للتعبير عن ذواتنا. حتى أني رسمت لوحات سريالية وأخرى رمزية، كاللوحة التي تتضمن “جرة” بداخلها مطرقة وزهرة، وهذا ترميز عن اجتماع الخير والشر في الحياة”. كما أشار العبدان إلى مشكلة حقيقية تكمن في كوننا ذهبنا باتجاه الفن الأوروبي الذي تمت العناية به، وتناسينا بعض الشيء، ما يحيط بنا.

وكما أشار كعوش، لا يمكن التنبؤ بأعمال العبدان، الذي فسّر السبب بأن الأمر يشبه آلية الشعر عند الشاعر، لا يمكن التنبؤ على أي بحر سيقول كلامه. فمرة يختار الكولاج، ومرة يختار الرسم بالألوان الزيتية، ومرة يختار السيراميك ليقدم منحوتة. وأما الفنان الذي يمكن التنبؤ بأعماله، هو من يمشي على طريقة معينة وواحدة، ولكل ميزاته.

أيضا، اكتشفنا في أعمال العبدان، نزوعا دائما نحو المسميات الجاهزة والمسلمات الفنية، فتراه مشاكسا يكاد يسكنه عفريت النقد، يهتم بالتفاصيل ويجسّدها محاولا اقتحام الأبعاد وصولا إلى ما قد يكون البعد الرابع، هو شغف بالنحت أكثر منه بالرسم والتصوير. في كتابه “القرن الجديد” الذي تضمن قراءات ومتابعات لاتجاهات الفن التشكيلي في الإمارات بعد عام 2000 انطلاقا من فترة الثمانينات وما قبلها، حاول أن يستخدم ألفاظا ميسّرة لتفسير المعنى، مشككا في الفن ذي الهدف السياحي، ومطالبا النقاد بنقد موضوعي يخرج عن إطار التوصيف الأدبي.

تحدث العبدان عن عمله (شاطئ الخان)، قائلا: (هو لوحة زيتية على قماش لمنظر قريب من أحد الفنادق بالشارقة)

هنا سأل كعوش العبدان: هل ما زلت على موقفك اللاذع ضد النقد الانطباعي؟. وجاءت الإجابة كالتالي: “كنت وما زلت وسأظل. إن تحميل الفن ما لا يحتمل من الكلام ليس شيئا علميا، اللوحة في النهاية عبارة عن حجم ولون ووحدة جمالية، ولقد أصبح النقد المائل إلى النصوص الأدبية أهم من اللوحة ذاتها.

ممكن أن تقول هذا الكلام عن تجربة شاملة وليس عن عمل أو عن لوحة. على النقد أن يقوم على الجدية والوضوح، ودائما الفن يعتمد على وجود كل من الفنان والمتلقي”.

السؤال الأخير، الذي وجهه له كعوش كان حول اختياره مؤخرا ضمن لائحة الشرف التي ضمت 15 فنانا من الإمارات، ضمن اختيارات “مجلس الإمارات للتنافسية”، وهي هيئة اتحادية مهامها دعم القدرة التنافسية لدولة الإمارات لتحقيق رؤية 2021. حيث تم وصفه بأنه نموذج مثالي للجيل الجديد من الفنانين الإماراتيين الذين يتحلون بالجرأة، فهو يستقي أعماله من القصص الإماراتية القديمة، ومن مواضيع عامة تتعلق بالإنسانية.

وهو حريص على التراث الوثائقي ولذلك يفضل أن يكون فنانا شاملا وناقدا لذاته والآخرين. وقد كان سؤال كعوش بالتحديد: هل تمّ إنصافه بهذه العبارات؟ فأشار العبدان إلى أن هذا الوصف كان أكثر مما ينبغي بالنسبة إليه، إلا أنه لا يوثق التراث الإماراتي، فالماضي أكبر وأوسع من التراث، هو ينقل قصصا من التاريخ البعيد، مستعينا برؤيته الجديدة لاستحضارها.

16