شاعر يصبح نحاتا ليعيد تشكيل العالم

الشاعر السعودي أحمد الملا يتخطّى عبر قصائده، حاجز الخوف ويفتح باب الشك والتساؤل على مصراعيه، متمسكا بوحشيةِ الحلم وما يمنحه التوق الدائم للحرية من مساحاتٍ للَّعب.
السبت 2018/04/28
البحث عن الكلمات الهاربة والمختبئة خلف أشياء العالم

ميلانو (إيطاليا) - منذ العتبة الأولى للمجموعة الشعرية الجديدة للشاعر السعودي أحمد الملا “إياكَ أن يموتَ قبلَكَ” نجد أنفسنا في حديقة مهجورة ينتصب في آخرها “تمثالُ الشاعرِ” مواجها العالم والناس بصدر أعزل إلا من القصائد التي تبدو لوهلةٍ أنَّها متاحة، وقبل أن يتفرَّقوا، تراهم يصوِّبون سهامهم نحو التمثال، ولا يهم إن كانت الإصابات مُحقَّقة أو خاطئة؛ طالما أن هذا البيان الشعري سيمتدُّ ظلاًّ عالياً يطالُ كلَّ شيء يقع بين يدي الشاعر.

يقول أحمد الملا في قصيدة “جملة صلبة”: أريدُها قصيدةً مُدَبَّبةً مُحكَمَةً ومَحشُوَّةً بالبَارُود/

مثلما أكتبُ عن الثَّورِ والمِحْرَاث/ والفلاحِ والبِذْرة/ والزَّهرِ والثَّمر/ تحتَ مطرٍ يصبُّ كلَّ صباح،/ في جملةٍ صلبة.

هكذا هي عوالم نصوص الملا في مجموعته الأخيرة، تمزج كل العناصر من الطبيعة والأرض من اللغة والأفكار، لتذوب كلها في جملة الشاعر التي اختارت أن تكون صلبة قاسية لا تهادن أو تكذب، بل تكشف عن عمق الماهيات المحيطة بها وكنه الأشياء والمشاعر والأفكار التي تنتصر للإنسان.

بهذه القسوة، ينحتُ الملا صخرَ اللغة، مُتواريا خلف ضرباتِ نحَّاتٍ محترفٍ، صنعته تستدعي وجود فراغٍ شاسع حول كتلة الكائن قيد التشكل. مبتكراً طرقاً عدَّة في البحث عن الكلمات، الهاربة والمختبئة خلف أشياء العالم. يُهدي الشاعر جلَّ نصوص الكتابِ إلى أصدقائه، مطاردا أطيافهم كأقمار في بئر، متعثِّرا بالليل، يختبر الألم والغضب والطيران في الغرفة وحيدا، محاولا تجاوز “موتٍ طائش” برصدِ المزيد من الاحتمالات.

يقول “سأموتُ بشَعْرٍ طويلٍ/ ولحيةٍ كَثَّةٍ بيضاء/ في مغارةٍ عالية،/ فلا حاجةً إلى كَفَن/ أو قبر،/ سأموتُ على هيئةِ قفزة/ من قطارٍ سريع،/ أو طلقةٍ صائبة/ أكونُ فيها المَقذوفَ والمُهمَل،/ سأموتُ مُتشبِّثاً بحَبلٍ مَعقود/ وأصعدُ مع إشارة الملاك.

يتخطّى الشاعر عبر قصائده، حاجز الخوف المتأصل فينا، يفتح باب الشك والتساؤل على مصراعيه، متمسكا بوحشيةِ الحلم وما يمنحه التوق الدائم للحرية من مساحاتٍ للَّعب، والحيلِ الصغيرة التي نقتحم بها الظلام والعتمة، نداري بها الألم ونفضح العالم من حولنا باقتراف المزيد من الشعر.

ونذكر أن “إياك أن يموتَ قبلَكَ” للشاعر السعودي أحمد الملا، صدرت ضمن سلسلة براءات التي تصدرها منشورات المتوسط.

15