شاعر يقطف نجمة تتسكع في خيال قصائده

الجمعة 2015/11/27
الأنثى الحلم التي يريدها الشاعر هي شبيهة بالنور إلى حد كبير

صدر عن دار الفراشة للنشر بالكويت، ديوان بعنوان “أول القطاف” للشاعر الفلسطيني المقيم في الكويت يوسف ماجد نايف. ورد الديوان على شكل قصيدة مطولة تحمل عبر فقراتها المتمثلة في دفقات شعرية غير معنونة، رتبها الشاعر تحت أرقام متسلسلة، ذات نزعة استشرافية تجاه الحياة والإنسان معتمدا في ذلك على لغة مبتكرة لما تحمله من موسيقى داخلية تستشرف الوجدان الإنساني من خلال صور شعرية عذبة تمنح المتلقي متعته المنشودة، حيث يتمظهر الفعل الشعري متوهجا متألقا، بالإضافة إلى شفافية الرؤى الشعرية التي وظفها يوسف ماجد نايف لصالح حلم مثالي في عمر القطاف، بحثا عن جمال خالص وإيحاءات مفعمة بالدهشة.

أول القطاف، قطاف النجمة التي طالما تسكعت في رأسه وحدثته عن الفتيات وعن حمقه، يقشر النجمة التي جاءت تنير دربه المشؤوم لينتقم منها، ويأكل بذرة السواد من داخلها ليخرج النور عبر فمه، وتصير النجمة في ما بعد بمثابة الرصاصة التي تصيبه منطلقة من قلب فقير، سواده يرتد عليه، وهو المجنون الذي يعرف جميع عاهاته، الباحث عن أول النور فيجد نفسه مرتكبا من جهله لسواده.

إن الأنثى الحلم التي يريدها الشاعر هي شبيهة بالنور إلى حد كبير: “أحبها شفافة كالنور/ نقية صافية واضحة كالشمس التي ما فتئ يحتفي بألوانها في كامل مراحل القطاف”. الجمال لدى يوسف ماجد نايف جمال يفسده الكلام والحديث عن الكلام، مرهق بقلب يخشى الأبدية، متعب أذى وحبا، مسكون بلا أدريائية يجد فيها معناه المنشود.

يوسف ماجد نايف شاعر قلق حيال وجدانية شائكة، معتل بإجابات عقيمة لا تشبع نزق ذاك المجنون بداخله، يحمل في صمته مصباحا باحثا عن ذاته التي أضاعها تحت إسفلت المدينة، تحت الحجارة وبين الأشجار وفي النهر القديم. شاعر ملاحق بشكه، مضطرب يراقب مجانين أطلقوا صيحاتهم في داخله، مجانين يسكنونه يتحينون قتله “إنه الشك الرهيب بكل شيء”، ليصعد هضبة النور كل صباح حيث يتكشف له غباؤه بوضوح بعد الشروق خاصة، فتصبح للشمس لدى الشاعر رمزية التعرية لوجه حقيقة سترها الليل، وباعتباره المريد للإنسان المثالي نراه يحتفي بهذا الحدث ممجدا وضوح غبائه المنير.

على الرغم من اللغة السهلة التي توخاها الشاعر إلا أنها تبقى من السهل الممتنع لقارئ يحتاج عينا ثالثة ثاقبة تتشرب المعنى المخبوء وينفذ إلى عمق الصورة المتخيلة منتبها للتكثيف الدلالي الذي طغى على مجمل النصوص الشعرية الواردة في الديوان مما أضفى شعرية فاخرة تزيد في متعة القارئ.

14