شاعر يكتب قصيدته بينما الموتى يقفزون من النافذة

الثلاثاء 2014/03/25
في نصوص عبد السميع شيخوخة صنعها الألم اليومي والتهميش

صدر ديوان “الموتى يقفزون من النّافذة” للشّاعر فتحي عبدالسميع عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، جاء المتن الشّعري في أربعة أسفار شعرية هي طعم لاصطياد الرّوح ورفرفة العصافير ورموز في سلّة الخضار وجنازة هادئة.

الشاعر فتحي عبدالسّميع من الشعراء المخلصين لحقيقة قصيدة النثر المصرية الخالصة في المعنى والمبنى، لأنه شاعر- بنّاء ماهر في لحظة انفصال العالم عن أرواح الآخرين، وبقايا مراياهم المقعرة.


شعرية الصدمة


جاء ديوان “الموتى يقفزون من النافذة”، محملا بل مشحونا بالشفرات التأويلية بدءا من العنوان المخاتل، ومن ثمّ ينبغي الوقوف على المؤشر الدلالي الأول: العنوان الذي يحمل الكثير من المفارقات المشهدية، اللقطات الروحية، والتناقضات المنطقية، حيث نبدأ تأويلنا من السؤال، ألا وهو كيف للموتى أن يقفزوا من النافذة ؟ يبدو لي أنّ الموت فعل إلهي بحت خارج عن إرادة الإنسان، فقد تسلم الروح إلى بارئها، أما القفز، هو فعل إنساني بحت أيضا لأن الإنسان نفسه، هو من يقرر القفز من النافذة أو البلكونة أو السطوح.. أو من أيّ مكان مرتفع.

لماذا النافذة تحديدا؟ هل هم لصوص مثلا؟ أم هم يفرّون من الواقع الكئيب الذي يعيش فيه بنو البشر، كل هذه تكهنات تأويلية، وفي ظني أن عبدالسميع اتكأ على الخيال كثيرا في العنوان، من خلال شعرية الصدمة التلقائية التي يمكن أن تحدث أثناء مشاهدة النص لحظة عملية التلقي البصري، كما أنه امتلك حسا ساخرا داخل العنوان، وهو حتى الموتى يريدون أن يتخلصوا من حياتهم فرارا من الواقع الكئيب الذي تغلفه المتناقضات أيضا.


إيقاع حزين


تصنع الصورة الشعرية عالما من المجازات المتوالدة داخل النص أيضا في قوله: “كل الذين أحببتهم، طعنوا وحوشا وصعدوا”.

التوالد المجازي في جدار النص منحه قدرة على البقاء في حياة الآخرين الذين عاشت الذات في كنفهم آمنة مطمئنة من هول الفجيعة والضياع، كلهم طعنوا وحوش البرية وصعدوا، كما أن الحديث عن الصعود والخلود والموت، حديث متصل بالعالم الذي تعيش فيه الذات رغم الإيقاع الحزين الذي يتصدر المفردات، والمجازات التي صنعها الشاعر، فإنها تبقى وحيدة أسيرة عالم لا يرحم ولا يقدّم لها ورقة البقاء.

الشاعر يحتفي بالحياة والأحياء الذين يشبهون الموتى في معيشتهم

يقول عبد السميع عن الطفولة الحائرة الباكية في ديوانه: “أريد أن أحدث أصدقائي/ عن شيخوخة لا تصنعها السنوات/ أريد أن أحدثهم/ عن وقع أقدام عسكرية/ أسمعها كلما انتهيت من ضحكة/ أو من ارتشاف كوب من الماء/ أريد أن أحكي لأي مخلوق/ عن موتى يقفزون من النافذة/ ويشبكون سواعدهم وسيقانهم حول جسدي/ لا شك أنهم استيقظوا/ بعد أحلام جميلة/ لم يتذكروا منها/ سوى أكواب مهشمة/ ومستشفيات/ وسرادقات”.

تبدو الذات الشاعرة في النص السابق منهزمة أمام ضمير الواقع الذي لا يشعر بها، ويرجع سبب هزيمتها تلك إلى الأحزان التي ترسبت في جنبات أعضائها المختلفة، حيث أنها تدرك أن الأصدقاء لن يتحملوا الحديث عن شيخوخة لم تصنعها السنوات التي مرّت بالذات الشاعرة، ولكنها شيخوخة صنعها الألم اليومي والتهميش غير المبرر، بل تطرح الذات كل هذه المشاهد الشعرية داخل القصيدة، لتبدأ في الحديث عن الوجع الإنساني الحقيقي، بل هي الأسباب الخالصة التي تكمن خلف الشيخوخة المبكرة التي تتحدث عنها الذات الشاعرة.

تجلى ذلك في اتكاء النص على أعمدة لغوية مهمة حتى تكتمل معمارية القصيدة على حدّ قول عزالدين إسماعيل، وإليوت، كلاهما فتن بمعمارية القصيدة في الشعر العربي والأوروبي، وهنا نلاحظ، العلاقات المتوالدة عن تراكيب لغوية، تعتمد على شفرات ملغزة في حقيقة الأمر، وأولها (أقدام عسكرية -ضحكة الخوف – سرادقات الجنائز – الموتى – المستشفيات – ارتشاف كوب أخير من الماء – قبل الخروج إلى الموت).

حتى الموتى يريدون أن يتخلصوا من حياتهم فرارا من الواقع الكئيب الذي تغلفه المتناقضات


أكواب مهشمة


إنّ جل هذه الإشارات- العلامات النصية من أهم معطيات النص لدى عبدالسميع، لأنها تسهم في الوصول إلى كنهه، وأغراضه السيمائية، حيث إن الذات الشاعرة- المأساوية التي تنعى حظها البائس في الحياة، تلك الحياة التي ترفض مجيئها (الذات)، كارهة لكل ألوان الزيف، والعنف الاجتماعي الذي فُرِضَ عليها من قِبَلِ السلطة السياسية التي تجبرها على إخفاء ضحكاتها، خوفا من التنكيل بها.

وعليه فإن الشاعر فتحي عبدالسميع على الرغم من حديثه الطويل في الديوان عن الموتى، راصدا أسباب قهرهم وهروبهم، ورحيلهم المعلن، يحتفي بالحياة والأحياء الذين يشبهون الموتى في معيشتهم، وكأننا إذا سألنا رجلا ما مصريا مثلا عن حاله اليومـي؟ لقال لنا بصوت غاضب: “إنني ميت”.

الموت هنا ليس موتا حقيقيا، بل موتا مجازيا، لأن كل إنسان يبحث عن الحياة في صورتها العظيمة التي تحترم ذاته، وكيانه ومشاعره، بوصفه إنسانا له حقوق وعليه واجبات، لكن السلطة تخفي هذه الحقوق، وتطلب من الإنسان الواجبات فقط في الضحك والتبسم والكلام وممارسة الجنس، حتى هؤلاء الموتى- الأحياء لن يتذكروا في حياتهم سوى سرادقات الجنائز والمستشفيات والموت والأكواب المهشمة التي تشير إلى حياتهم المهشمة أيضا.

في هذا الديوان تحديدا خرج عبد السميع عن البيئة اللغوية التي كان ملتحما بها من ذي قبل، ليرتبط بلغة العالم الواسع، والكبير في آلامه وإيقاعاته ومجازاته التي تتوالد من رحم الحياة والموت معا.

14