شاعر يلاعب اللغة ويبحث عن طفولته رفقة اللقالق

الشاعر المغربي مبارك وساط ينشر مجموعته الشعرية الجديدة الموسومة بـ"عيون طالما سافرت".
الثلاثاء 2018/05/08
وحده الشاعر يلعب بجدية كطفل (لوحة للفنان بسيم الريس)

بعد “على درج المياه العميقة”، “محفوفا بأرخبيلات”، “راية الهواء”، “فراشة من هيدروجين” و”رجل يبتسم للعصافير”، ينشر الشاعر المغربي مبارك وساط مجموعته الشعرية الجديدة الموسومة بـ”عيون طالما سافرت”، عن منشورات بيت الشعر المغربي. ولكن السؤال الموجه بقوة إلى متابع هذه التجربة الشعرية الأصيلة هو الآتي: إلى أين تسافر كتابة وساط الشعرية من خلال هذا الكتاب؟

رفقة لقالق الطفولة

منذ اللحظات الأولى، يكشف الشاعر ميلان العين التي تنبع منها قصائده إلى جداول الطفولة. لا سر في الأمر ولا جديد. الطفولة موضوعة شعرية بامتياز، هكذا قد يفكر قارئ ما. وبينة تلك الصلة القائمة بين عنوان الكتاب والمقطع الشعري الكائن في قصيدة “غريب أمر هذا الحقل…”، والذي يقول فيه وساط “غريب أمر هذه المداخن/ المهجورة على السطوح/ حين ننظر إليها بعيوننا التي/ طالما سافرت/ رفقة لقالق/ الطفولة”.

 

إن أسئلة الشاعر لذاته كثيرة دون شك، محمومة ومتعالقة. وهي مختبره السري المنحجب عن القارئ والآخرين، إلا أنه ما من شيء ينحجب تماما دون أن يترك علامة. وعلى هذا النحو يمكن تلمس هذه الأسئلة وخطاطات الإجابات عنها المفضية ضرورة إلى أسئلة جديدة في ما يكتبه الشاعر وينشره كتابا بعد آخر، وهذا ما ينطبق على الشاعر المغربي مبارك وساط.

لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن عين الشعر لا تنظر إلى الأشياء بوصفها موضوعات مصنفة ومجدولة للاختيار والاشتغال عليها. كما يكون ضروريا هنا استدعاء وجهة نظر فالتر بنيامين، تلك التي ترى أن عين القارئ الأمثل، ولعله يكون الناقد الحقيقي، تنظر في حقيقة الأثر الفني. وهذه الحقيقة ليست موضوعه، وإنما هي كينونته والنحو الذي يصير وفقه في حياته الغريبة.

إن قصائد مبارك وساط تكون الطفولة في خطابها الشعري وفي ملامح ذات تلفظها. وهي ذات تتشكل وفق صيرورة حية، تحافظ فيها على ألفة مع العجائبي. أو ليس الطفل وحده جادا في لعبه، ناظرا إلى ما نسميه نحن سريالية بوصفها إمكانا لعالم آخر تماما مثل هذا العالم؟

يقول وساط “وكان جراحون على شاطئها/ يخرجون من جمجمة غريق جيء به من عمق اليم/ طحالب وقواقع/ وبمجرد ما يعيدونها إلى البحر/ يقف ذلك الغريق ويكمل إغلاق جمجمته/ بيديه/ ويحيي الحضور بإشارة/ وبعدها يأتي ممرضون بغريق جديد ويمددونه/ على سرير الجراحة”.

إن مترجم “المسخ”، تماما مثل كافكا الذي يحدثنا بجدية لاعبة أو لعب جاد عن غريغوري سامسا الذي يتحول فجأة إلى حشرة. وفيما أنت تنتظر تعليلا وتفسيرا منطقيا لجدوى هذا التحول، يكون صوته قد انزلق بعيدا في متاهات الحكاية. إذ هي في النهاية مواضعة مثل مواضعات الرياضيات: واحد مع واحد يساوي اثنين. صار لدينا عالم. يمكنك أن تحرن في تبرير وجوده، بينما الشاعر يمضي به بعيدا إلى آفاقه الأرحب، يصمم تناسقه والتحامه الصارم. وعليك أن تتذكر دائما: التعليل نثر، وموته شعر.

بريق الإيحاء

في الأرض التي يموت فيها التعليل والسببية ينقلب النثر ضد منطقه. وتنبت الاستعارة والكناية. صحيح أن لدى الشاعر دائما نكهة أو لمسة لا ترى ولا تعرف، تظل تمنح قارئ نصه دهشة متجددة في كل مرة، إلا أن بعض لمساته ترى دون أن يبطل مفعول المتعة واللعب.

عين الشعر في قصائد مبارك وساط لا تنظر إلى الأشياء بوصفها موضوعات مصنفة ومجدولة للاختيار والاشتغال عليها

 يمنح وساط في هذا السياق قارئه مساحة من اللعب التأويلي من خلال نسج كنائي فريد. فهو إذ يسمي الجرادة أو الحقل أو الدراجة يضعك في موضع حيرة: يمكن ببساطة حمل هذه الكلمات محملها الأول التصريحي دون أن يسقط الشعر في فخاخ أخرى. لكن، وفي الآن ذاته، ثمة شعور بأن هذه الدوال تغمز إلى دلالات مكنية غامضة.

ينشأ حدس لحظة القراءة بأن الجرادة أكثر من جرادة وكذلك الحقل والدراجة. يقول في قصيدة الكتاب الأولى الموسومة بـ“يغمسون رأس المهرج”، “وبعد هذا سأردفك خلفي على/ دراجتنا المطهمة/ ونمضي نحو بيتنا القديم الذي كنا/ قد سكناه زمنا”.

ومرة أخرى لا شيء عجيبا في هذا السرد. ذات تتلفظ لذات أخرى مخاطبة وتحدثها بمشروع عودة إلى بيت قديم هو محور تجربة مشتركة وسابقة. لكن بعضا من فرادة القصيدة الحديثة انبناؤها على وحدة متكاملة وعضوية. وهذا ما يشتغل عليه صاحب الكتاب.

يقول وساط في المقطع الأخير بعد استذكار في أول القصيدة لقوس أخيل ومبرهنة إقليدس وجبل البارناس وغيرها، بوصفها هدايا لحبيبته، ما يلي “بل إنه سيحتضن بحنو حتى دراجتنا/ ويعاملها ككائنة حلت فيها روح/ إلهة قديمة/ كائنة جسمها من معدن/ ولمقودها/ بريق”.

ههنا تصير الدراجة موضوعا تذيت فيه العلاقة بين حبيبين. وتصير محمولا كنائيا لطريقهما المشترك، أو لصحبتهما أو لسفره بها إلى ذكرياتهما المكنية بالبيت القديم. ومن ثم ترفع هذه الذات/ الموضوع وهي الدراجة عاليا لتصير في منزلة كائنة إلهة. ويظل مع انتهاء القصيدة يشع منها بريق لن يتوقف مع كل قراءة جديدة للقصيدة، البريق نفسه الذي يشع من ذاكرة الشاعر وحساسيته إزاء ما يتذكره والعين التي تراه بنحو مختلف هو نحو الشاعر حصرا.

اشتغال كهذا يمنح بساطته كلها ويحجب تعقيد الخلق المؤسس لهذه البساطة. كما لو أن في شعر مبارك وساط ما يذكر بقصائد بسام حجار في بعض ملامحها، حين تسمى الأشياء لكي لا يعرف لدى القارئ إن كان ذكرها الواضح المخاتل تورية لدلالات أعمق وأبعد أم هي تعني ما تقوله فقط. وحتى إن بدا أنها تعني ما تقوله فحسب، فإنها في اجتماعها تظل تحافظ- على حد عبارة بسام حجار تعليقا على بالومار إيتالو كالفينو- “على قدر هائل من الإيحاء، إذ الأشياء موجودة ويلاحظ الآخرون وجودها لأنها تشبه… لأنها على غرار… وكأنها متون التواصلات المجازية. وتفسح- في غضون البرهة التي يستغرقها زمن الصورة وحيزها- لعملية الوصل العابرة بين الإنسان والعالم”.

14