شاعر يمني يقدم خلاصة إثنين وعشرين عاما من الكتابة عن السرد

كتاب "مفاتيح الأدراج" يأتي في سياق اشتغالات الكاتب علوان مهدي الجيلاني على النقد وسبر أغوار النتاجات الإبداعية والثقافية المختلفة بما فيها الأدب الشعبي والكتابات السيرية.
الاثنين 2018/05/14
الحكايا الشعبية عن أبوزيد الهلالي تجاوزت المخيال الغربي

“حين نختار عملاً أدبياً لنقرأه، فلا بد أن يكون لإقبالنا عليه سبب مّا؛ سببٌ يزين لنا قراءة هذا العمل، وقراءة عمل معين -خاصة في عالم السرد- هي رغبة أكيدة في التماهي مع عوالمه، مشاركته والتلبس بحثياته.. القراءة في حد ذاتها عمل تشاركي، إنها إعادة إنتاج للنص المقروء، ذلك أنها لا تخلو بأي حال من الأحوال من عملية بناء ذاتية تتم مع كل لحظة من لحظات التلقي.

أما حين نجد أنفسنا مدفوعين لمقاربة عمل مّا فذلك يعني أن وراء اتخاذ قرار بمقاربته سبباً يكمن في النص غالباً، ثم فينا بدرجة ثانية، قد تكون تلك رغبة في الاحتفاء بالنص أو سعياً لتقديمه للآخرين، وقد تكون المقاربة سياقيّة ناتجة عن اشتغالنا بإبداعات من جنسه أو مجاورة له”.

 

تعتبر أهم الكتب النقدية معقدة بالنسبة إلى القارئ العادي، حيث تمتلئ بالمصطلحات والمناهج التي تجعل من فهمها حكرا على أهل الاختصاص، لذا اتجه الكثير من النقاد إلى كتابة النقد بلغة سهلة وبالتقاطات طريفة تجعل من المعلومة والفهم يصلان إلى قاعدة من القراء أكبر، على غرار ما قدمه الكاتب والناقد اليمني علوان مهدي الجيلاني

هكذا يفتتح الشاعر والباحث اليمني علوان مهدي الجيلاني كتابه الجديد “مفاتيح الأدراج”، الكتاب الذي يحمل عنواناً فرعياً هو “مقاربات مختلفة لإبداعات سردية”، ويقدم فيه المؤلف خلاصة إثنين وعشرين عاماً من الكتابة عن السرد بشقيه الروايات والمجموعات القصصية ناهيك عن النقد الثقافي المتعلق بهما.

السرد الإنساني

يأتي هذا الكتاب في سياق اشتغالات الجيلاني على النقد وسبر أغوار النتاجات الإبداعية والثقافية المختلفة بما فيها الأدب الشعبي والكتابات السيرية، فـ”مفاتيح الأدراج” هو بشكل من الأشكال مكمل لاشتغالات مؤلفه على  الشعراء التسعينيين، الفارق في هذا الكتاب أنه خرج عما ألزم به نفسه من حيث الاشتغال على السرد اليمني فحسب، فقد اشتمل الكتاب في الشطر الأول منه على سبع مقاربات ثقافية تتناول السرد في عمومه بوصفه الأقدر على التعبير عن الأزمات الوجودية والإنسانية.

وتناول الكاتب سرديات مختلفة تتراوح بين الرواية والمسرح بوصفهما علامات مميزة في تاريخ السرد الإنساني والعربي، مطوفاً في أعمال أوجين يونسكو ولوتريامون وهنري باربوس ويوجين أونيل وكولن ولسون وجان بول سارتر وألبير كامو وايلدر وصامويل بيكيت وآرثير أداموف وصولا إلى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم.

أما القسم الثاني من الكتاب والذي يشتمل على معظم صفحاته فهو مقاربات لإبداعات سردية مختلفة نشرها الجيلاني في الصحف والمجلات، وقدمها على منابر ثقافية في فترات مختلفة بين 1997 و2017، من ضمنها المقدمة التي كتبها لكتاب وجدي الأهدل الأول وهو الكتاب الذي لم ير النور وكان بعنوان “خمسون قصة هربت من درج المؤلف واستقرت هنا”، وهي مقدمة تبشيرية حدثني الكاتب أنها لقيت تحفظات حين نشرها، ثم أثبتت الأيام صدق ما بشر به.

وفي الكتاب تناولان آخران لإبداعات سردية تقع ضمن منجز الغربي عمران، أحدهما عن مجموعته الأولى “الشراشف” والثاني عن قصة مفردة له بعنوان “موت أبي”، ومقاربات أخرى لكتاب مثل نبيل الكميم ومحاسن الحواتي وحامد الفقيه وفارس البيل وسيرين حسن وغيرهم من اليمنيين إلى جانب تناولات أخرى لإبداعات عربية مثل “مقتنيات وسط البلد” لمكاوي سعيد و”الفيل الأزرق” لأحمد مراد و”الخباء” لميرال الطحاوي و”درب الأربعين” لماجد شيحة و”عاشق الحي” ليوسف أبورية و”حارة نجوى” لآدم سلامة و”الانتحاري والفول”  لحنان رحيمي.

كتاب يحتفي بنصوص الصمت غير المألوف
كتاب يحتفي بنصوص الصمت غير المألوف

النقد بحب

يلفتنا في الكتاب أسلوب المؤلف الذي يبتعد كثيراً عن جفاف النصوص النقدية معطياً مساحات أوسع لجمال الأسلوب الذي يتدفق بجاذبية معتمداً مداخل طريفة لتناولاته، حيث يبدأ من العتبات ثم متن الكتابة وتزويقاته، ويفتتح مثلاً كتابته عن توفيق تحت عنوان “تزييف اللامعقول” عن سبب كتابة توفيق الحكيم لمسرحية “يا طالع الشجرة” التي تصور حكاية بطل هو في الأرجح أبو زيد الهلالي يقسم خصمه نصفين.

الحديث هنا عن الكاتب العربي توفيق الحكيم 1899 1987- الذي قال معقباً على تلك الحادثة “هذه الصورة غير الواقعية قصد بها قصداً أن تكون هكذا لأن الفنان الشعبي في بلادنا مصوراً كان أو أديباً قد أدرك بالسليقة هذه المنطقة الغنية العميقة من مناطق التعبير الفني قبل أن يدركها الفنان الغربي ويضع لها المذاهب. وهذا هو السبب الذي دعاني إلى كتابة هذه المسرحية”.

تقنياً تتفاوت تناولات الكتاب بين دراسات منهجية ومقاربات حرة تعتمد على الخبرة والتجربة والحب الفائض للنصوص وهذا ما يعترف به الكاتب في المقدمة حيث يقول “إن تحيزاتي للنصوص ورغبتي في الاحتفاء بها غير خافية؛ بل هي ظاهرة بينة ولا مجال لنكرانها، فليس صحيحاً أنني كتبت هذه المقاربات بوصفي ناقدا يحمل أدواته ومناهجه ويتقدم إلى النص بدم بارد، لقد كتبتها –على تباعد فترات الكتابة– بمحبة وحماس، بروح هاوٍ يرغب في التعلم”.

الكتاب في مجمله إضافة جديدة لمنجز الجيلاني، بمقدار ما هو ضوء جديد يلقى على مشهدنا السردي الذي يعد أكثر المشاهد الأدبية فاعلية اليوم على الساحة العربية. يذكر أن الكتاب يأتي ضمن سلسلة المئة كتاب التي تصدر عن وزارة الثقافة اليمنية بالاشتراك مع مؤسسة أروقة.

14