"شافت" الجديد تمجيد العنف والتفوق الذكوري

"شافت"يعود بعد أن تقاعد ليأخذ على عاتقه تصفية المجرمين الأشرار وتطهير حي هارلم الشهير في نيويورك منهم.
الجمعة 2019/07/26
أبطال الأجيال الثلاثة من "شافت"

للمرة الخامسة خلال ما يقرب من نصف قرن، يعود البطل الأسطوري الأسود «شافت» إلى شاشة السينما في فيلم جديد يجمع أبطال الأفلام الثلاثة السابقة في سياق يعتمد على المزج بين العنف والكوميديا.

للوهلة الأولى يبدو فيلم “شافت” (Shaft) الجديد – 2019 (إخراج تيم ستوري) كما لو كان إعادة للفيلم القديم الشهير من عام 1971 (إخراج غوردون باركس وبطولة ريتشارد راوندتري) لكونه يحمل الاسم نفسه، وهو افتراض غير صحيح، كما أن الفيلم ليس استكمالا للفيلم القديم أو للثلاثية التي ظهرت في السبعينات، ثم ظهر فيلم رابع عام 2000 وهو الفيلم الأقرب إلى فيلمنا هذا.

في “شافت” (2000) كان صامويل جاكسون في دور البطولة، يقوم بدور جون شافت، الشرطي الذي يحارب الفساد والمفسدين داخل جهاز الشرطة نفسه، أما في الفيلم الجديد فهو يعود بعد أن تقاعد وافتتح مكتبا خاصا للتحريات لكنه ما زال يأخذ على عاتقه تصفية المجرمين الأشرار وتطهير حي هارلم الشهير في نيويورك منهم.

 أما البطل الحقيقي المفترض الذي يتعامل معه فهو ابنه ج.ج” (يقوم بالدور الممثل الشاب جيسي أشر)، ويعود أيضا في دور ثانوي، ريتشارد راوندتري بطل فيلم “شافت” الأول (1971) في دور الجد. تجتمع الأجيال الثلاثة إذن في فيلم واحد، هو عبارة عن توليفة من المشاهد المليئة بالحركة والعنف، في إطار هزلي يعتمد أساسا على التعليقات اللفظية والإيحاءات الجنسية.

الموجة السوداء

لم يكن إقبال هوليوود على دعم إنتاج وتوزيع أفلام هذه الموجة عبر العالم، سوى نوع من "الاستغلال" التجاري
لم يكن إقبال هوليوود على دعم إنتاج وتوزيع أفلام هذه الموجة عبر العالم، سوى نوع من "الاستغلال" التجاري

هل ينتمي الفيلم الجديد إلى نفس “الموجة السوداء” التي ظهرت في أوائل السبعينات، وعرفت باسم (backxploitation) أو “الاستغلال الأسود”؟

أولا، لم يكن هناك استغلال اللهم أن المبادرة جاءت من طرف كتاب ومخرجين وممثلين من السود الأميركيين في سياق الرد على أفلام “البطل الأبيض” مثل جيمس بوند وأفلام المفتش هاري كالهان التي قام ببطولتها كلينت إيستوود، وكانت تقدم صورة عنصرية مضادة واضحة تتمثل في التهكم على الآخر؛ الأبيض، والتقليل من شأنه، وإبراز قوة البطل الأسود وقدرته على الردع والرد والتحيل بالشجاعة والجرأة والقوة، والأكثر من ذلك، القدرة على جذب النساء الفاتنات.

ولم يكن إقبال هوليوود على دعم إنتاج وتوزيع أفلام هذه الموجة عبر العالم، سوى نوع من “الاستغلال” التجاري، لكنه مماثل لاستغلالها كل أنواع الأفلام. إلا أن هذه الأفلام التي تعلي من شأن البطل الأسود، كانت تستهدف في المقام الأول، جمهور المشاهدين السود في الولايات المتحدة.

الحنين إلى الأسرة

في الفيلم الجديد نعرف أن جون شافت اضطر قبل ثلاثين سنة، إلى هجر ابنه بعد أن أصرت زوجته على الطلاق أي بعد أن فاض بها الكيل بسبب انغماسه المستمر في العنف، أي خشية من تعريض ابنهما الرضيع للخطر. ونعرف أن الأب أدمن بعد ذلك معاقرة الخمر ومرافقة النساء، لكنه لا يزال يحن إلى زوجته السابقة بل ويشعر بالغيرة أيضا من علاقتها برجال آخرين.. وعندما يلجأ إليه ابنه ج.ج لمساعدته في تعقب عصابة يشك في أنها قتلت صديقه المخلص “كريم”، يجدها شافت فرصة للتكفير عن ذنبه وإعادة الصلة مع ابنه لكن الأمر ليس سهلا.

فالابن هو نقيض شخصية الأب، فقد نجح وتفوق وأثبت قدرته على أن يلتحق بمكتب التحقيقات الفيدرالي، كمحلل، يعرف جيدا كيف يستفيد جيدا من التكنولوجيا الحديثة. وهو ينبذ العنف، ويبدي كراهيته لحمل الأسلحة، ويفضل تناول عصير جوز الهند والقهوة الخالية من الكافيين، ويجيد التعامل مع عالم الكمبيوتر والهواتف الذكية، ويعتقد أن الرجل يجب أن يعتذر إذا ما أخطأ وأن اعتذاره يزيد من قوته وليس العكس، ويرفض الانسياق في مغامرات جنسية مع العاهرات أو فتيات الملاهي بل يحترم المرأة، ويؤمن بالحب والإخلاص لحبيبته فقط.

أما شافت الأب فهو يسخر من سذاجة ابنه، ويستهجن سلوكه، ويرفض عالم الميديا الجديدة، ويفخر بإجادة لغة المسدس، ويحرض ابنه على الإقبال على العاهرات ويغشى معه ملهى ليليا ويشجعه على الإفراط في احتساء الخمر إلى أن يتقيأ، والإقبال على مضاجعة الفتيات كلما أمكنه ذلك، ويدفعه دفعا للاقتراب أكثر من حبيبته ساشا ودعوتها إلى العشاء ثم قضاء الليلة معها، ويقول لابنه إن الرجل لا يجب أن يعتذر أبدا لأي امرأة، ولا يكف عن استخدام أحط الألفاظ الجنسية كلما اقترب من زوجته السابقة، فهو يرى أن المرأة مجرد وعاء جنسي للرجل. تقول له زوجته كلما أنصتت إليه متصورة أنه سيغازلها بكلمة رقيقة فتفاجأ بتلفظه بكلمة نابية: أفسدت اللحظة كالعادة!

بعد أن يُقتل كريم صديق ج.ج في ظروف غامضة، يسعى ج.ج لفك اللغز، فيلجأ إلى والده.. ويدخلنا الفيلم إلى موضوع يرتبط بالإرهاب وتمويل الإرهاب بأموال المخدرات عن طريق إمام المسجد المتطرف الذي يتعاون مع جنود سابقين خدموا في أفغانستان، وأسسوا الآن جمعية لرعاية المحاربين العائدين الذين يعانون من متاعب نفسية.

سنعرف أن كريم كان شريكا في تأسيس هذه الجمعية ثم اكتشف ما يجري من غسيل أموال باستخدام أموال المخدرات التي يجلبها شيخ الجامع لحساب مديري الجمعية، فكانت النتيجة أنه فقد حياته. يوزع الفيلم عنصريته على كل من البيض والمسلمين بالتساوي: فالشباب البيض في جمعية رعاية المحاربين القدامى نصابون، يستولون على المال ويتاجرون في المخدرات، وقتلة يقتلون كل من يقف في طريقهم. أما رئيس ج.ج في المباحث الفيدرالية (وهو أميركي أبيض) فهو غبي وأحمق ومتعجرف، لا يريد الاعتراف بموهبة ج.ج بل يطرده من العمل.

أما شافت فيتهكم أكثر من مرة على ابنه لكونه يعمل مع “البيض” الذين لا يمكن الثقة بهم. وعندما ينجح ج.ج بمساعدة أبيه وجده في النهاية في القضاء على الأشرار، يعود إلى مقر عمله ولكن ليعلن أمام الجميع وبالأخص رئيسه “الأبيض” أنه لا يريد العمل معهم، وأنه أخطأ بالعمل مع “البيض” ويذهب لينضم إلى والده وجده. ويسير الثلاثة في النهاية وهم يرتدون معاطف فضفاضة صفراء تشبه معاطف أبطال فيلم “ماتريكس”. فقد توحدت أسرة شافت؛ الأب والابن والحفيد، وهي نهاية توحي بأننا سنشهد المزيد من أفلام شافت التي قد تستكمل قصة تلك “الأسطورة” التي لا تريد أن تتقاعد.

صامويل جاكسون وهو في السبعين من عمره يقوم بدور شافت الأب، ويقوم ريتشارد راوندتري وهو في السادسة والسبعين بدور الجد أي والد جون شافت (جاكسون)، الخارج عن القانون الذي لا يتورع عن تعذيب خصمه وتحطيم عظام يده لانتزاع الاعترافات، كما يطلق النار ويقتل كل من يعترض طريقه لأقل شبهة، وحتى عندما كان رجل يقطن مسكنا مجاورا لمسكن زوجة شافت السابقة، يحتج في صمت على الضجة التي يحدثها، وهو يحادثها من خلف الباب بعد منتصف الليل، يشهر شافت سلاحه فيضطر الرجل إلى الاختباء داخل شقته!

من المنتصر؟

في الفيلم الجديد نعرف أن جون شافت اضطر قبل ثلاثين سنة، إلى هجر ابنه بعد أن أصرت زوجته على الطلاق أي بعد أن فاض بها الكيل بسبب انغماسه المستمر في العنف
في الفيلم الجديد نعرف أن جون شافت اضطر قبل ثلاثين سنة، إلى هجر ابنه بعد أن أصرت زوجته على الطلاق أي بعد أن فاض بها الكيل بسبب انغماسه المستمر في العنف

لكن من الذي ينتصر في النهاية؟ وما هي القيم التي تفرض نفسها؟

في مشهد هجوم العصابة على المطعم حيث يوجد الابن وحبيبته ساشا (الطبيبة التي سبق أن أبدت رفضها لسلوك الأب، وأدانته لكونه تخلى عن ابنه منذ 30 عاما وأهمله).. يجد الابن الذي لا يفتأ يكرر طوال الفيلم “أنا لا أحب الأسلحة”، نفسه مضطرا إلى حمل السلاح وإطلاق الرصاص على أفراد العصابة وقتلهم جميعا في صحوة مفاجئة لا نعرف من أين جاءت وكيف تعلم إجادة إطلاق النار، لكن الأب الذي يتابع المشهد من مكانه في المطعم بإعجاب، سيخبرنا أن ابنه “ورث” هذه القدرة عن أبيه.. وأنها متأصلة في دماء العائلة. الأهم أن الكاميرا ستتركز في لقطات قريبة على وجه ساشا وهي تتطلع في انبهار إلى ما يفعله ج.ج وكأن العنف الذي يمارسه، قد فتح شهيتها الجنسية نحوه بعد أن أيقنت أنه يتمتع بـ“الرجولة” أو “الذكورة” التي تسحر أي امرأة، في لحظة طال انتظارها لها.

 هذا الشعور الذي نراه من خلال انفعالات الممثلة كما يظهر على وجهها وشعورها بالنشوة، هو نفس ما ينعكس على وجه الأم في مشهد مشابه. أي أن الفيلم الذي يبدأ بتقديم نموذج عصري لشاب يناقض والده بأفكاره المتخلفة العتيقة، ينتهي وقد انتصر لمنطق الأب، وجعل الابن في الحقيقة يكتشف أن الحياة من دون المسدس ليست آمنة، وأن الحب يصبح أقوى بعد أن يستعرض الرجل ذكورته بالقتل أمام حبيبته!

رغم اعتذار شافت في النهاية لزوجته السابقة بشكل مفتعل واضح، إلا أن منطقه الخاص ونظرته الذكورية يتسيدان الفيلم الذي تتلخص رسالته في أن العنف وحده هو الوسيلة المضمونة لتطهير هارلم بل ونيويورك والعالم. أما القانون فيمكنه أن يأخذ إجازة حتى إشعار آخر، أو إلى أن يظهر فيلم جديد من السلسلة نفسها!

16