شاكر عبدالحميد: العقل العربي تكراري في أفكاره وفنونه وآدابه

الأربعاء 2014/01/08
شاكر عبدالحميد: لا ينمو الإبداع إلا في وسط تسود فيه الحرية الفردية

القاهرة -أسئلة كثيرة تشغل بال المعنيين بالشأن الثقافي العربي، والمتابعين له، وهي أسئلة فرضتها وقائع الربيع العربي وزادت من إلحاح طرحها الآن، وذلك من جهة أنّ الفعل الثقافي يظلّ الفضاء الذي يشهد تواجه الأفكار وتقصُّدَ أصحابها النهوض بواقع الناس وتصنيع جمالياتهم المادية والتخييلية، ويمثّل سبيلهم إلى تحقيق مطالبهم في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وفي هذا الشأن، يتنزّل الحوار الموالي الذي أجرته "العرب" مع الباحث شاكر عبدالحميد.

تعرض الباحث المصري شاكر عبدالحميد إلى أنماط العقل مقاربا العقل العربي مع كل نمط، مؤكدا أنه لا يوجد ما يمكن تسميته بالعقل العربي، وموضحا في ضوء ذلك الدور الذي لعبته الهيمنة السلطوية السياسية والدينية، لافتا إلى جمود الفكر العربي وعدم خروجه من التكرار إلى الابتكار، وردّ ذلك إلى أمور تعود إلى طبيعة القيم الجماعية السائدة في المجتمعات العربية، حيث يسيطر على المجتمعات العربية نظام جامد إلى حدّ ما دفاعي لا يشجع الاستقلال، ويركز على أهمية التناغم والانسجام أو التجانس الاجتماعي تحت دعاوى الاستقرار والأمن الاجتماعي، ويحث الناس على التوجيه والإرشاد من خلال إما النظر إلى أعلى نحو السلطة أو إلى الوراء نحو التراث والتقاليد الخاصة بالماضي، وفي حوارنا معه المزيد من التفاصيل.

ويعتقد شاكر عبدالحميد أنه لا يوجد ما يمكن أن نسميه العقل العربي عامة هكذا، ويقول إن هناك ثلاثة أنماط من العقول العربية أو حتى العقول في العالم هي: العقل التكراري والعقل الابتكاري والعقل الحواري، محاولا الوقوف على موضع العقل العربي منها.


سيكوباتية ثقافية


يفصل عبدالحميد الأمر بادئا بالعقل التكراري "يقوم بتثبيت الزمن، يرى المستقبل صورة من الماضي، وينظر إلى ذلك الماضي على أنه زمن المثال والفضيلة والكمال، فهو العصر الذهبي الذي كان البشر فيه كالملائكة، وأن أصل الشر في الحياة إنما يتمثل في أن هذا الحاضر لم يعد يشبه ذلك الماضي، وإنه ينبغي السعي لتغيير الحاضر، بالطرائق كافة، من أجل جعل المستقبل صورة محاكية لذلك الماضي المتخيل الجميل. يعمل العقل التكراري من خلال آليات التذكر والاستعادة والاسترجاع والمحاكاة والنسخ والتثبيت، من خلال العود الأبدي المتكرر للأشياء والأفعال والأقوال والأفكار، إنه آلية عقلية نمطية جامدة مغلقة مصمتة تشي بالتصلب وتعمل ضدّ الإبداع".

وفي ضوء ذلك يرى عبدالحميد أن "هيمنة الماضي عامة، الديني منه والسلطوي خاصة على الفكر العربي، أمر واضح للعيان كما أن العربي يلدغ دائما من الجحر نفسه أكثر من مرة، وكأنه يعاني من سيكوباتية ثقافية لا علاج لها، فهو يكرّر أفكاره ويجترّها ويكرّر أخطاءه ويعاودها وكأن لا شيء يحدث ولا شيء يجري هنا وهناك، وكأنه فريسة دائمة للعود الأبدي والتكرار والدائرة المغلقة لا خروج له منها ولا فكاك إلا بالإبداع والتطوير للنزعة الحوارية مع الذات أولا ومع الآخر القريب والبعيد ثانيا".

ويضيف "قد يتمّ توليد هذا الشعور بالتكرار وتنميته عن طريق تذكير المرء، وتذكره، بالدافع القهري للتكرار، وليس بما يتمّ تكرار ذاته، إنه صيغة ذهنية عامة مميزة للتفكير، إنه مبدأ عام، أسلوب مميز لحدوث الظاهرة، أكثر من كونه متعلقا بمضمون الظاهرة ذاتها، ويصبح هذا الوعي بالعملية ذاتها، المتكررة هذه، وعيا بغرابتها، قبل أن يكون وعيا بجانب من جوانب مضمونها، ذلك الذي كان مكبوتا، والذي يعود الآن إلى الوعي. إن هذا الظهور المفاجئ، الانبثاق للتكرار، هو الذي يخيف، ربما لأنه يوقظ شيئا كان ينبغي أن يظل نائما -كما قال فرويد- في اللاوعى، مكبوتا فيه، هناك، في غابات النسيان، لكنه يعود الآن في شكل متكرّر ومخيف، وقد يبدو هذا التكرار أحيانا حالة من المراوغة والمواربة التى تكمن داخل الاختلاف، حيث لا يمكن الفصل -هنا- بين الوعي بعملية التكرار هذه، والوعي بالمضمون، أو الموضوع، أو الشيء الذي يتكرّر حدوثه أو ظهوره".

غياب الابتكار


يقول عبدالحميد: "هنا في بلادنا، وكأن لا شيء يحدث، وكأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن واقعنا قد أصبح يؤكد مقولة الشاعر إن كل ما نقوله مجرّد كلام معاد مكرور، ويصدق عليها، الموضوعات نفسها، الحوارات نفسها، في الصحف وبرامج التليفزيون والشوارع والبيوت، المشكلات نفسها، التكرار نفسه، في الصباحات والمساءات، في بدايات السنين وفي نهاياتها، وكأن لا شيء لدينا سوى تلك الأفكار النمطية نفسها حول الأصالة والمعاصرة، المحلية والعالمية، الدولة المدنية والدولة الدينية، الهوية والحريات وعلاقة الفن بالدين، والدين بالسياسة، التكرار نفسه، الموضوعات نفسها، ولا جديد يقوم من أجل حلها، وكأن صناع أفلام السينما ومسلسلات التليفزيون لدينا لا يجدون موضوعات سوى تلك المتعلقة بالفساد والعشوائيات والزواج العرفي والمخدرات والبلطجة، التكرار نفسه، الموضوعات نفسها، حضور التكرار نفسه، وغياب الابتكار نفسه.

وحتى عندما بدأ بعض المفكرين العرب يتحدثون عن التنوير فإنهم إما عادوا إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وبدؤوا يجترّون أفكار رفاعة الطهطاوي وشبل شميل وفرح أنطون ومحمد عبده وطه حسين وغيرهم.. ولم يقدّموا لنا فكرة إبداعية جديدة متألقة مضيئة مدهشة، أو إنهم رجعوا إلى بعض التراث الأوروبي الذي ينتمي إلى مفاهيم الليبرالية والحداثة التي كانت أوروبا نفسها قد تجاوزتها".

ويلفت شاكر عبدالحميد إلى أن التكرار لم يصب التنويريين وحدهم ولكن انسحب على الفنون والآداب، يقول: "نجد الأمر نفسه في الفن التشكيلي فلم تظهر لدينا مدرسة تشكيلية واحدة نفخر بها، بل إنه بعد أن ظهرت الكلاسيكية والانطباعية والتكعيبية والسريالية والتجريدية وغيرها في أوروبا بدأ الفنانون يحاكونها لدينا، ثم حاولوا أن يقدّموا لنا مدرسة تستمد جذورها من الخط العربي هي الحروفية لكنها مدرسة أعتقد أنها لم تكن قوية الحضور كتلك المدارس السابقة. وقل الأمر ذاته عن الإبداع الأدبي فعندما ظهر تيار الوعي في أوروبا وأمريكا، ظهر لدينا، وعندما ظهرت الواقعية السحرية في أميركا اللاتينية، ظهرت لدينا، ثم يقولون لك إن جذورها موجودة لدينا في ألف ليلة وغيرها، فلِمَ لم تبدعوا فيها قبل أن تقدّمها لكم أميركا اللاتينية ما دامت كانت موجودة لديكم؟".

طبيعة القيم الجماعية السائدة في المجتمعات العربية تكرس الاتفاق لا الافتراق والتجمع لا التفرد والثبات لا التغير

وثبة عقلية


العقل الثاني هو العقل الابتكاري حيث يرى شاكر عبدالحميد أنه في مقابل الخصائص السابقة حول العقل التكراري، ينظر أصحاب التفكير الابتكاري إلى الزمن على أنه سيل متدفق متواصل متجدّد مستمرّ، فيه يتداخل الحاضر مع الماضي ومع المستقبل، يتأثر بهما ويؤثر عليهما، يتأثر بالماضي فيتكئ عليه، ويؤثر عليه، لأنه يعيد النظر فيه، وينطلق منه إلى آفاق مستقبلية أخرى متجاوزة له ومتضمنة له أو مشتملة عليه. هكذا يرى العقل الابتكاري النسبية في الزمن أكثر من رؤيته للكلية فيه أو الإطلاق، يرى التغيير أكثر من رؤيته للثبات أو التكرار ذي الجمود الملازم له، ينظر إلى الأشياء من خلال وجهات نظر متعدّدة وفي سياق نسقي متفتح أكثر من رؤيته لها من خلال وجهة نظر واحدة جامدة ثابتة لا تقبل وجود النظرات الأخرى معها، والآليات التي يعمل العقل الابتكاري من خلالها هي: التغيير والتجديد والإبداع والمغامرة، وكذلك المرونة العقلية. وما تلك المرونة؟ المرونة في أبسط تعريفاتها قدرة إبداعية تتطلب تغيّرا في التفكير والسلوك يناسب التغيرات في الظروف والمواقف، المرونة تعمل ضدّ الإغلاق والانغلاق، المرونة تسعى نحو الانفتاح، المرونة تجاوز لتنظيم قائم نحو تنظيم جديد: "المرونة تغيّر في مسار التفكير، المرونة هروب من التصلب والاجترار والعود الأبدي والدوائر المغلقة، المرونة كسر للنمطي والسائد والمستقر، المرونة قفزة ووثبة عقلية مناسبة وتكيّفية في اتجاه إنتاج جديد مفيد، المرونة إدراك للنقض والنقائص، المرونة اندفاع موجه، المرونة بحث عن مسالك جديدة للفكر والفعل، المرونة استبصار وتأمل، ووعي، المرونة خروج من أسر القوالب الصامتة المصمتة ووقوف في حضرة الآفاق الجديدة والمتجدّدة والخصبة التي لا تلبث بدورها أن تصبح قديمة، المرونة ليست مشاركة في حروب اليوم بأسلحة الأمس، بل هي سعي للهروب من أسر الضرورة إلي رحابة الحرية، المرونة تجاوز واجتياز للظروف المعاكسة وغير المشجعة وغير المدعمة، المرونة بحث عن البدائل، ونظر إلى الموضوع أو الفكرة من أكثر من زاوية، المرونة التفاف ودوران، المرونة لا يحدث إبداع أو تقدم بدونها".

أما العقل الحواري فيمثل "الطبيعة الأساسية للعقل الإنساني، في أنه عقل حواري، وما النتاجات الإبداعية لهذا العقل بأشكالها كافة، إلا تمثيلات للخطاب الحواري الذي يقيمه المبدع مع الآخرين. فإحدى طرائق الخروج من التكرارية إلى الابتكارية وإحدى طرائق التقريب بين العقل التكراري والعقل الابتكاري ما نسميه: العقل الحواري، إنما تكمن في تشجيع النزعة الحوارية بين الأفراد وفئات المجتمع وجماعاته ومؤسساته وبعضها البعض، في التربية والتعليم والإعلام والسياسة والثقافة وغيرها، والحوار الإيجابي البناء القائم على أساس الحبّ والمصالح المشتركة والمصير المشترك أمر ضروري بين الحكومات والشعوب العربية وبعضها البعض، الآن أكثر من أيّ وقت مضى".


التسلط السياسي


وحول الأسباب التي أدّت إلى جمود الفكر العربي وعدم خروجه بدرجة فارقة من التكرار إلى الابتكار، يؤكد عبدالحميد أنها ترجع إلى طبيعة القيم الجماعية السائدة في المجتمعات العربية والتي تكرس الاتفاق لا الافتراق والتجمع لا التفرد والثبات لا التغيّر، وهي أمور تزداد جميعها مع تنامي التسلط السياسي أو ازدهار الفكر النقلي والتنظيمات أحادية التفكير نمطية العقل ومن بينها تنظيمات الإسلام السياسي وهي بشكل عام تتوجه زمنيا نحو الماضي وليس المستقبل وتحرص على الطقسية في الملابس والكلام والسلوك وإلى قمع الآخر المختلف وعدم الثقة فيه والتأكيد المستمر كذلك على السمع والطاعة والتحكم في الآخرين من خلال الترهيب والترغيب وإثارة الخوف والرعب والشك لديهم والسرية والغموض واليوتوبيا المتخيلة المتوهمة التي كثيرا ما تنقلب عليهم وعلى الآخرين إلى ديستوبيا، عكس اليوتوبيا، مدمّرة للجميع، وإلى غير ذلك من الأمور المعروفة".

15