شاكيرا وعالمية الرموز في الفن والثقافة والسياسة

السبت 2015/09/26
شاكيرا عربية كولومبية وصفها ماركيز كما لم يصف أحدا

هي أم لطفلين، أحدهما يبلغ من العمر سنتين واسمه ميلان والثاني ستة أشهر ويدعى ساشا، لذلك هي تدرك تماما أهمية العناية بالطفل والطفولة ومساعدة هؤلاء المهمشين والضعفاء الذين لا مأوى لهم في هذه الحياة، ولهذا دعت سفيرة النوايا الحسنة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) المغنية شاكيرا إيزابيل قادة وشعوب العالم إلى تقديم يد العون لأطفال اللاجئين في البلدان الأوروبية، وذلك خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدته اليونيسيف قبل أيام في مدينة نيويورك حول الاستثمار في الطفولة.

المؤتمر الصحفي كان عقب اجتماع لمنظمة التنمية المستدامة التابعة لمنظمة الأمم المتّحدة والذي كان تحت عنوان “اجتماع للعقول: الاستثمار في تنمية الطفولة المبكرة”، حيث كان لصاحبة أغنية “وكا وكا” كلمتها المؤثرة الخاصة بها، حيث قالت “أكثر من 100 مليون طفل موجود حاليا خارج المدارس وحوالي 159 مليون صبي وفتاة دون سن الخامسة يعانون من مشاكل جسديّة كثيرة بسبب نقص الرعاية والتغذية السليمة، وكل سنة تمر دون أن نقوم بما يتوجب علينا من أجل الاستثمار في تنمية الطفولة المبكرة وإطلاق المبادرات التي تُعنى بهذه المواضيع لحل المشاكل التي يعاني منها معظم أطفال العالم، سيعيش الملايين منهم في نفس الحلقة المفرغة التي تتّسم بالفقر وانعدام الفرص”.

حياة درامية

شاكيرا النجمة الكولومبية هي من الأشخاص الذين عملوا وانخرطوا في مشاريع كثيرة تتعلّق بالطفولة، تملك منظمة غير ربحية تدعى “بيس ديسكالزوس” التي أسست مدارس ومراكز لكافة شرائح المجتمع في الأحياء ذات الدخل المنخفض في بلدها الأم كولومبيا.

قصة حياة وصعود شاكيرا التي يطلقون عليها لقب السوبر ستار اللاتينية، تستحق الذكر، وربما يتوقف عندها الكثيرون أكثر من تحليل وصلات رقصها، ومتابعة مبيعات ألبوماتها، مزيج فريد وغريب تأتي منه طفلة ولدت في العام 1977 في أسرة فقيرة لوالد عربي هو وليام مبارك، وأم كولومبية ذات جذور إيطالية، في أجواء سياسية وثورة وفقر وظلم.

ولدت شاكيرا ترقص، وظهرت ميولها الموسيقية بشكل واضح، وهي ما تزال طفلة، فلم تكن تلك الفتاة الصغيرة الهادئة، بل كانت متقدة حيوية، أحلامها تسبق سنها بمراحل، حلمت منذ صغرها بالنجومية، خاصة بعد أن شعرت مبكرا بمواهبها الفنية وجمالها الأخاذ.

أول ألبوماتها الغنائية يرى النور في الرابعة عشرة من عمرها حاملا عنوان "سحر"، حينها لم تقم شاكيرا بالغناء فيه فقط بل قامت بكتابة جميع أغنياته أيضا، قبل أن تختارتها كولومبيا لتمثيلها في مهرجان "أوه تي أى" في أسبانيا، إلا أن اللجنة المنظمة حرمتها من المشاركة لأن عمرها كان أقل من السن القانونية

لم تهدر شاكيرا الوقت ولم تعر الدراسة انتباها أو تضع لطفولتها حسبانا، بل انطلقت بحثا عن تلك الشهرة منذ أن كانت في الثالثة عشرة من عمرها، عندما انتقلت بصحبة عائلتها في هذه السن الصغيرة إلى مدينة بوجتا للعمل كعارضة أزياء، ولكنها بدلا من ذلك فازت بعقد غنائي من شركة إنتاج فنية كبيرة “سوني كولومبيا”.

سحر

وشهد العام 1991 أي عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها إطلاق أول ألبوماتها الغنائية والذي حمل عنوان “سحر”، ولم تقم شاكيرا بالغناء فيه فقط بل قامت بكتابة جميع أغنياته أيضا، وقد يكون ذلك هو سبب النجاح المحدود الذي لاقاه هذا الألبوم الغنائي حيث للخبرة دور كبير في نجاح الألبومات الغنائية وهو الشيء الذي افتقدته شاكيرا في تلك المرحلة، ومع ذلك فقد سنحت لها فرصة ذهبية عندما اختارتها كولومبيا لتمثلها في مهرجان “أوه تي أي” في أسبانيا، إلا أن اللجنة المنظمة حرمتها من المشاركة لأن عمرها أقل من السن المطلوبة، حيث كانت في سن السادسة عشرة من عمرها.

بعد ذلك قررت شاكيرا تحويل وجهتها الفنية إلى التمثيل، فقد ظنت أن تحقيق النجاح في عالم التمثيل هو أسهل من عالم الغناء، وشاركت في العام 1994 في مسلسل محلي استمر قرابة العام، حققت فيه نجاحا محدودا، ثم حزمت حقائبها عائدة إلى الغناء مرة أخرى.

وبقدر جيد من النضوج والخبرة الفنية التي اكتسبتها خلال تلك الفترة السابقة، والتي بالتأكيد صقلت شخصيتها وتفكيرها وأخرجتها من طور الطفولة الفكرية إلى عالم أرحب مملوء بالأفكار المتحدة، انطلقت شاكيرا من جديد، لتصدر ألبومها الثاني”أقدام حافية”، الذي بدا واضحا منه أن شاكيرا بدأت بالفعل، خطواتها الأولى نحو النجاح، وعلى الرغم من أن هذا الألبوم لم يحقق مبيعات كبيرة، ولكن شاكيرا رفضت الاستسلام للفشل وقررت تغيير سياستها، وبالفعل بعد عدة أشهر بدأت بإطلاق أغنياتها الفردية، بعيدا عن التقيد بالألبومات الغنائية، فقد وجدت أن التركيز في تقديم أغنية واحدة ذات مستوى جيد هو أفضل من تقديم ألبوم كامل متوسط المستوى، ولم يخب ظنها هذه المرة فعندما قدمت أغنية “ايستوياكوي” التي لاقت نجاحا كبيرا ليس محليا فقط، ولكن في ربوع القارة اللاتينية وتربعت على قمة سباقات الأغنيات اللاتينية.

توالت نجاحات شاكيرا الفنية، وعبرت حدود القارة اللاتينية، لينتشر اسمها بين أوساط الشباب في أوروبا وأميركا، ولم تمثل اللغة حاجزا بالنسبة لهم، حيث أثبتت شاكيرا أن الموسيقى فن عالمي اللغة، عام 1998 كان العام الذي اخترقت به شاكيرا العالم عندما أصدرت ألبومها “أين اللصوص؟” والذي شهد أول تعاون لها مع المنتج الشهير إميليو استيفان، وأتى الألبوم مزيجا رائعا بين كلمات شاكيرا وموسيقى الروك اللاتيني.

انهالت الخيرات على شاكيرا بعد هذا الألبوم، فقد حازت على جائزتين في مهرجان جرامي للأغاني اللاتينية، كما اختيرت أفضل مغنية لاتينية لعام 2001 في مهرجان جوائز الأغاني العالمي، وسميت سفيرة النوايا الحسنة من قبل الحكومة الكولومبية، واحتلت صورتها أغلفة مجلات عالمية بارزة.

شاكيرا تمتلك شخصية قوية، وعدة وجوه مغرية للتناول والذكر مثل صوتها، موسيقاها، رقصها، شعرها الغنائي، جمالها، أعمالها الخيرية، نشأتها البائسة وإصرارها وجهدها وكذلك علاقتها بالسياسة والأدب وماركيز

أصدرت شاكيرا ألبومها “لاندري سرفيس” وهو أول ألبوم لها باللغة الإنكليزية، وهو يحقق نجاحات متواصلة حتى الآن في كل دول العالم، مع أن شاكيرا واجهت صعوبة في بادئ الأمر في التعبير عن نفسها بالإنكليزية، حتى أنها اضطرت لشراء بعض القواميس، ولجأت لقراءة الشعر الإنكليزي وكتاب مثل ليونارد كوهين.

وبنظرة فاحصة لحياة شاكيرا نجد أنها وكما يقول المقربون منها تضع عملها ونجاحها نصب عينيها، لأن ذلك النجاح الذي حققته أكبر بكثير من أكثر أحلامها السابقة تفاؤلا، وهي تعمل بجهد واضح مع فريق عملها الإعلامي على أن تكون دائما متجددة في الشكل والأداء، لذا نجدها أحيانا تظهر بشعر أسود شرقي، وأحيانا أخرى بشعر أحمر ومؤخرا ظهرت بشعر أشقر غربي، كما أنها اشتهرت بمسايرتها لأحدث خطوط الموضة الشبابية المجنونة أحيانا، ليس هذا فقط بل إنها اتجهت إلى مجال الإعلانات بعد أن وجدت الشركات الكبرى أنها خير من يقوم بالدعاية لمنتجاتها، وذلك لشعبيتها الكبيرة.

أشهر البشر على الفيسبوك

من البديهي أن تحقق شاكيرا نجاحا تلو الآخر وأن تتصدر أغانيها المراتب الأولى وأن تنال جوائز عديدة دون سواها وأن تكسر بالتالي أرقاما قياسية لا يستهان بها أبدا، كونها من أكثر النجمات شهرة في عالم الموسيقى والفن، ولا شك في أنها تعتبر من أنجحهن على مر السنين الماضية، وبالفعل هذا ما حصل، وما نقلته بنفسها إلى جمهورها الموزع في كافة أنحاء العالم في شهر أبريل الماضي، من خلال صورة لها نشرتها على حسابها على تويتر وهي محاطة بثلاث شهادات من كتاب غينيس للأرقام القياسية، وقد كتبت تعليق على الصورة يقول “ها أنا أحصل على 3 شهادات من غينيس للأرقام القياسية، لذلك كان من المنطقي أن أتمدّد إلى جانبها على الأريكة”.

الشهادة الأولى من كتاب غينيس نالتها كونها الأولى التي حصلت على 100 مليون معجب على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.أما الشهادة الثانية فكانت على تقدير لألبومها “فيجاكيون أورال” الذي أصبح الألبوم الأسباني الأكثر مبيعا في أسبوع واحد في الولايات المتحدة. وثالثا شهادة لأغنيتها “لا تورتورا” التي تضمنها الألبوم المذكور أعلاه والتي تعتبر من أكثر الأغاني الأسبانية مبيعا في العالم.

وبالعودة إلى الشهادة الأولى فلا تزال شاكيرا تحمل حتى الساعة لقب الإنسانة “المحبوبة” الأكثر على الفيسبوك، لحصدها أعلى نسبة من المتتبعين على هذا الموقع تحديدا، فمع 107,142,986 “إعجاب”، وقد وصل هذا الرقم إلى 140 مليونا مؤخرا، باتت النجمة الكولومبية الملكة التي لا يمكن لأحد منافستها أو منازعتها على شبكة التواصل الاجتماعي هذه، مع الإشارة إلى أن من يتبعها ويسير خلفها هو نجم كرة القدم كريستيانو رونالدو.

بعد مشاركتها في بطولة كأس العالم لكرة القدم في العام 2010، التقت نجم الكرة الأسبانية وقلب دفاع نادي برشلونة الكاتولوني جيرارد بيكيه الذي شارك في فيديو كليب أغنيتها الشهيرة “وكا وكا” أغنية مونديال جنوب أفريقيا الرسمية، وارتبطا بعلاقة حب منذ ذلك الحين، توجت بطفليهما ميلان وساشا.

يذكر أن الصورة الأكثر شعبيّة التي نالت مدح وإشادة الجميع حتى الساعة هي اللقطة التي تشاركها من ملعب ماراكانا في ريو دي جانيرو قبيل أدائها في الحفل الختامي لكأس العالم، إذ هذه الصورة بالتحديد حصلت على 3,5 مليون إعجاب في غضون أربعة أيّام فقط.

تتحضر شاكيرا اليوم، للعودة بقوة واندفاع لا مثيل لهما، وذلك بعد أن أفادت آخر التقارير بأنها تنوي الانضمام إلى الموسيقي المكسيكي كارلوس سانتانا والموسيقي الفائز بجائزة الغرامي 19 مرة إميليو إستيفان، وذلك لإنجاز أغنية بعنوان “نحن جميعا مكسيكيون” ، والتي يهدفان من خلالها إلى محاربة آفة العنصرية، ويقال إنه سينضم إلى هذا المشروع كل من زوجة إستيفان غلوريا، والموسيقي ويسين وويكليف جين وتاليا وبيبي أغيلار، يذكر أن هذه الأغنية تأتي كرد على التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها الإعلامي والسياسي والمرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب عن المهاجرين المكسيكيين حين وصفهم بالـ”المجرمين والمغتصبين”.

قصة حياة وصعود شاكيرا التي يطلقون عليها لقب السوبر ستار اللاتينية، تستحق الذكر، وربما يتوقف عندها الكثيرون أكثر من تحليل وصلات رقصها، ومتابعة مبيعات ألبوماتها، مزيج فريد وغريب تأتي منه طفلة ولدت في أسرة فقيرة لوالد عربي هو وليام مبارك، وأم كولومبية ذات جذور إيطالية، في أجواء سياسية وثورة وفقر وظلم

وفي بيان رسمي لصاحب فكرة هذا العمل الفني المرتقب إميليو إستيفان قال إن الأغنية لن تكون موجهة بشكل محدد وخاص إلى المرشح الجمهوري الذي يعرفه حق المعرفة منذ سنوات عدة، بل “هي إجابة للشعور الذي ينتابنا في داخلنا وفي صميم قلوبنا، وهو أننا تقدمنا بالفعل وتطورنا كشعب لاتيني ونحن في حاجة لكي تعي المجتمعات الأخرى هذا الموضوع”.

تنبؤات ماركيز

تمتلك شاكيرا شخصية قوية، وعدة وجوه مغرية للتناول والذكر مثل صوتها، موسيقاها، رقصها، شعرها الغنائي، جمالها، أعمالها الخيرية، نشأتها البائسة وإصرارها وجهدها وكذلك علاقتها بالسياسة والأدب وماركيز، حيث حاول الأخير إبراز جانبين في ظاهرة شاكيرا، “الفطرة والعمل”، كي يصل في النهاية إلى وصفها بـ”الكمال”، باكتمال موهبتها الفريدة بالجهد الخارق، الذي بدا كأنه يتحدث عن شخص لا يعيش على كوكب الأرض.

تنام شاكيرا ثلاث ساعات فقط يوميا، تقضيها في كوابيس الفشل، والخوف والقلق وأحيانا للحديث مع نفسها، أو ترديد عبارات وجمل موسيقية جديدة أو لتحسين لكنتها الإنكليزية، تصاب بالحمى واضطراب في ضربات القلب لمجهودها الزائد أو لقلقها، تحيي عشرات العروض الحية في شهر واحد دون أن يظهر عليها الإرهاق، تجري خلالها أربعين حوارا صحفيا، دون أن تمل أو تكرّر إجابة واحدة، لا يستطيع أن يرقص على أغانيها أحد غيرها، لأنها اختراعها الخاص، إنها صاحبة تأثير هائل.

شاكيرا النموذج الأمثل لقوة أرضية في خدمة سحر، هكذا يرى ويصف ماركيز شاكيرا، والذي يجعلك تتساءل: ما الذي أجبر وألهم كاتبا بقامته على أن يتناول مطربة في بداية طريقها بذلك الشكل؟ قبل أن تحاول البحث مرة أخرى عن إجابة لسؤال: كيف أصبحت شاكيرا اليوم بعد خمسة عشر عاما من كتابة مقاله؟

حققت شاكيرا كثيرا من تنبؤات ماركيز، وأكدت كثيرا من أوصافه لدى جمهورها، ففازت بعشرات الجوائز حول العالم، وحصلت على “جرامي” في أكثر من استحقاق، وتفوقت على الأميركيين، وباتت واحدة من بين أغنى وأشهر خمس مطربات في العالم.

15