شاهد على عصر ازدهار دولة الكتاب العربي وانهيارها

الأحد 2016/01/31

لقد عشتُ أزهى فترات الازدهار الثقافي في مصر والوطن العربي في القرن الماضي؛ حيث كان الكتاب يتربّع على عرش النهضة الفكرية والأدبية والعلمية. وكان الناشر فناناً في ميدانه الثقافي الذي يتخصص فيه؛ فلقد كان يختار؛ بل يُكلِّف الكاتب أن يؤلِّف له في موضوع كذا، أو يترجم له كتاباً راج في الغرب، ويحمل أفكاراً جديدة تفيد العرب! لكن الآن؛ انعكست الآية؛ وأصبح المؤلف، أو المترجم هو الذي يُطارِد دور النشر لكي تنشر له آثاره؛ وما من جدوى من مطارداته! ولاتَ حين مناص؛ أو حين ثقافة؛ أو حين كتاب!

في الماضي؛ كانت دور النشر هي التي تتحمَّل نفقات الطباعة، ولا تكلف المؤلف شيئاً؛ بل كانت تدفع له حقه المقرَّر بسخاء.

أمّا اليوم؛ فالوضع تدهور؛ فلم تعد أغلب هذه الدور تنشر للكاتب إلا بعد أن يؤدي القيمة المادية الكاملة لنفقات الطبع! وكانت دور النشر حتى النصف الأول من القرن العشرين؛ تنشر إعلانات في الصحف السيارة عن مطبوعاتها من هذه الكتب الجديدة؛ لكي تلفت انتباه القُرّاء لها؛ أمّا اليوم؛ فلم تعد دور النشر الصحفية -ربما باستثناء الأهرام- تنشر إعلانات عن الكتب الصادرة حديثاً! وفي الماضي؛ كانت دور النشر تحرص على خلو كُتُبها من أيّ أغلاط نحوية، أو صرفية، أو طباعية. أما اليوم؛ فلا يكاد يخلو كتاب من هذه الأغلاط جميعها!

وأذكر واقعةً طريفةً؛ كنتُ شاهداً عليها؛ فبعد أن فرغ المترجم الكبير عادل زعيتر من ترجمة كتاب “البحر المتوسط” رصد بعض الأخطاء المطبعية قبل صدوره؛ فأصرَّ على أن ينشر لائحةً في ختام الكتاب تصويباً للأخطاء، ولكنَّ صاحب دار المعارف وقتها شفيق بك متري رفض نشرها قائلاً “إن الدار لا تنشر كتاباً يتضمن أيّ أخطاء”! وانتهى الرأي؛ بأن ينشر المُترجِم لائحةً بالأخطاء، ويقول فيها؛ إنه هو المسؤول عنها، وأنها فاتته وهو يراجع تجارب الكتاب!

تخطيط: ساي سرحان

وأذكر واقعة أخرى بصدد الكتب والنشر؛ فقد اشترك الشاعر محمد عبدالغني حسن، وعبدالسلام العشري في تأليف كتابٍ ما؛ وعندما مات عبدالغني حسن؛ أعاد العشري طبعه؛ باعتباره منفرداً بتأليفه؛ وأسقط اسم صاحبه!

على أن سبب أزمة النشر، والثقافة اليوم؛ تعود إلى خلوّ الساحة من النقاد الحقيقيين؛ ففي عهدٍ مضى؛ كان الناقد سيد قطب – قبل تحوله- يُعرَف بأنه ناقد مجلة الرسالة الأول؛ لأنه كان يكتب في كل أسبوع نقداً لكتابٍ من الكتب الجديدة؛ وقد جمع بعضها في كتاب عنوانه “كتب وشخصيات”.

وعن تجربتي كسكرتير تحرير أولاً في جريدة المقطَّم، ومجلة المقتطف لفؤاد صروف في الأربعينات من القرن الماضي، ثم أصبحتُ أحد أعضاء مجلس الإدارة والتحرير؛ المسؤولين عن النشر فيهما؛ أقول؛ إن مجلة المقتطف كانت مجلة علمية ثقافية تصدر شهرياً، وتحتجب شهرين في العام في الصيف، وفي خلالهما كانت تُعوِّض القراء والمشتركين بإهدائهم كتاباً من نشرها؛ ومن إصداراتها مثلاً؛ “المجموعة القصصية” لمحمود تيمور، و”معجم الحيوان” لأمين المعلوف، وكتاب “الفتح مستمر” أي الفتوحات العلمية والمكتشفات وقتها، وهو لفؤاد صرُّوف. وكانت تسهم في الارتقاء بذائقة، وثقافة الناس؛ عبر مطبوعاتها القيّمة!

وكان من عادتي؛ عندما صرتُ سكرتير تحرير مجلة “قافلة الزيت” السعودية بالقاهرة؛ أن أُجامِل أصدقائي من الأدباء والشعراء والنقاد الموهوبين؛ فطلبتُ من العملاق عباس العقاد أن يكتب عنهم؛ ففعل، ومن ذلك: أنه عندما أصدر صديقي الأديب الأمير مصطفي الشهابي رئيس مجمع دمشق “معجمه الزراعي”؛ استكتبت العقاد عنه؛ فاستجاب. وكذلك؛ عندما أصدر الدكتور بدوي طبانة كتابه “البلاغة العربية” طلبت من العقاد الكتابة عنه؛ ففعل. وعندما أصدر صديقي الدكتور زكي المحاسني كتابه “شعر الحرب في أدب العرب” طلبت أيضاً من العقاد الكتابة عنه؛ فاستجاب.

وعندما أصدر الدكتور صبري السربوني كتابه “الشوقيات المجهولة” فاتحتُ العقاد في ضرورة الكتابة عنه؛ ففعل. إذن؛ كان النقاد الموهوبون الحقيقيون هم قادة الثقافة، والتعريف بالإصدارات الجديدة؛ الحاوية لغذاء العقل والروح والوجدان؛ بخلاف ما نراه الآن؛ من فوضى النشر؛ لغياب النقد والنقاد؛ وسيطرة مافيا التجهيل الثقافي والإعدام الفكري وموت الكتاب الإكلينيكي لصالح عناوين تجارية بحتة لا تسمن ولا تغني من جوع!

كاتب ومترجم من مصر

11