شاي وخبز

الخميس 2017/04/06

قليلة هي التآليف الأدبية العربية في موضوعة المهمل في الحياة، والثانوي والهامشي، وما تفرزه أنثروبولوجيا المجتمعات من متون صغيرة وهوامش غير لافتة للأنظار ربما لا تغري على الكتابة أو لا تقع في تجنيس أدبي متعارف عليه، مثلما هي شحيحة الكتابات السردية التي تتعامل مع ثقافات اجتماعية محلية متفاوتة في طبيعتها وتاريخيتها الشخصية، تلك التي لا تدرس الوظيفة الاجتماعية حسب إنما تفعّل عناصر السيرة الاجتماعية من هوامش صغيرة ومتون أصغر وملامح يومية تكاد لا تُرى بسبب اندماجها في الحياة بشكل يومي متسارع مع متطلبات الحياة.

السرد الغربي ومنذ ستينات القرن الماضي عكف على التقاط الصور المختلفة للهامشي اليومي في المجتمع والمدينة كما فعل في الستينات بورخس في سردياته المثيرة (أسطوريات) التي وضع فيها ملامح النص المفتوح غيرالمؤطر بعلامة تجنيس نقدية فترك الهامش يصبح هو المتن في الكتاب مفعّلاً الهامشي على الرئيسي الذي أسماه بالأسطوري متناغماً مع الحاجة الفعلية لتفعيل النصوص الجديدة بطريقة الكتابة الحرة التي لا تقف عند نقطة، بل تنطلق الى عمقها الأدبي والفني. كما فعل رولان بارت في كتابه “الموضة” حينما استجلى البُعد التاريخي والاجتماعي لنظام الموضة وملحقاتها في البيوت كالأجهزة والأدوات على اعتبار ان الموضة “مثل اللغة نظام من الرموز والإشارات”.

ويمكن ملاحظة الكثير من الكتّاب الغربيين كانوا قد تواصلوا مع الهوامش في مجتمعات ما بعد الحداثة التي تشكّل إطاراً اجتماعياً كطرديات الكسندر دوما وهي نصوص في الصيد، وتاريخ تكتيكات كرة القدم لجوناثان ويلسون، ونصوص الأزهار والنباتات والحيوانات والتجارة والآلات والعجلات وتواريخ السينما والأزياء والملاكمة والأثاث وعناصره المتروكة والمهن المتعددة والأطعمة وتاريخ الحب وعبادة الأعضاء الجنسية وتواريخ مطابخ المجتمعات القديمة والحديثة، والكثير مما تحفل به السرديات الهامشية التي تحولت الى متون نصية بارعة. وكل هذه الأمثلة تقف على مفترقات المجتمعات وتطوراتها الظاهرة في كل حالة صغيرة وهامشية.

“شاي وخبز” حكايات عن البيت والأزياء والطعام في العراق لمؤلفه خضير فليح الزيدي أصدرته مؤخراً دار سطور بطبعتين مرة واحدة، وهو ما يقع في نصوص الأنثروبولوجيا الاجتماعية لدراسة السلوك الاجتماعي وأنساقه وتطوره عبر الموضات وتصنيف القماش وألوانه ودلالاته النفسية والمجتمعية ومن ثم نوعية الطعام السائد عبر فترات عقدية ودلالاته المتعددة في صياغة المائدة العراقية، كما لو يريد الوصول الى الهوية الشخصية للمجتمع والمدينة عبر هذه العناصر الخارجية في أربعة فصول طويلة نسبياً، متقاطعة مع بعض الحكايات الشعبية التي ترفد سيرة الموضة في أزيائها المتعاقبة كـ”حاملة لجينات التحضر والرقي” وهي حكايات لابد منها لترطيب “جو” الكتاب عبر مآثر شعبية لأشخاص طارئين على الحياة اليومية، ومن ثم الطعام في تنوعاته البيولوجية اليومية في البيت العراقي لكن بوظيفة ثقافية ايضاً متداخلة مع الوظيفة الأولى، لا سيما والمطبخ العراقي او المطبخ الميزوبوتامي عمره يعود الى عشرة الاف سنة كما أظهرته الألواح المكتشفة في حفريات الماضي.

قد تطول مزايا الكتاب الجمالية في هذه النصوص التي خرجت عن تجنيسها الأدبي واستقرت في جماليات شخصية كررها الزيدي في أكثر من كتاب لاسيما في “تمر ولبن” و”سلة المهملات” و”الباب الشرقي” و”ابن شارع” و”سيد أسود باذنجان”، وهي كتب سردية جمالية تنعتق من سيرة التجنيس وتذهب الى إشارات أغلبها يقع في الباب الاجتماعي وعلاقته بالسياسي على مراحل تأسيس الدولة العراقية لتشكّل علاماتها الشخصية في نوع ادبي تفتقر إليه المكتبة العربية بشكل عام.

“شاي وخبز” أحد خلاصات المجتمع العراقي من منظور مغاير للنصوص الدارجة في تحقيبه لزمنيات متلاحقة تداخلت فيها الأجيال مثلما تداخلت فيها فصول السياسة فأنتجت مجتمعاً بأزياء مختلفة لكن بطعام لم يتغير هو: شاي وخبز.

كاتب عراقي

14
مقالات ذات صلة