شباب التنسيقيات الغامض الذي حرك الناس في الشوارع السورية

السبت 2014/08/30
الكتائب الجهادية فرضت سلطتها المطلقة وأنهت كل وجود للتنسيقيات

كَرِهَ السوريون والشباب منهم خاصة كل ما يتعلق بالسياسة والأحزاب السياسية؛ فحياتهم منضبطة ومحكومة بأجهزة أمنية شديدة الشمولية والمراقبة، والأحزاب السياسة بعيدة عن أي روح ديمقراطية وتنموية ورمز للعقائدية والملكيّة الحزبية لآل بكداش والمكائد، وهناك ضغط الوضع المعيشي اليومي حيث لا عمل وإن وجد بأجر رديء، وثالثة الأثافي وهي الكارثة الأكبر، السياسات الليبرالية والانفتاح الأكبر الذي انتهجه النظام كسياسة عامة، والتي شجعت الذاتيات والأنانية وأطلقت الأوهام لدى الجميع، وأن الأفراد قادرون على الانفلات من سيطرة الدولة وفسادها ومن قوانين الليبرالية معتقدين أن فرصاً متكافئة سينالها الجميع، بينما السياسات الليبرالية في البلاد المتخلفة محمية بالاستبداد وصفقات الفساد وتعمل لصالح فئات محددة، وترمي أكثرية المجتمع في لجة الفقر والتمذهب وكل المشكلات الاجتماعية.


قتل الشرق السوري


هذه السياسات المحمية بالاستبداد، دمرت الزراعة والصناعة، وارتفع التهميش خاصة في المناطق الشرقية وريف حلب ودمشق، والتي نزح سكانها نحو دمشق وحلب. وارتفعت أعداد العاطلين عن العمل وتجاوزت الثلاثين في المائة، وصارت الهجرة على نطاق واسع، وحين أخرج الجيش السوري في 2005 من لبنان طُرِدَ معه أكثر من مليون شاب سوري.

شرائح الشباب المتأثرة بتلك السياسات، تنقسم إلى قسمين، بشكل عام: فهناك المهمش وهو المتضرر، والذي تدهورت حياته، والذي يبحث عن رزقه وحياة أفضل، وهناك الشباب المثقف، وهو يتوهم الاستفادة وهو الذي ينتمي إلى عائلات من الطبقة الصغرى؛ وهؤلاء هم الحالمون بمشاريع شخصية وحياة أفضل، وتعنيهم قيم الحرية والمواطنة، ويعون قيم الحياة السياسة الديمقراطية، ولكنهم غير منشغلين بكيفية تحققها.

حين بدأت الثورة التونسية ولاحقاً المصرية، كان الوضع الاجتماعي والاقتصادي في غاية التأزم. أما الاستبداد فقديم، والناس متعايشون معه، ولكنه يظل مشكلة؛ هذا التأزم يتفاعل في ظل ممارسات الاستبداد ولكنه يؤجج رياح الثورة كذلك. نقول حين حصل ذلك، راقب السوريون مشهد صعود الشعب إلى مسرح الثورة بدقة وتمعن شديدين، من أقصى قرية إلى أقصى قرية، كان الجميع راغباً في تكرار السيناريو، ويتساءل: أليس لنا الحق بالتغيير أيضاً وربما بإسقاط النظام. ولكن كيف سنبدأ باستقطاب الناس نحو الشارع؟ وأية شعارات تجتذب الناس، وما هي مطالبهم، وما هي حاجاتهم، وما هو وضع الناس فعلاً، وهل يمكن لأغلبية المجتمع أن تثور؟! كلها أسئلة لم تكن بالمفكر فيه.

سياسات السنوات الأخيرة لنظام الأسد دمرت الزراعة والصناعة، وارتفع التهميش خاصة في المناطق الشرقية وريف حلب ودمشق، والتي نزح سكانها نحو دمشق وحلب وارتفعت أعداد العاطلين عن العمل لتتجاوز الثلاثين في المائة


الشباب المسيس


هنا لعب الشباب المُسَيَّس، والراغب في إطلاق الحريات العامة، دور الشرارة، وبدأت تظهر حملات تأييد الثورات أمام السفارات؛ فذهب شباب وسياسيون ومثقفون إلى السفارة التونسية في المزة وبعدها إلى السفارة المصرية وثالثة إلى السفارة الليبية، وعند الأخيرة كانت فروع الأمن متأهبة للتدخل والقمع؛ فمرَّ اليوم الأول بمناوشات كلامية، وفي اليوم الثاني منع الاعتصام بالقوة واعتقل العشرات.

بعد ذلك بدأت خطط شرارة الثورة وكانت الشغل الشاغل للشباب والمثقفين وللسوريين عامة؛ فبدأت الدعوات للاعتصام والاحتجاج تأتي من شباب شكلوا خلاياهم ومجموعاتهم للتحرك، وكذلك من الصفحات المؤيدة لاندلاع الثورة تأتي عبر الفيسبوك ولا سيما الصفحة السورية ضد بشار الأسد، وفي دمشق وبقية المدن والبلدات بدأ الشباب يجتمعون ويضعون الخطط الثورية، وبدأت التظاهرات في دمشق ودرعا وبعدها اندلعت في كل سوريا تباعاً.


من بدأ باختطاف الثورة


لم يكن الإخوان فقط من سعوا إلى اختطاف ثورة الشباب بل كان معهم “إعلان دمشق”، اختطفا المجلس الوطني والذي كان فكرة شبابية بقصد تمثيل الداخل في العالم، وساهم في الاختطاف أن معظم شباب التنسيقيات الأولى كان في السجون. وكثير من القوى السياسة عملت الشيء ذاته، “متسلبطةً” على الشباب ودعمتهم بالمال بقصد تسخير جهودهم لصالحها، ولأنها قوى مقطوعة الصلة شعبياً، دفعت بأفراد منها نحو التنسيقيات، وشكلت بعضها، وكانت راغبة بإلحاق الثورة بها.

برزت فكرة التنسيقيات، وهي فكرة شعبية، وتمثل خير تمثيل الشباب السوري الخبير في شؤون الفيس والنت والكاميرا واليوتوب والبث التلفزيوني، وامتلاك اللغة الإنكليزية؛ إضافة للتحشيد للمظاهرات والقيام بها ونشر الأخبار عنها مباشرة وخلق شبكات تواصل عربية وعالمية وذلك لصالح توضيح الثورة كثورة شعبية. هذا ما كان يتم في كل سوريا. المهمة الأصعب كانت في دمشق وحلب حيث لم تندمج بالثورة وبقيت ساحاتها الرئيسية والفرعية موالية للنظام. والمظاهرات التي حدثت فيها لم يكن لها حاضنة شعبية، باستثناء الأحياء المهمشة كحي الميدان والزاهرة وكفر سوسة ودمر البلد والتضامن والحجر الأسود، وإن مظاهرات الشباب الطيارة وبقية أشكال التثوير قد انتهت تقريباً في نهاية عام 2013. كما أن منطقة برزة والقابون، وهي مناطق مهمشة كذلك، هي أقرب للغوطة، وفيها قويت الثورة واشتدت.

تصاعدت نسبة الراغبين بالهجرة بين الشباب السوري على نطاق واسع، وحين أخرج الجيش السوري في 2005 من لبنان طرد معه أكثر من مليون شاب سوري


ذهنية المعارضة التقليدية


مشكلة المعارضة السورية التقليدية أنها لم تؤمن بقدرة الثورة على الانتصار. أما الشباب فكان يتوهم أنها منتصرة لا محالة خلال بضعة أسابيع كما المثال التونسي والمصري، وكانت الخطط في دمشق وحلب وبقية المدن وفق ذلك، وكانت في ذلك تشبه، بعض الكتيبات التي تقول بتَعلُّم اللغة خلال سبعة أيام؟! كانت فكرة النجاح السريع التي تبنتها المعارضة، تستند إلى أن الأميركان قادمون، بمجرد أن يتورط النظام بالدم، وهذه الفكرة تبناها الشباب رغم أن الثورة راحت تتراكم مشكلاتها، وراحت تتعثر بمشيئتها كسيدة أرهقتها الأحمال ومنزلها بعيد. أي أن الأفكار السابقة تقول: لم يكن هناك تفكير أن سوريا مختلفة بنظامها وبثورتها بالضرورة.

دعم المعارضة المستقرة في الخارج، والدول والقوى كان دعماً مشروطاً بالولاء؛ الشباب المسيّس ولنقل أغلبه، لم يكن لديه مشكلة في ذلك، والسبب عدم وجود رؤية سياسية للثورة بل أوهام بائسة، تؤكد أن العالم واحد وسيدعمنا دون شك، وأن أميركا أمّ الحريات ومن الطبيعي أنها ستتدخل.


المناطق الحاضنة للثورة


في المناطق التي تشكل الحاضنة الشعبية للثورة، وصلت الثورة إلى أقصى ما تستطيع، أسقطت القوى الأمنية للنظام وبعضها حطم كل رموز للدولة ولكن النظام دفع بعناصره السرية إلى مختلف المناطق.. وكانت نشوة الانتصار تعمي البصيرة عن الخطوة التالية، فكان التكرار، حتى وصل الأمر للابتذال بأسماء الجمعة وبكثير من الأفعال، ومع الابتذال برزت سلوكيات سلبية انتهازية وفاسدة باسم الثورة.

من أفكار الانتصار السريع، الزحف على الساحات ونصب الخيام في درعا وحمص ولاحقا حماة والدير واللاذقية ولم يتحقق ذلك وإن تجمع مئات ألوف الأشخاص في ساحات تلك المدن، كحماة ودير الزور وحمص، ودرعا وبلداتها، وغيرها، ولكن مدينة دمشق كانت عصية على ذلك، وتبين أن هذا الكلام فيه ثرثرة فارغة، وناتج عن رغبات وهلوسات، والمطلوب رؤية مختلفة للثورة وبرنامج مختلف كلية؛ ثم إن ذلك الزحف قُمِعَ، ورَوت دماء الثائرين الساحات، وضج العالم بصدى الصمت عنها.


إسقاط أم تغيير


التنسيقيات الأولى للثورة ، لم تطرح شعار إسقاط النظام بصورة رئيسية في الأشهر الأولى واكتفت بالكلام عن الانتقال الديمقراطي والتنموي والفصل بين السلطات ومحاربة الفساد ومحاكمة رجالات الأمن الموغلين في القتل، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وكانوا في ذلك أقرب لروح مطالب الشعب.

رغم ذلك، قمعها النظام بقوة واجتث أجيالها الأولى تماماً وكانت الأكثر تسييساً ووعياً، وكانت في غاية الشجاعة والإقدام، وحالما سحقت قتلاً وسجناً واعتقالاً وتشريداً، تقدم شباب الأحياء ذوو الوعي الديني الأوّلي؛ وهنا تضخم دور المال السياسي، وراح الإعلام يركز على طائفية النظام وطائفية الثورة، وسيطر الشعور باللاّجدوى على الشباب المسيّس؛ فشباب الأحياء والبلدات، أصبحوا يتذمرون من القادمين إليهم للمؤازرة، ولاحقاً ومنذ منتصف عام 2013 صُفي تقريباً وجود الناشطين من سكان المناطق ذاتها؛ وفي المناطق التي دخلتها داعش قتلوا ومثّل بهم، أو هربوا خارج البلاد نهائياً، وأصبح وضعهم في الخارج يتطلب كل أشكال المساعدة، وهذا ما فتح الباب نحو مختلف الممارسات السلبية ومنها الفساد وطلب الهجرة النهائية.

مشكلة المعارضة التقليدية أنها لم تؤمن بقدرة الثورة على الانتصار. أما الشباب فكان يتوهم أنها منتصرة لا محالة خلال بضعة أسابيع كما المثال التونسي والمصري، وكانت الخطط في دمشق وحلب وبقية المدن وفقاً لذلك

مرت الأعوام، وسيطرت الرؤية المبسطة والرديئة للمعارضة على عقلية الشباب، حيث لا بد من تدخل خارجي ولا بد من إسقاط النظام. وهناك من طيّف الثورة وطيّف النظام. وتم اقتياد الكثير من النخب الشبابية إلى الخارج، ولأن الحياة فيه مكلفة بالضرورة، كان يتم استثمار حاجتها هذه لتقوية صلاتهم في الداخل والادعاء بتمثيله وبذلك تمّت عملية تهميش دور الشباب الراغب بالحريات في الثورة، وأصبحوا مجرد لاجئين باحثين عن تأمين احتياجاتهم. بعد ذلك تم التركيز على الشباب ذوي الوعي الديني وتطييفه، وفتح ذلك باب جهنم نحو الجهاديات ومن مختلف أصقاع الأرض.

شذت عن ذلك بعض الأماكن في سوريا، كداريا وبرزة وحمص القديمة والقدم وعسالي والزبداني، ومعظم من استطاع التحصن ببلداته وطرد النظام منها ورفضت دخول جبهة النصرة ولاحقاً داعش والجهاديات. من ظل هناك من الشباب المسيّس ولم تسحبه قوى المعارضة ممثلة بقيادة المجلس الوطني والائتلاف والإخوان لاحقاً، استطاع أن يبقى فاعلاً ومؤثراً، ويرفض التطييف الواسع ويحدد معركته بأنها من أجل حياة أفضل لكافة السوريين، ولم تطرح الطائفية إلا كردود فعلٍ ودون أن تكون أداة سياسية.

الآن وما بقي من تجربة التنسيقيات، في بعض اللجان والهيئات والأشخاص لا يمثل ثقلاً، حيث سيطر العمل العسكري وتشكلت المكاتب الإعلامية التابعة له، وبفرض الكتائب سلطتها المطلقة ولا سيما الجهادية تم إنهاء كل وجود للتنسيقيات، وللعمل المدني والتظاهري بشكلٍ كبير للغاية.

رغم كل ذلك، نرى أن الشباب الثائر كان مثالاً رائعاً للإقدام والتضحية، ولكنه لم يملك رؤية عميقة للواقع. تجاهل أثر الثمانينات كحرب طائفية على الثورة، وتجاهلوا أثر الإخوان ومالهم السياسي والسلاح، وتجاهلوا طبيعة المشروع الاقتصادي والاجتماعي المقدم للشعب كي ينجذب للثورة، وتغافلوا عن رفض دمشق وحلب للثورة، ولم يقرؤوا سبب ابتعاد الكثير من الأقليات وأحياء في حمص وحماة وعشائر عن الثورة، وفضلوا إمّا الصمت إزاءها أو الانخراط مع النظام ضدها.

والكثير من القوى السياسية تعاملت مع الشباب كوقود للوصول إلى السلطة، وألحقتهم بسياساتها العامة، وهذا ساهم بعزلهم عن الثورة، عدا عما فعله النظام بهم، بينما كان يفترض بالشباب ألا يقارب الثورة على أنها تكرار لتجارب تونس ومصر، بل أن يدرك واقعه كثير التعقيد. وكثير من الشباب، غرق في مشاريع شخصية باسم الثورة، وبخروجه من سوريا راح يكمل تلك المشاريع، ولم تعد تعنيه الثورة. وما غياب فاعليتهم إلا تأكيدٌ على عودتهم إلى حياتهم الخاصة، ولكن بلا دورٍ ثوريٍّ هذه المرة.

يكاد هذا الشباب يشعر بالهزيمة، وأن مشروعه فشل؛ حقيقة الأمر أن مفهومه للثورة كأداة للحرية، هو مفهوم فاشل. ولم يطور رؤيته تلك، والمعارضة احتجزته فيه ولكن كأداة لتبوّئها السلطة. ولأن الأمر كذلك، استطاع النظام الهيمنة على رؤية الثورة؛ فأرادها طائفية، فقويت الميول الطائفية فيها، وأرادها عسكرية والآن هي متعسكرة بالكامل، وأرادها أن تطالب بالتدخل العسكري وكان له ذلك، وأرادها عصية عن اندماج الأقليات فيها، فكانت سياسة المعارضة رافضة لها أو محددة إياها كموالية للنظام والأخير حامياً لها.

الشباب لم ينجز الثورة حتى اللحظة الراهنة؛ وربما يعيد النظر العميق بما جرى، وربما تستطيع قوى سياسية أن تجتذبه نحو خيارات جديدة لإكمال الثورة، وربما يشكل قواه هو. وهذا يفتح على نقاش آخر، هل من قوى قادرة على إعادة الشباب إلى الثورة، ومنعه من الإخفاق، أو مساعدته كي لا يخفق ثانية، وكذلك هل هو قادر على الاستفادة مما حصل ولماذا أخفق؟ سوريا مُقبلة على مراحل جديدة من الثورات، وهذا لأن مجمل أزمات المجتمع الاقتصادية والسياسية لم تحلّ ولن تحلّ وتضاعفت بمشكلات إضافية تخص الأصولية والتفتت المجتمعي والقتل الطائفي، وبالتالي لا بد أنها متجددة لا محالة. وهذا نتركه لبحث آخر.

13