شباب "الدريفتينغ" في بغداد يستمتعون بهوايتهم الخطرة

تزداد شعبية “تفحيط السيارات” بين الشباب في بغداد هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى للتنفيس عن أوضاعهم أو إثبات ذواتهم أو التعويض عن حالات نفسية خلفها الفشل في الدراسة أو البطالة فاعتبروا هذه الهواية وسيلة ترفيه للهروب من الواقع، في حين يراها آخرون خطرا يحدق بهؤلاء الشباب والمجتمع بصفة عامة.
الجمعة 2016/07/15
سيارات فارهة في مضمار خطير

بغداد- في منطقة الجادرية جنوبي بغداد يلتقي كل جمعة المغرمون بسباقات السرعة من الشباب العراقيين لاستعراض البعض من اللقطات الجميلة والخطرة بسياراتهم الفارهة، ودراجاتهم النارية، ويكون المضمار أحيانا الشوارع العامة؛ إذ يبدو السباق كأنه استعراض بمناسبة وطنية، في حين يعتبر البعض هذا النوع من السباقات رياضة وترفيها للهروب من الواقع، والبعض الآخر يراه وسيلة احتجاج.

ويحضر المئات من الناس لمشاهدة فعالية “تفحيط” بغداد الأسبوعي، حيث “يشحط” المشاركون بسياراتهم فوق الإسفلت مسببين سحباً من الدخان الناجم عن احتكاك إطارات السيارات بالإسفلت. ويقول المنظمون لهذه السباقات، إن أعداد المشاركين والمتفرجين في ازدياد، فهذا النوع من الفعاليات يسمح للعراقيين بتجاوز الواقع الكئيب لمدينتهم التي تغلب عليها التفجيرات والاحتجاجات والوضع الاقتصادي الصعب.

وبدأ الناس يتجهون إلى مشاهدة “التفحيط” أو “الدريفتينغ” في بغداد عام 2010، وانتشر هذا النوع من الهوايات إذ “لا توجد وسائل كثيرة للاستمتاع في بغداد، لذلك نستمتع بالتفحيط”، كما يقول علي البالغ من العمر 30 عاما. ويقول حارث الدليمي، البالغ من العمر 25 عاماً وأحد نجوم “التفحيط”، “ننتظر طوال الأسبوع قدوم الجمعة حتى ننسى أحداث الأسبوع من تفجيرات وقتل. لدينا فقط هذا اليوم لأنفسنا”.

لكن البداية الحقيقية لسباقات التسارع كانت في عام 2011 حين نظم ما بات يعرف بـ”نادي العراق لرياضة السيارات” أول سباق في منطقة الجادرية وتوالت بعد ذلك بطولات الـ”اتو كروس″ و”التفحيط” و”تجمع ال بي ام دبليو” و”نادي بغداد لسباق السيارات” وغيرها، إضافة إلى سباق الدراجات النارية.

ويقول محمد سلام (24 عاما) لموقع “نقاش” وهو يتجّه بسيارته “السبورت” إلى مضمار الجادرية حيث السباق الشهري للسيارات، والذي لا يعني الفوز فيه الحصول على أي جائزة أو تكريم سوى الوصول إلى قمة الاستمتاع بحسب محمد الذي يتجنب السباقات القائمة على المراهنات، إن “مضمار الجادرية هو الوحيد الذي يمكن أن يحتضن سباقات السيارات في بغداد على الرغم من كونه قصيراً جدا وغير ملائم لإقامة مسابقات رسمية”.

التفحيط في الإجازات والأعراس والمباريات، يؤدي إلى استهلاك طاقات المجتمع من الشباب والممتلكات العامة وقتل الأبرياء

ويضيف محمد وهو منشغل بإجراء مكالمات مع باقي الأصدقاء لضمان حضورهم جميعا إلى مضمار الجادرية “نتمنى أن ترعى الحكومة هذه الرياضة أو اللجنة الأولمبية فهي رياضة عالمية ويمكن أن تجذب الآلاف من المشجعين والمتابعين ما يعني أنها ستدر الأموال على المنظمين في المستقبل”. ومضمار الجادرية كان في السابق مخصصا لسباق السيارات قبل عام 2003 بشكل غير رسمي فلا يوجد اتحاد للعبة سوى سباقات محدودة يرعاها نجل الرئيس العراقي الأسبق عدي صدام حسين، إلا أن اتساع العمران في الجادرية أدى إلى انحسار هذا المضمار فهو لا يتجاوز 400 متر اليوم.

صوت المحركات الصاخب وصيحات الشباب الحاضرين مع عدد قليل جدا من الفتيات وهم يهتفون للمتسابقين ويتفاعلون معهم، وبينهم محمد الذي أضاف تحسينات كثيرة على سيارته “كي تلائم السباقات فلا توجد سيارات مخصصة لهذه الرياضة في العراق” بحسب قوله، كان أبرز ما يميز المكان الذي يتم نقل فعالياته بصورة خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي وأحيانا تتواجد البعض من القنوات التلفزيونية.

واللافت أن جميع السيارات المشاركة في السباق قد زينت بملصقات وألوان زاهية تميز سيارات المتسابقين عن بعضها البعض، ولا يقتصر الأمر على السباق فحسب، فقد تكون هناك استعراضات تدعى باللهجة العامية العراقية “تفحيط أو طناشات” وهي عبارة عن حركات استعراضية خطرة يقوم بها المتسابق المحترف بسيارته بشكل منفرد، لا تخلو من التهور لكنها محببة إلى الجمهور.

وإلى جانب تلك السباقات هناك أيضا جولات لمواكب سيارات ودراجات نارية تكون عادة من النوع نفسه تجوب العاصمة بين الحين والآخر وباتت مشاهدتها أمرا مألوفاً لا سيما في يومي الإجازة الأسبوعية؛ الجمعة والسبت. ولعل أبرز استعراض سيارات شهدته بغداد مؤخرا هو لتجميع “كروب سيارات الـ “بي أم دبليو” حيث جابت العشرات من السيارات من نوع “بي أم دبليو” شوارع وسط بغداد تحت أنظار وترحيب الأهالي ورجال الأمن على حد سواء.

النوادي نظمت اللعبة

ويقول ماجد كريم (33 عاما) وهو أحد المشاركين في هذا الاستعراض إن “الفكرة بدأت من خلال صفحة لمحبي هذا النوع من السيارات (بي أم دبيلو) على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، كنا نعرض فيها كل ما يتعلق بأحدث موديلات السيارات وطرق صيانتها وتزيينها وتحوير محركاتها لتلائم السباقات، إلى أن طرحت فكرة القيام باستعراض شارك فيه العشرات من مالكي سيارات الـ‘بي أم’ القديمة والحديثة”.

ويضيف “بعد ذلك أصبح الاستعراض الذي نقوم به شهريا وبمشاركة أوسع، لكن الأوضاع الأمنية أحياناً تحول دول انتظام الاستعراض، كما لم نستطع أن نقيم سباقا خاصا بنا لأن بغداد لا تحتوي على رالي أو مضمار نظامي، ونادي الجادرية أصبح لا يستوعب أعداد السيارات الكثيرة التي تشارك في السباقات”. ويرى ماجد جمهور رياضة سباق السيارات في العراق “غفيرا جدا” ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي تعج بالآلاف من المعجبين بصفحات السيارات لا سيما الرياضية منها، إضافة إلى الإقبال الكبير على السباقات في مضمار الجادرية والسباقات المشابهة في محافظات بابل وكركوك والبصرة.

أنا "أفحط" إذا أنا موجود

تتعدد الأسباب والعوامل التي تدفع الشباب إلى التعلق بظاهرة التفحيط الخطرة، منها ما هو متعلق بالأسرة، مثل الإفراط في حب الأبناء، وضعف مراقبة الوالدين لسلوك أطفالهما، إضافة إلى التصدع الأسري والخلافات الزوجية، فهي تُعد من الأسباب القوية التي تدفع الأبناء إلى ممارسة هذه الظاهرة، وهو ما أشارت إليه نتائج دراسات علم النفس، فغياب مفهوم السلطة لدى الأبناء يدفعهم إلى التهور وممارسة سلوكيات مخالفة تقاليد المجتمع، لعدم وجود رقيب على تصرفاتهم.

إلى جانب ذلك هناك أسباب تتعلق بالمجتمع، مثل غياب وسائل الترفيه وأماكن المرح في ظل غياب الأمن في بغداد. كما أن انتشار مواقع الإنترنت التي تقوم بعرض العديد من الفيديوهات والصور التي تثير وتحفز الشباب، يجعل المراهقين يتجهون نحو ممارسة هذه الظاهرة من أجل إثبات الذات والشعور بالسعادة وتحقيق المتعة التي يبحث عنها “المفحط”، كما يقول أحد المغرمين بهذه الهواية “أنا أفحط إذن أنا موجود”.

ومن الدوافع التي تجعل الشباب يتعلقون بظاهرة “التفحيط” الشعور بالمتعة والشهرة وحب الظهور عند ممارسة هذه الهواية المفضلة لديهم، إلى جانب الشعور بالبطولة والشجاعة، وفي أحيان أخرى قد تكون رد فعل للتنفيس الانفعالي عن الغضب أو العصبية التي يتعرضون لها، وقد تكون من أجل لفت انتباه الآخرين أو التعبير عن الذات والاستقلالية أو دافعا لتغيير الروتين اليومي من أجل ملء أوقات الفراغ أو هروباً من الفشل الدراسي أو البطالة.

وهناك آخرون يرون أنها وسيلة تحدّ واحتجاج على الأوضاع الأمنية غير المستقرة والتي زادها تنظيم داعش سوءا، فالحرب على الإرهابيين خلقت أزمة عميقة في العراق وعاصمته بغداد، فلا يعرف عشاق التفحيط إن كانوا سيعودون في الجمعة القادمة، أم سيسقطون ضحية أحد التفجيرات الإرهابية، لذلك يجتمعون في ساحات التفحيط الجمعة ليعبروا عن تمردهم على الإرهابيين؛ إذ يقول الدليمي”لدينا طريقتنا الخاصة في الاحتجاج”.

شوارع بغداد مضامير للسباقات

مخاطر الهواية

لا تخلو هذه الهواية في العراق من مخاطر، خاصة وأن الكثيرين من الشباب باتوا يستخدمون الشوارع العامة لممارسة حركات “التفحيط” والسباقات، الأمر الذي يؤدي إلى مضايقة المواطنين ويعرضهم للخطر وأحيانا افتعال الزحام الخانق. ومن العواقب التي تخلفها ظاهرة التفحيط وخاصة في الشوارع العامة، الموت والإصابات الخطيرة وزهق أرواح الآخرين أثناء التفحيط، فهذه الظاهرة تفسح المجال للجرائم والانحرافات الأخرى، بالإضافة إلى معاناة أسر المفحطين نتيجة فقد أبنائهم أو إعاقتهم بسبب هذه الظاهرة.

ويرى عدد من المواطنين أن التفحيط ظاهرة سلبية في كل حال من الأحوال لما لها من تأثير سلبي على الفرد والمجتمع؛ وذلك من خلال ما تخلفه من حوادث، وأن الأسباب التي تجعل الشباب يلجأون إلى هذا النوع من السباقات هو عدم وجود شيء لملء وقت الفراغ، والتقصير من مختلف الجهات بعدم إعطاء الثقة الكافية للشباب للتعبير عن النفس بالأفكار الهادفة والنافعة.

ويكثر التفحيط في الإجازات والأعراس والمباريات، وهذا يؤدي إلى استهلاك طاقات المجتمع من الشباب والممتلكات العامة وقتل الأبرياء، فعلى الدولة توعية الشباب وتخصيص أماكن لممارسة هذه الهواية وكذلك طرح مسابقات ومنافسات بين الهواة. ويقول أركان عبدالخالق، وهو ضابط شرطة مرور في بغداد، إن “رجال المرور مكلفون بتنظيم حركة السيارات في الشوارع العامة وعليه فإننا لن نسمح بحركات التفحيط الخطرة أو السباقات غير المرخصة لأنها تؤدي إلى حوادث خطرة”.

ويشير إلى أنه “قام بإيقاف وتغريم عدد من الشباب وهم يتسابقون على جسر الطابقين في بغداد لتجاوزهم السرعة المحددة”. أما بخصوص الاستعراضات التي تجوب شوارع العاصمة كل يوم جمعة تقريبا فيقول أركان “إنها لا تحتوي على مخالفات فمواكب هذه الاستعراضات لا تتجاوز السرعة القانونية، لكنها تتعرض لتدقيق أمني من قبل نقاط التفتيش المنتشرة في بغداد في إجراء روتيني قد يتضمن التفتيش والتأكد من الأوراق الثبوتية للسائقين”.

20