شباب السينما السورية يشكّلون من الألم ألوان الأمل

لوتس مسعود: "أول يوم" فيلم ينقل تطلعات السوريين إلى زمن ما بعد الحرب.
الجمعة 2020/11/13
هل يمحو المستقبل سواد الحاضر

مع ثبات مشروع دعم سينما الشباب الذي تنتجه المؤسسة العامة للسينما بسوريا واحتضانه للعديد من هواة السينما، ظهرت العديد من الأفلام التي حاولت أن تجد لها مكانا مختلفا في السينما السورية. ومن هذه التجارب الفيلم القصير “أول يوم” الذي قدّم في العام الحالي كأحد أفلام الشباب في السينما السورية، فماذا عنه وعمّا حقّق من نتائج حتى الآن؟

دمشق - في عرض خاص له بدمشق، ضمن فعاليات المركز الثقافي العربي – أبورمانة وبالتعاون مع مشروع مدى الثقافي قدّمت المؤسسة العامة للسينما بسوريا فيلم “أول يوم” عن سيناريو وإخراج للمخرجة السورية الشابة لوتس مسعود.

والفيلم القصير يقدّم طرحا غير مباشر عن واقع الحرب الذي تعيشه سوريا منذ أزيد من تسع سنوات، فيبدأ الحديث من حيث توقّفت آلة الحرب حول دمشق، وبدأ مسار الحياة الطبيعية بالعودة إليها تدريجيا. فاليوم الأول الذي يستعرضه الفيلم يعني نقطة اختلاف قدّمتها شخوصه في رد فعلها بعد أن أعلن عن وقف الحرب، وبالتالي انتهاء زمن سقوط القذائف على المدينة والمخاطر التي كانت تولّدها.

رمزية تغيّر الألوان

زمن الفيلم الذي قارب السبع دقائق كان كفيلا بنقل هواجس الناس وتطلعاتهم إلى غد يحمل المزيد من الهدوء لحيواتهم، فالثيمة التي اعتمدها العمل أكّدت أن المرحلة الأكثر صعوبة من الحرب العسكرية هي المرحلة التي تلتها، فما يلي الحرب هو أصعب من زمن الحرب نفسه.

ولعل المواطن السوري العادي يلمس بوضوح الآن أن الكثير من المشاكل والمتاعب التي يواجهها في يومياته صارت أصعب فعلا من مرحلة الحرب، خاصة غلاء المعيشة الذي يرزح تحت بطشه معظم السوريين في ظل شرط اقتصادي ضاغط  على الجميع.

واعتمد الفيلم الشكل السينمائي البصري بعيدا عن الحوار، فخلال زمنه لم يظهر الحوار ليكون جسر تواصل بين أبطاله والجمهور، بل اعتمدت مخرجته لوتس مسعود على لغة بصرية وظفتها لترجمة الأفكار. فحملت دلالات شكلية درامية. واستطاع مدير تصوير الفيلم الشاب ميار النوري العائد من الولايات المتحدة بعد دراسته للسينما بأداء متمكن من أن يقدّم حلولا عصرية في تنفيذ مشاهد العراك بين الشباب الثلاثة، وكذلك في إيجاد “كوادر” جمالية فيها تفاصيل المكان بالحيز المكاني ودرجة اللون الموظفة.

فكان اللون الأسود للسيدة التي تنشر الغسيل هو المسيطر على الثياب التي تعلقها على الحبال، لكن هذا اللون الأسود سرعان ما غاب بعد أن تبدّل الحال نحو المزيد من الهدوء والأمان، فظهرت الألوان المختلفة للثياب من قبل نفس السيدة وعلى ذات الحبال، كذلك الشأن بالنسبة للفتاة التي تعيش شبه منعزلة في بيتها الذي يقيها مخاطر ما يدور في الشارع، فتعود لتقف أمام مرآتها في مواجهة مع لحظة مبتغاة.

جرعة أمل

عزلة طوعية تقي من أهوال ما يدور بالشارع
عزلة طوعية تقي من أهوال ما يدور بالشارع

يصل الفيلم عميقا في طرح فكرة أن كل الناس صاروا مشغولين بذواتهم في أتون هذه الحرب من خلال مشهد يتعرّض فيه شاب للاعتداء الجسدي من قبل آخرين فيعود لمسكنه، وقد حمل على جسده ووجهه رضوضا وكدمات. فيراه الجميع وهو عائد إلى بيته، لكن أحدا لا يكترث بأن يسأله عن حاله وسبب ما هو فيه؟ وهو بدوره لا يبدو مكترثا بإعلام شركائه في السكن بما حدث له.

العمل بزمنه الخاطف وأجوائه والدلالات البصرية التي كونها يحمل جرعة أمل نحو الغد رغم حساسية ثيمته الأساسية المتعلقة بأن زمن ما بعد الحرب أصعب، وهو يشي بأن الحياة ستكون نحو الأفضل وسيتحرك الناس بشكل طبيعي ويستمعون للإذاعة في الصباحات وهي تحكي عن حالة الطقس وغير ذلك من التفاصيل اليومية العادية التي غيبتها حالة الخطر والخوف.

و”أول يوم” فيلم من إنتاج المؤسسة العامة للسينما بسوريا، ضمن مشروع دعم سينما الشباب، وهو من بطولة لوريس قزق وإياد عيسى وأمينة عباس وحسن خليل وآية محمود وملهم بشر وعلاء زهرالدين ورندة كروشان والورد دمقسي.

لوتس مسعود: الفيلم لم يكن مغامرة عرضية، بل هو نتاج تعب فريق بأكمله
لوتس مسعود: الفيلم لم يكن مغامرة عرضية، بل هو نتاج تعب فريق بأكمله

وهو يتحدّث عن يوم توقف سقوط قذائف الإرهاب على دمشق بتاريخ الـ22 من مايو 2018، بعد تطهير الريف الدمشقي، حيث يسلط الفيلم الضوء على هذا اليوم من خلال أكثر من حالة وكيفية تعامل مخرجته مع خبر توقف القذائف بعد أن عانت كغيرها لسنين طوال من الموت الذي حملته هذه القذائف لأرواح عديدة.

وبيّنت لوتس مسعود في الندوة التي تلت عرضه “كنت متوجسة من فكرة إنجاز الفيلم، فأنا تعوّدت على أن أكون كاتبة لنصوص مسرحية أو سينمائية، أدفع بها عند إنهائها لوالدي غسان مسعود أو شقيقي السدير لكي يكملا عملية الإخراج المسرحي أو السينمائي. لكني في سيناريو ‘أول يوم’ قمت بتنفيذ الإخراج، وهي مسؤولية كبيرة كانت على عاتقي، أحببت الفكرة وآمنت بضرورة تحقيقها، كذلك كل فريق العمل الذي كان معنا، كانت هناك صعوبات مهنية، لكننا بإصرارنا على العمل تمكنا من تجاوزها حتى وصلنا إلى تحقيق الفيلم وعرضه”.

وأضافت “موضوع إدارة إخراج فيلم سينمائي لا يعتمد على الناحية الفنية فحسب، بل يحمل سمات إنسانية تتعلق بالقدرة على إدارة مجموعة من الأشخاص، هم فريق الفيلم وخلق حالة من التناغم في ما بينهم، والقدرة على إيصال الأفكار إلى الآخرين حتى يتسنى لهم جميعا فهم النص وبالتالي إنجازه على الشكل الأمثل”.

وتتابع عن فكرة التغلب على مشاعر الخوف التي أحسّت بها وهي تقف للمرة الأولى خلف الكاميرا السينمائية “الحماس باتجاه أنه يجب أن نصنع هذه الفكرة الإنسانية العميقة كان الحصن الذي كنت فيه لكي أتغلب على القلق الذي ساورني في بداية الأمر، وبهذا الحماس عملنا بروح جماعية واحدة، كان الجميع يقدّم أفضل ما لديه من جهد خلاّق، حتى أولئك الذين يعملون في مهام غير فنية ومكمّلة، كانوا جديين في تقديم عملهم وهذا ما انعكس إيجابا على روح الفيلم بالكامل وبالتالي حسن تنفيذه”.

وعرض فيلم “أول يوم” ضمن فعاليات مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة بدورته السادسة التي أقيمت بدمشق خلال السنة الجارية، كما شارك في مهرجان براغ السينمائي الدولي المستقل في فئة الأفلام القصيرة وعاد منه بجائزتي أفضل فيلم قصير وأفضل إخراج، وهما أول جائزتين تسجلان في سجله.

وعن تتويج الفيلم بجائزتين في أول مغامرة إخراجية للوتس مسعود، قالت “كنت متفائلة بالفيلم ومقتنعة بأن فيه شيئا جديا، وبعد عرضه في مهرجان سينما الشباب بدمشق، تواصل معي أحد الأصدقاء الموجودين في أوروبا وطلب الفيلم لصالح مهرجان أوروبي، فأرسلته بشكل تلقائي لكونه يحمل فرصة العرض على جمهور أجنبي والتفاعل معه، وبعد فترة يأتيني إيميل يحمل لي خبرا مفرحا بأن الفيلم فاز بجائزتين. بالطبع سعدت جدا بهما، لأن الفيلم سوري واستطاع منافسة أفلام عالمية وانتزاع جائزتين فيه، كما جعلني أثق تماما أن ما قمنا به في الفيلم لم يكن مغامرة غير محسوبة العواقب، بل خطوة صحيحة في الاتجاه الواعي لما نريد أن نقوم به في سينمانا الشابة”.

16